يحاول الكاتب في هذا الكتاب طرح رؤية علمية اجتماعية، لظاهرة الاحتجاج الديني وعلائقه بالصراع الطبقي، من خلال دراسة أهم الحركات الدينية في مصر، في القرن العشرين. ويهدف الكاتب إلى وضع إطار تفسري عام لهذه الظاهرة في كل نموذج يتعرض له، دون التقيد بأحداث أو أشخاص بعينهم - معتمد أساسا على المقارنة والتحليل، لأكبر قدر ممكن من المعرفة المتاحة عن الحركات الدينية في مصر وخارجها؛ مقسمة الدراسة إلى ستة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: الحركات الدينية رؤية اجتماعية تعتبر الحركات الدينية من الظواهر التي تجتذب الانتباه، لما يحيط بها من جدل واختلاف ولما تتميز به من إثارة وغموض. والحركة الدينية لها تأثير ديني واجتماعي بالضرورة، ولها تأثير سياسي أحيانا. فالحركة الدينية الانسحابية أو الانعزالية تخرج من دائرة السياسة، أما تلك التي تخرج من عزلتها أو ترفض العزلة في الأصل، فإنها تفتح لنفسها مجال التفاعل مع المجتمع، وبالتالي ينفتح باب الصراع، وتدخل دائرة السياسة وهنا يصبح الصراع حتمية يفرضها تعارض المصالح ويرى الكاتب أن معظم الكتاب الذين تناولوا الحركات الدينية كانوا إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، سواء بالتأييد أو المعارضة، ولم يكن تناولهم لها تناوله علميا قائما على المقارنة والتحليل. ولكن هذا لا لهذه الحركات لا يخلو من المشاكل، فالمشكلة الأساسية التي تواجه العلم هنا تظهر في لغة العلم والموضوعات التي يبحثها، فالعلم لا يدرس المثاليات والقيم اليحكم عليها، في حين أن أصحاب الحركات الدينية ينطلقون أساسا من هذه المثاليات والقيم. وبعد عرض موجز لتاريخ نشأة الحركات الدينية في الأديان السماوية الثلاث، يرى الكاتب أن لا فرق بين الحركة التي تمارس دورة سياسية، وتلك التي هذا الدور، فكلاهما حركة دينية لها أسس اجتماعية متشابهة، والفرق بينهما يتمثل في ثلاثة جوانب هي: 1 - اختلاف في رد الفعل (الاستجابة تجاه الواقع 2 - اختلاف في مدى توسيع دائرة النقد والمطالبة بالتغيير 3- اختلاف في درجة التقية (الإخفاء) ودرجة العلانية والتصريح
وهذه الجوانب الثلاثة تدل على مدى سهولة انتقال حركة من الانعزالية الكاملة إلى المواجهة الشاملة. وبناء على وجود الحركات الدينية في الديانات السماوية الثلاث فإن هذا الأمر يؤكد عالمية الحركات الدينية التي شهدت صحوتها الكبيرة منذ سبعينات هذا القرن . وفي الوقت الذي يذهب فيه البعض إلى القول إن الصحوة تميز العالم الإسلامي تدل الدراسات على أن المجتمعات كافة تعيش الآن زمن الصحوة والحركات الدينية، ومما لا شك فيه إن ظهور ما سمي بالإحياء المسيحي السياسي في مصر والذي يؤرخ له بتاريخ اعتلاء البابا شنوده الثالث لكرسي مار مرقس الرسول عام 1971، وظهور الجماعات الإسلامية التي ولدت في أحضان هزيمة يونيو عام 1967 ، قد فتح الباب أمام الاحتجاج الديني في مصر الذي يتناوله الكاتب من خلال التركيز على الصراع الطبقي، مع إن الربط بين الدين والطبقات أو الصراع الطبقي يثير بلا شك العديد من أن الاختلاف بین شخص وآخر تبعا للانتماء الطبقي لكل منهما، يؤدي إلى اختلاف رؤية كل منهما للدين، ويعني ذلك أن الدين مطلق، ولكن التدين نسبي وقد يختلف باختلاف مصالح الأفراد. إن تفريق الدين بين المؤمن والكافر يبرز دور الدين في الصراع الطبقي. فمن خلال هذه التفرقة يمكن لطبقة ما تغيير وضعها في المجتمع، وقد تلجأ الحركة الدينية لسلاح التكفير تبعا لمدى ثورية التغييرات المطلوبة، لهذا يتوقف دور التكفير على مدى رفض الجماعة للواقع المعاصر، ومدى الصراع بينها وبين الطبقات الأخرى، وأيضا على الواقع الجديد الذي تنشده الجماعة.
الفصل الثاني: رجال الدين: طبقة تحال للتقاعد بعد عرض التاريخ التعليم في مصر منذ مئتي عام تقريبا والتجاذبات الحاصلة بين الدولة والأزهر والكنيسة القبطية خصوصا بعد إدخال محمد علي التعليم الحدیث - على أثر إنشاء العديد من المدارس الحكومية - إلى المناهج التربوية في مصر، يرى الكاتب أن المأزق الذي تواجهه المؤسسة الدينية، هو الاختيار بين المحافظة (التقليد) والتحديث (التحرر) ولكن الصراع تفاقم عندما أصبح صراعة طبقية، فطبقة رجال الدين بمكانتها كصفوة لها دور ريادي، كان عليها مواجهة طبقة جديدة صاعدة تنافسها مكانتها من اصحاب الحداثة. وبالتالي كان على هذه الطبقة الجديدة الصاعدة ولكي تحمي مكاسبها أن تواجه الصفوة التقليدية، أي رجال الدين. وهذا لا يعني ثبات الأزهر على موقفه فنجد الكثير من التطوير والتحديث على مستوى طرح القضايا الحياتية والسياسية ورغبة المشايخ في الأزهر خوض غمارها وإن في نطاق محدود تجنبا لغضب السلطة. أما على صعيد الكنيسة القبطية فقد شهدت تنافسية بين الإكليروس الذي يعبر عن الاتجاه المحافظ والقيم الريفية، وبين أصحاب الاتجاه التحديثي وقيم المدينة، الأمر الذي ساعد الكنيسة التي عملت على خلق فكر تحديثي محافظ، يجمع بين الفوائد العملية للتحديث، وبين التأكيد الصارم على التقاليد الدينية الكنسية المحافظة. وتحت عنوان « الكنيسة والثورة من الداخل »، رأي الكاتب أن الصراع بين الطبقة العليا القبطية والكنيسة كان عاملا مهما في ظهور قوة جديدة هي الطبقة الوسطى القبطية، التي تزامن ظهورها مع تبلور الطبقة الوسطى في مصر، فالطبقة الوسطى كانت لها طموحاتها التي وقفت الطبقة العليا عائقا أمامها، الأمر الذي دفعها إلى التحالف الكنيسة ، خصوصا وأن الكنيسة قدمت إلى أبناء الطبقة الوسطى ما يحتاجونه من التعليم المجاني في أن مدارسها ، وصحيح بعض أبناء هذه الطبقة اختار العمل العام خارج الكنيسة، إلا أن البعض الآخر اختار العمل من داخلها الأمر فأعطاها دفعة في وجه الصفوة من أبناء الطبقة العليا، في حين أن الصراع بين الطبقة الوسطى والعليا ظل قائما ، ومن هنا يمكن اعتبار هذا الالتفاف حول الكنيسة واتجاهها نحو التحديث ثورة من داخل الكنيسة. مع وصول البابا شنوده الثالث إلى الكرسي البابوي في عام 1971 وصل العديد من الرهبان إلى مناصب الأساقفة، ومعظمهم من جيل البابا شنوده، الأمر الذي أتاح أحد أهم الأهداف التي أرادها هذا الجيل، لجهة إنهاء عصر القيادات التقليدية الكنسية والاهتمام بالقضايا السياسية التي فتحت باب الصراع السياسي بين الدولة والكنيسة من خلال الكشف عن مضمون الموقف السياسي للكنيسة. ورغم أن الصراع بينهما لم يكن مقصودة بحد ذاته، فإن اعتلاء البابا شنوده الثالث الكرسي البابوي، وهو مقتنع بأن هذه المكانة القيادية هي التحقيق آمال الطبقة الوسطى، والمطالبة بحقوق الشعب القبطي، جعل النبرة السياسية أعلى من النبرة الاجتماعية وأصبح الصراع حتمية. وقد اتخذت قيادات الكنيسة طريقة خاصة بها في هذا المجال كان أقرب إلى أساليب الاحتجاج والاعتراض، هذه الأساليب التي كانت ترمي لعدة أهداف:
1 - قيام الكنيسة بدور الممثل للشعب القبطي، بدلا من الصفوة القبطية. 2 - فرض سلطة الكنيسة على الصفوة القبطية 3- تحقيق آمال الطبقة الوسطى القبطية التي تسعى لتحقيق مكانة مقبولة في الطريق المجتمع والحياة. 4- کسر حالة السلبية التي ميزت الكنيسة والأقباط لفترات طويلة. ولكن مواقف الكنيسة لم تستطع تحقيق كل هذه الأهداف، وكان الصدام بين الدولة والكنيسة عاملا مهما في إحباط هذه الأهداف. هذا الصدام كان نتيجة الاستخدام أساليب الاحتجاج، والتي تمثلت في البيان القبطي لعام 1977، والامتناع عن إقامة شعائر العيد في عام 1980 وسواها، والتي كانت سببا في خلق العديد من المشكلات التي جعلت المجتمع القبطي يعيش في عزلة إعلامية اختيارية أحيانا، وإجبارية أحيانا أخرى، حيث إن الشعب المصري لا يعرف الكثير عن الكنيسة واتجاهها، ولا يستطيع بسهولة معرفة أهدافها، وهذا الأمر يبرز مأزق النجاح عند البابا شنوده وجيله الذين استطاعوا الوصول إلى الكنيسة لكنهم لم يستطيعوا تحقيق أحلامهم وأهدافهم التي نشدوها. وتحت عنوان: صراع المعممين والمطربشين، يرى المؤلف أنه منذ بداية مشروع التحديث في عصر محمد علي، بدأ ظهور الازدواجية الثقافية، بين الفكر الديني التقليدي والفكر التحديثي المعاصر، وأصبح هناك العديد من المؤسسات التعليمية، التي تنافس الأزهر دوره التعليمي. فضلا عن الاختلاف الكبير في مناهج التعليم، الأمر الذي جعل كلا من المؤسستين تخرج شخصية خاصة لها فکرها المميز. فكان المعممون من الأزهر، والمطربشون من المؤسسات التعليمية الحديثة. أما على الصعيد الشعبي فقد اتجه أبناء المدينة أصحاب الاتجاه التحديثي بكل ثقلهم إلى العمل العام، في الأحزاب والأنشطة الثقافية والسياسية. أما جماعة أبناء القرى أصحاب الاتجاه المحافظ، فكان ملاذهم الوحيد، الأزهر والمسجد. وهكذا لم يحدث بين الجماعتين صراع على الأزهر - كما حدث عند المسيحيين - لأن لكل منهما مؤسساته التي تمثله، وكان الصراع بالتالي بين المؤسسات. وقد حاولت الحكومة التوفيق بين الاتجاهين التحديثي والمحافظ. لهذا هي للأزهر لا كانت تعتمد على المؤسسات العامة لتحقيق التحديث والتقدم والتنمية، وعلى الأزهر لتأكيد استمرار الروح العامة للاتجاه المحافظ. ولهذا الجمع بين التحديث والمحافظة أسبابه، فالطبقة الحاكمة المصرية من عهد الثورة والتي ينتمي لها جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك والتي تمثل اتجاها علمانية، الطبقة الوسطى المحافظة وليست الطبقة الوسطى ذات الاتجاهات التغريبية. وقد حاول رجال الحكم في مصر، الجمع بين المحافظة على الأصول من خلال الفكر الديني والقيم الريفية، وتحقيق التقدم والتنمية من خلال الفكر التحديثي والاتجاهات المعاصرة، لذلك فإن الحكومة المصرية كانت تحتاج إلى الأزهر ، ولكن بقدر محدد . لهذا كان عليها أن ترسم طريقة محددة، لكي يقوم بالدور الذي تحتاجه، وهكذا أصبح أحد مؤسسات الدولة، التي تقوم بدور تأكيد القيم الريفية والاتجاهات المحافظة. ولكن هذا يعني عدم وجود منافسة بين الأزهر والمؤسسات العامة في المجتمع، هذه المنافسة التي تظهر بوضوح، حيث إن الأزهر ورغم الحداثة التي أدخلت إليه من قبل الحكومة نفسها، لم يكن قادرة على قيادة حركة جماهيرية تجذب عامة الشعب إلى الأزهر، كقائد لمسيرة الحضارة، مثلما استطاع اجتذاب أبناء الريف والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى في المدينة. من هنا كان على رجال الدين التمرد على الوضع القائم، وتظهر نماذج التمرد منذ عقد السبعينات خاصة ، والذي تمثل بما يمكن تسميته بالوعظ السياسي ، وقد كان النجوم الوعظ السياسي، دور في إحياء موجة من التمرد الديني، ليس فقط ضد الحكم، بل الأهم من ذلك أنه كان تمرده ضد المدينة وقيمها، ولم يقدم الوعظ ( الشيخ عبد الحميد كشك، والشيخ محمد المحلاوي وسواهما ) فكرا يجمع بين قيم المدينة وقيم القرية في إطار عام، بل قدموا فكرة احتجاجية، يحتج على قيم المدينة من خلال قيم القرية، ويرى الكاتب أن الفكر الذي قدمه الواعظ هو فكر يوجه صراعاته نحو الجماعات التي عزلت الفكر الديني المحافظ عن مجرى الحياة إلا أنهم لم يقدموا فكرة تحديثية للدين ينافس الأفكار السائدة في المجتمع، ويسير بعض المشايخ الجدد في طريق التمرد إلى نهايته ويعتبر الصراع بين الشيخ عبد الحميد كشك والرئيس الراحل أنور السادات من أكثر صور الصراع بين المعممين والمنظرين. وبالرغم من قدرة المشايخ على خلق شعبية كبيرة إلا أنهم لم يخلقوا حركة اجتماعية وكانوا في ذلك أشبه بالقيادات المسيحية، حيث إن كلتا الحركتين استطاعت جمع جمهور من المؤيدين إلا أن هؤلاء المؤيدين كانوا مستمعون سلبيين لا دور فاعلا لهم في ساحة المجتمع.
الفصل الثالث: الصعود الطبقي وتضخم الشعور الديني
إن الذين لم يكن يوما لطبقة دون أخرى، ولكن قد ترتبط طبقة ما بالدين أكثر من الأخرى، وهذا الأمر يوضح اختلاف في الفكر الديني بين الطبقات، لذا تظهر في كل جماعة بعض الأفكار الدينية التي قد تنتمي إلى ظروف الجماعة، أكثر من انتمائها إلى مضمون الدين نفسه. وفي وقت تواجه فيه الطبقة الوسطى من المسلمين والأقباط الكثير من الأزمات المتتالية والمتشابهة، وجدت هذه الطبقة حلا باللجوء إلى الهجرة التي بدأت في نهاية الستينات، وقد كان فتح باب الهجرة إلى الدول العربية علامة على العديد من التغييرات السياسية، التي بدأت في الظهور منذ هزيمة عام 1967، حيث ظهر احتياج الدولة إلى النقد الأجنبي، وفشلها في تعيين المزيد من الخريجين. ولم يجد الشاب المصري في دول المهجر العربية اختلاف في العائد المادي فقط، بل وجد الكثير من الاختلافات الأخرى، في القيم والأخلاق، وفي السلوك والمظهر، وفي المفاهيم الدينية السائدة. ولأن الدولة العربية إسلامية، كان لها تأثير أكبر على المسلمين، وكانت جاذبيتها أكبر للمسلمين دون الأقباط. وقد وجد المهاجر المسلم في الدول العربية المال والرخاء والرفاهية والدولار والبترول، وإضافة إلى ذلك وجد الإسلام بمفهوم يختلف إلى حد ما عن المفهوم السائد في مصر، ففي السعودية مثلا فإن التطبيق المحافظ للإسلام جعل مفهوم الرخاء يرتبط بالاتجاه الديني المحافظ للمجتمع والدولة. وعندما عاد المهاجرون إلى مصر، لم يحملوا معهم مالا فقط، بل أيضا خاصة أفكاره وسلوكا جديدين، في حين لم يتغير واقع الحياة المصرية كثيرة. لذا عادوا المواجهة المشكلات نفسها التي واجهوها قبل سفرهم، إضافة إلى مشكلة البحث عن مستوى ومكانة اجتماعية جديدة، أي البحث عن هوية جديدة، في نفس الإطار الذي كانوا فيه في الدول العربية. وكانت أهم عناصر هذا الإطار، هيا الرخاء ونمط التدين الجديد، وقد كان لهؤلاء دور في تزايد الشركات الإسلامية، والمدارس الإسلامية، إضافة إلى دور بعضهم في مساندة الجماعات الإسلامية. أما في الوسط القبطي، فإن ثمة تشابها بين العناصر التي دفعت المسلمين للهجرة وتلك التي تدفع الأقباط، رغم وجود اختلاف بين وضع الطرفين، لكن الأقباط تميزوا بوجود هجرات دائمة مستبدلين الوطن بوطن آخر، وقد وجدوا في الدول الغربية ما يصبون إليه فهاجروا نحوها، وقد تجمعت العديد من الظروف لتجعل الأقباط المهجر مواقف مؤثرة على المجتمع المصري، ومن أبرزها تزايد أعداد المهاجرين منهم في كندا وأميركا وأستراليا، حيث أقاموا هناك كنائس قبطية، كان لها دور كبير في جمع الأقباط حولها. ظهور أحداث الفتنة الطائفية في عقد السبعينات، ازدادت الشكوى في الوسط القبطي، وحاول الأقباط هذه المرة دعوة المهاجرين إلى الوطن والقيام بدور الأحداث الراهنة. وإذا كان الأقباط قد تركوا وطنهم وهم يحلمون بتحقيق الكثير من الطموح فيه، فإن الفتنة أعطت لهم في المهجر الدور، ليصبحوا حكومة المنفى، وتكونت الهيئة القبطية، ومنها الهيئة القبطية الأميركية، التي تصدر مجلة الأقباط. وفي هذه المجلة وغيرها، وفي محاولة الأقباط المهاجرين تكوين جماعة سياسية في المهجر، لم يقدم المهاجرون، رؤية للأوضاع الداخلية وحلوة مقترحة لتغيير الواقع، بل انتشرت في هذه البيئات أفكار تنادي بأن الأقباط هم السلالة المصرية النقية، والعرب دخلاء مستعمرون، الأمر الذي تمر بأنه ثورة قبطية على الواقع والمجتمع المصري، وقد تبلورت خصائص هذه الحركة الاحتجاجية، التي كانت تهدف إلى تحقيق المكانة والطموح لهذه الطبقة الوسطى من الأقباط التي حقق أفرادها النجاح المهني في المهجر وبقي عليهم حقيق النجاح السياسي ، هذا النجاح الذي لا يمكن تحقيقه إلا في الوطن الأم مصر . في هذا العمل على إضافة إلى كل ما ذكرناه فإن لمؤسسات العمل الاجتماعي في مصر أهمية كبرى في التأثير والتحولات في الأوساط الاجتماعية ، حيث إن هذا العمل قد تحول إلى نوع من أنواع العمل السياسي للجماعات الدينية ، الأمر الذي ساعد نشأة الكثير من المشروعات الاجتماعية الدينية في المجتمع المصري بشقيه المسلم والقبطي . وقد ارتبط العمل الاجتماعي، بالنسبة للأقباط، بظاهرتين: 1- الصراع بين الصفوة القبطية الأرثوذكسية، والكنيسة الأرثوذكسية. التوسع الكبير الذي شهده هذا العمل من جانب جيل الأربعينات الذي أدخل التجديد إلى ميدان الكنيسة القبطية. وقد تمیز الصعيد الإسلامي بمحاولات بعض الفئات لتأكيد دورها ومكانتها في المجتمع، وقد كان لجماعة الإخوان المسلمين دور كبير في مجال العمل الاجتماعي، الأمر الذي ساعدها على تأكيد هويتها ومكانتها في المجتمع المصري.
الفصل الرابع: الأحزاب الدينية
: الغائب الحاضر يتناول هذا الفصل بالدراسة نموذجين للحركات الدينية هما:
1- جماعة الإخوان المسلمين 2 - جماعة الأمة القبطية.
إن هناك الكثير من التشابه بين الجماعتين، فكل منهما تمثل تنظيما خارج المؤسسة الدينية حاول تغيير الفكر الديني، وتغيير وضع الدين ودوره في المجتمع، من خلال اعتبار الدين هو الهوية والبديل لما هو سائد في المجتمع، وهذا الأمر يؤكد وجود صراع بين هذه الجماعات والحضارة السائدة التي لم تفسح المجال أمام هذه الجماعات لتحقيق الذات وتجديد الهوية.
وفي هذا المجال فقد اجتمعت العديد من الظروف لتجعل نشوء حركة الإخوان المسلمين حتمية اجتماعية في العشرينات من خلال القرن خصوصا في ظل التقدم الصناعي وما عرف بالثورة الصناعية في الغرب، وبدء انتقاله ( انتقال التقدم الصناعي ) إلى الشرق بجميع إفرازاته وقيمه، فكانت هذه القيم الجديدة، ووجود الأجانب والمغتربين المصريين وما حققوه من مكانة مرتفعة في المجتمع المصري ، يمثل تحديا للبيئة التي خرج منها الإخوان المسلمين إضافة إلى ذلك فقد واجه الإخوان المسلمين تهديدا خطيرة على المستوى الديني والحضاري من خلال عمل الإرساليات الأجنبية ، فبتقديم الخدمات التعليمية والصحية وغيرها ، كانت تقدم نموذجة أخلاقية جديدة . وهذا الأمر دفع بالإخوان المسلمين إلى تحقيق نموذج محلي لخدمة الناس. وقد كان لحركة الإخوان المسلمين - التي خرجت من الطبقة الوسطى الحائرة والرائدة من الريف - دور مهم في استقطاب شرائح واسعة من المجتمع نؤمن بالمحافظة على الأصول الدينية ، والاتجاه الثقافي والفكري المحافظ ريتمي حسن البنا إلى الطبقة الوسطى الوافدة من الريف، وقد حاول البنا الوصول إلى إطار حضاري يتمي إلى الريف ، إلا أن المدينة كانت تنتمي إلى إطار حضاري مختلف ، لذلك حاول البنا اكتساب شعبية من الفئات الدنيا ثم انتقل إلى الطبقة الوسطى في شرائحها الدنيا والذين يعيشون في بيئات هامشية في المدينة ، ثم إلى الطبقة الوسطى ويتبع مذكرات حسن البنا ، نجد انه بداية العمل الجماعة الإخوان ، كان ينتقل من الدائرة الأخلاقية إلى الدائرة الاجتماعية ومن ثم إلى الدائرة السياسية ، حيث إن الصراع الحقيقي للجماعة كان من اجل البحث عن دور ومكانة في المجتمع ، فكان عليها مواجهة الطبقات العليا ، والطبقة الحاكمة ، لتخلق لنفسها مكانة بین هذه الفئات ، كممثل للاتجاه المحافظ الديني والطبقة الوسطى وقد حاول سيد قطب في كتاباته المتأخرة، تقديم مشروع عالمي إسلامي مثالي ، وعبر هذا المشروع عن اتجاه تطور جماعة الإخوان المسلمين ، ومع آن أهداف مشروع سيد قطب كانت شديدة المثالية إلا أن وسائل تطبيقه كانت شديدة الواقعية فكانت الأهداف تنتمي إلى فكر ديني مثالي، وكانت الأساليب تنتمي إلى فكر سياسي عملي، لذلك رفض المرشد العام حسن الهضيبي فکر سید قطب کونه رافضا للمجتمع، في حين أن جماعة الإخوان كانت ترفض تكفير المجتمع ومحاربته. وهنا تتضح مشكلة الإخوان المسلمين الذين حاولوا في بدايتهم خلق إطار فكري محافظ، له ملامحه التحديثية، إلا أن نجاحهم كان على مستوى الممارسة، أكثر منه على مستوى الفكر، فلم يقدموا إطارا فكريا أصيلا، ينتمي للتراث المحافظ، ويمثل تطورا تحديثية له. وهذا الأمر ألقي بثقله على الأداء السياسي للإخوان، فكان سلوكهم السياسي مزيجا من التردد بين المحافظة والتحديث، حتى بات هذا الأمر عقدة حركة الإخوان في عملهم السياسي، فجماعة الإخوان بقيادة حسن الهضيبي، لم تستطع حل التعارض بين التحديث والمحافظة، خاصة عندما تعلق الأمر بالسياسة. وسيد قطب لم يستطع أيضا حل هذه الازدواجية بما فيها من صراعات، فأراد تحطيم المجتمع ليقوم بدلا منه مجتمع کاملا جديد تماما. وعلى العكس مما هو عليه الحال عند الإخوان المسلمين فإن جماعة الأمة القبطية التي كانت نشأتها من المدينة وفيها كانت تتجه دائما نحو تطوير الإطار التحديثي ولكن بشكل تحافظ فيه. على الجذور الأصيلة القبطية، الأمر الذي جعل جماعة الأمة القبطية على خط المواجهة مع الإخوان المسلمين، فكان تأكيدها على مفهوم الأمة القبطية والحضارة القبطية والتميز القبطي؛ وهكذا لم يعد داخل المدينة المصرية ازدواجية ثقافية، بل أصبح هناك تعدد ثقافي. وظهرت تيارات فكرية مختلفة، منها: 1- الاتجاه التحديثي العام ، ويضم مسلمين وأقباطه 2 - الاتجاه الإسلامي المحافظ، يتمثل في جماعة الإخوان المسلمين. 3 - الاتجاه القبطي المحافظ التحديثي، ويتمثل في جماعة الأمة القبطية.
أعداد كبيرة من الأعضاء وقد انطلقت جماعة الامة القبطية انطلاقة سريعة، ومارست العديد من الأنشطة الاجتماعية، لدرجة أنها استطاعت في سنوات قليلة للغاية، وقد نادت بتعليم اللغة القبطية، في محاولة لتأكيد الهوية القبطية التي ظهر إحساس لدى الأقباط بفقدانها وفقدان دورها وتأثيرها الاجتماعي.
الفصل الخامس: جماعات الرفض
يتناول الكاتب في هذا الفصل الجماعات الدينية من خلال منظور عام يشملها جميعا مع التعرض لبعض خصوصيات كل جماعة. ولعل الهدف من خلال تناول مختلف الجماعات الدينية معا، هو التأكيد على أهمية إدراك العوامل المشتركة بينها، إضافة إلى أوجه الاختلاف التي لا يمكن إدراكها طالما أن هناك جماعات مسيحية تشكل أقلية وأخرى إسلامية تشكل الأكثرية من أبناء المجتمع. وفي عملية مقارنة الجماعات المسيحية والإسلامية نجد أن الجماعات المسيحية جماعات رفض، تواجه المجتمع القبطي والكنيسة قبل أن تواجه المجتمع العام، في حين أن الجماعات الإسلامية ترفض الدولة. وقد قدمت جماعة الأمة القبطية لنا نموذجا لذلك، فعندما لجأت إلى العنف كان عنفها موجهة ضد الكنيسة. وتهدف الجماعات المسيحية للتأثير على المجتمع القبطي، فتعمل على تغيير أفكار المسيحيين في مصر، وبهذا تستطيع أن تؤثر على المجتمع العام، وبذلك تكون هذه الجماعات قد أخفت أهدافها الحقيقية، وهذا الإخفاء يمثل أسلوبا لتفادي هجوم المجتمع عليها، ومواجهته بین هي ويرى الكاتب أن الطبقة الوسطى التي تشكل جزءا بارزة ومهمة جدا من المجتمع المصري، تشكل بكل فئاتها خصوصا الدنيا والهامشية منها، الفئات الثائرة في الوقت الراهن وهي في الغالب لا تجد طريقها مع الطبقة الرأسمالية ولا الاتجاه اليساري ولا حتى داخل المؤسسة الدينية، ويشير ميهل إلى أن سبب ابتعاد هذه الفئات عن المؤسسة الدينية أن الأخيرة تتميز بالبرجوازية وتتلقى الدعم من الدولة البرجوازية، أي ترتبط بالطبقة العليا الرأسمالية ولكن بتطبيق هذا المفهوم على المؤسسة الدينية المصرية ظهر فروق بين المؤسسة الإسلامية والمؤسسة المسيحية . فالمؤسسة الدينية الإسلامية، تنتمي بالفعل إلى الطبقة العليا الحاكمة، وتتلقى الدعم منها. لهذا لا تجد الطبقة الوسطى بفروعها الدنيا الإسلامية، طريقها داخل المؤسسة الدينية الإسلامية لأنها تدرك انتماء هذه المؤسسة للفئات التي تصارعها. أما في الكنيسة فإن اجتذاب الكنيسة للطبقة الوسطى العليا والشرائح البرجوازية، أدى إلى إبعاد فئات الطبقة الوسطى الدنيا الثائرة عن الكنيسة، لأنها تجد في الكنيسة نموذجا للطبقات التي تحرمها من فرص الحياة. ومع ذلك استطاع البابا شنوده من خلال دوره السياسي أن يجذب بعض فئات الطبقة الوسطى الدنيا التي تتمثل بالذين أصبحوا يشعرون أنهم باتوا أو سيصبحون على هامش الحياة كالطلاب الذين يعزلهم واقعهم الدراسي وغموض المستقبل أمامهم عن المجتمع ، والمعلمين، وصغار التجار ... إلخ ، من الذين يحتم عليهم تكوينهم الارتقاء والتطور في الحياة العملية لينتموا إلى الطبقة الوسطى الحاكمة، التي يمثل شرائحها العليا كبار الموظفين، ويمثل امتدادها البرجوازي ، الحكام والرأسمالية الوطنية ، لهذا نجد أن الحركات الدينية المعاصرة تنبع من فئة داخل الطبقة الوسطى هي الدنيا والهامشية ، لهذا فإن الحركات الدينية لا ترفض الواقع في بداية الأمر، بل يكون رفضها لواقع الشباب والفئات الهامشية . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجماعات الجديدة (الدينية) لا تواجه مشكلة تجاه التكنولوجيا، فهي لا ترفض التكنولوجيا في حد ذاتها. إنها لا تمثل اتجاها محافظة يحارب التحديث، بل تقبل التحديث من حيث قبولها الثمار التكنولوجيا والثورة الصناعية، ولكنها ترفض الجوانب الاجتماعية والثقافية من حضارة العصر، تواجه النظم والأفكار والمعاني، دون أن تواجه المنتجات المادية للحضارة. وهكذا كان الصراع داخل المدينة، بين المدينة وهامش المدينة. وتتفق الجماعات الدينية الإسلامية والمسيحية في هذا المجال، حيث يمثل التيار الإسلامي في المدينة اتجاهه من داخل المدينة ويهاجم المدينة، وأيضا يمثل التيار المسيحي المعاصر اتجاها ينبع من المدينة ليهاجم المدينة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفئات التي تعاني التهميش الانعزالي عن المجتمع لا تتجه جميعها إلى الحركات الدينية، فالبعض يستسلم للحياة الهامشية والبعض يسافر إلى خارج البلاد، وهذا الأمر يساعد في وجود فروق فردية بين المنتمين إلى الجماعات الهامشية. ويلاحظ أن أعضاء الجماعات الدينية عادة ما يمارسون حياتهم اليومية على أساس أن انعزالهم هو تجربة نفسية واجتماعية. وتتضح هذه الصورة في الجماعات المسيحية التي تنشئ لنفسها مجتمعها الخاص أكثر من الجماعات الإسلامية، ومن خلال تجارب أعضاء هذه الجماعات في المجتمع العام التي تتسم بالفشل والإحباط، يتزايد انجذابهم إلى المجتمع الخاص البديل الذي يعيش خارج المجتمع العام. ولكن قد تنجح الجماعات الدينية بفرض قيمها على المجتمع وقد يتبنى المجتمع أفكارها بتشدد وتزمت ولكن لفترة قصيرة للغاية، كما حدث في تجربة الثورة الإيرانية التي تبنى المجتمع أفكارها بتشدد وتزمت إلا أنه بدأ يتجه إلى مزيد من الاعتدال والوسطية. وهكذا فإن الجماعات الدينية، لا تقدم مشروعة لإصلاح المجتمع ولكنها تقدم مشروعة بديلا كاملا، كما طرح سید قطب.
الفصل السادس: من الرفض إلى الثورة
إن الثورة هي عبارة عن مطالبة جماعة بتغيير المجتمع، تغييرا جذرية، وهي تظهر عندما تحاول الجماعة إحداث هذه التغييرات، ومن هنا نجد أن الجماعات الدينية، هي جماعات ثورية، وليست بالضرورة جماعات عنف ، فمع أن هناك العنف والثورة ، أن العنف قد يكون الوسيلة الوحيدة لتحقيق الثورة ، ولكن بعض الجماعات الدينية قد لا تلجأ لهذا الأسلوب ، بل تلجا الأساليب أخرى ، أو قد تظل جماعات ثورية دون أن تجد طريقها لتحقيق الثورة . وتحت عنوان الجماعات الإسلامية يرى الكاتب أن أسباب انتشار الجماعات الإسلامية عدم رضاها ورفضها للسياسات الناصرية والساداتية، وعدم اقتناعها بالدور السياسي والديني لمؤسسات المجتمع السياسية والدينية وغيرها. ولا يعني هذا فقط وجود اختلاف أيديولوجي بينها وبين هذه ارتباط بین من خاص في السياسات، ولكنه يعني فشل هذه الجماعات في اكتشاف ذاتها في وسط هذه السياسات. وتجدر الإشارة إلى أن فشل عبد الناصر في تحقيق النصر في العام 1967 على إسرائيل ساعد في انعزال الشباب الحالمين بالنصر، وبدأوا البحث عن بديل آخر، وقد كانت الجماعات الدينية أحد البدائل المهمة، كونها أصلا تبحث عن مجتمع بديل للمجتمع العام. وأحيانا يكون هذا المجتمع البديل الصحراء وأحيانا أخرى بعض الأحياء أو الجامعات باعتبارها البديل النموذجي. وقد استطاعت الجماعات الإسلامية فرض شروطها ونظامها وقواعدها، على طلبة الجامعة، ثم شرعت في إقامة مجتمعها الخاص النموذجي. وفي نهاية عام 1988 كشفت الأحداث عن وجود مجتمع منطقة عين شمس، حيث حاولت الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها تنظيم الجهاد إقامة نموذج متكامل لتصورها عن المجتمع المنشود. وهكذا استطاعت الجماعات الإسلامية، تكوین مجتمعات صغيرة تفرض فيها بعضا من سيطرتها كنموذج لما تريد تحقيقه من مجتمع الحاكمية الإلهية، أو مجتمع ملكوت الله. وتعطي الجماعات الإسلامية هالة كبيرة للقائد، ويتحول القائد عندهم إلى شبه نبي، له القدسية والحاكمية. وتتبنى هذه الجماعات أهدافا لها هي أقرب إلى الأحلام من الواقع وذلك التبرر انعزالها عن المجتمع، ويظهر هنا مفهوم التميز الديني. فالجماعة الإسلامية، عرف نفسها كحزب الله، والمجتمع كحزب الشيطان، لهذا فالجماعة دار إسلام والمجتمع دار حرب، وهي بانعزالها عن المجتمع تنعزل عن المعصية والكفر. وتكفير المجتمع، يعتبر دليلا على احتمالية حدوث صراع بين الجماعة والمجتمع، فعندما تنعزل الجماعة وتعتبر نفسها دار الإسلام، والمجتمع دار الحرب فإنها بذلك تصالح نفسها، وتتمسك بأفكارها، لكنها تعلن الحرب على المجتمع، حيث إن ثنائية الإيمان الكفر تبرر سلوك الجماعة عند الجوئها إلى العنف، وتدين سلوك المجتمع انطلاقا من قيمها وأفكارها في مجتمعها الخاص الذي تطمح أن يسود المجتمع العام. ويرى الكاتب أن الحالة الفكرية عند الجماعات الإسلامية ما زالت تعاني الكثير من التردد، حتى أنها أقدمت على قتل السادات قبل استعدادها الكامل لذلك، وهذا ما أبرزه سؤال خالد الإسلامبولي نفسه قبل إعدامه عن مدى صحة ما فعله. مدارس هذا بالنسبة للجماعات الإسلامية . أما الجماعات المسيحية فقد تناول الكاتب بالدراسة نوعين منها، الأولى: داخل الكنيسة والثانية: المنشقة عنها. الجماعات المسيحية داخل الكنيسة: منذ السبعينات ظهر نظام الأسر القبطية داخل الكنيسة الأرثوذكسية، وقد تقابل نظام الأسر، الأحد، ليشكلا معا إحدى الوسائل المهمة التي تجمع الشباب حول الكنيسة، وهو ما يؤدي إلى تجمع جماهيري حول الكنيسة. وهذا النظام يوجد في الكنيسة الأرثوذكسية كما يوجد في الكنيسة الإنجيلية، فكل منهما له جماعات داخل الجامعات وغيرها، ولكن تختلف التسمية من كنيسة الأخرى فقط، فهي الأسر في الأرثوذكسية وجماعة النشاط في الإنجيلية. وقد كان النظام الأسر دور كبير في جمع أعداد كبيرة من الشباب حول الكنيسة الأرثوذكسية مما دفعها لمطالبة الدولة بحل مشاكل الشباب القبطي، وهو ما نتج عنه صدام بين الكنيسة والدولة. ورغم اجتذاب الكنيسة الأعداد كبيرة من الشباب، ثمة اختلافات بينهم وبين الكنيسة، لذلك شكلوا جماعات داخل الكنيسة، تعترف بشرعية الكنيسة، ولكنها مستقلة عنها. ومن داخل هذه الظاهرة نشأت ظاهرة الجماعات المسيحية المنشقة عن الكنيسة، من أبرزها جماعة محسن ناظم، وجماعة مكس ميشيل، وهي جماعات تقف موقف الرفض والهجوم من الكنيسة، وتحاول هذه الجماعات جذب الشباب إلى خارج الكنيسة بهدف تقويض دعائمها وقاعدتها الأساسية الكنيسة صراع حتمي حيث إن صراعها مع ونعلي وتجدر الإشارة إلى أن هناك جماعات أخرى مستقلة عن الكنيسة ومنشقة عنها. وهي جماعات تنشا تحت قيادة فرد ينتمي إلى هيئة مسيحية أجنبية، ولعل من أهم الأمثلة على هذه الجماعات، جماعات نبيل جبور، المنتمية إلى هيئة النافيجيتورز (البحارة).
وهكذا نجد أن الجماعات المسيحية ثلاثة مستويات هي: المستوى الأول: الجماعات الكنسية. المستوى الثاني: الجماعات التي تستقل عن الكنيسة، لكنها تعترف بها. المستوى الثالث: الجماعات المنشقة عن الكنيسة. وتمثل هذه المستويات الثلاث مراحل الانعزال عن الواقع وبالتالي عن الكنيسة، حيث أن جماعة ما، قد تمر بهذه المستويات الثلاثة، فتكون جماعة كنسية، ثم جماعة تعترف بالكنيسة وتستقل عنها، ثم جماعة منشقة تماما عن الكنيسة. وتواجه الجماعات المسيحية الدينية الكنيسة بدلا من السلطة السياسية، وتواجه المسيحيين بدلا من المسلمين، وهي تعيش صراعاتها داخل الكنيسة، بدلا من المجتمع.
ويظهر أن الشاب المسيحي يبدأ في خضم هذه المواجهة البحث عن مجتمعه البديل الذي هو الكنيسة، ولكن الجماعات المسيحية ترفض الكنيسة المعاصرة، وتطالب بالكنيسة الحقيقية التي تمثل المجتمع البديل بالنسبة لها.
ويعرض الكاتب للحصاد المر لتنظيم الجهاد، بعد أن يؤكد أن العلاقة بين الإخوان المسلمين وحكومة الثورة مرت بمراحل تقارب ومراحل تباعد، ولكن التقارب كان قبل قطف الثمار، أما التباعد فكان عندما طلب الإخوان حصنهم من ثمار الثورة، الأمر الذي أدى إلى صراع سلطة انتهى بسيطرة عبد الناصر على مقاليد الحكم وأخرج الإخوان المسلمين من دائرة المشاركة السياسية. وبعد هزيمة 1967 طالب الجهاد بمحاكمة النظام ومحاسبته على هذه الهزيمة الأساسي وبذلك وقع الصدام بين الحكم والإخوان وأدى إلى حرمانهم من دورهم.
وبدأت الرغبة لدى هؤلاء الشباب بالانتقام والنار، وكانت بداية الحصاد المر باغتيال أنور السادات في العام 1981 وملاحقة وزارة الداخلية المتتاليين لاغتيالهم أعضاء، ومرة تلو أخرى تكرر الحصاد المر الذي وقف وراءه تنظيم الجهاد وكانت احداث عين شمس عام 1988 وسواها من الأحداث التي ما تزال متواصلة حتى الآن.
مفكر قبطي مسيحي ينتسب إلى الطائفة الإنجيلية في مصر.حاصل على ماجستير في الآداب،تخصص علم نفس، كلية الآداب-جامعة عين شمس، 1985.دكتوراه الفلسفة في الآداب، تخصص علم نفس اجتماعي، كلية الآداب-جامعة عين شمس، 1988.