لم أرد دقائقَ من الدهشة قدرَ ما تمنيت لحظاتٍ من الرضا عن دافعِ وجودي هُنَا حتى الآن أرى العالم بعينين مرتبكتين متخاذلتين عن الحُلم السعيد الذي لا زال يفلق روحي كل صباح إلى نصفين غير متساويين، وغير قابلين للالتحام مرة أخرى.
يتهاوى كل جزء منِّي على حدة، لا أعرف متى يسقط الجزء الأخير! ولكن حتى ذلك الوقت، لا زلت آمل في أي منطق خارج حدود اللا جدوى المريعة التي تملأ الهواء حولي برائحة الخواء والخوف.
على كل حبي للحياة، لم أجد أحدًا يشاركني تلك المحبة، ولا أن يفهم لغتي. ___________________
مجموعة قصصية تتكون من 15 قصة قصيرة تندمج في نسيج الخلاص مابين الواقع والخيال، وتعتمد اعتمادا كبيرا على تحليل سلوك النفس البشرية في مواجهة اللحظة الأخيرة. ومايترتب عليها من فتح أبواب عوالم جديدة، ومحاولات استكشافها بما تحمله أبطال المجموعة من تباين في دوافعهم السرية، وأحلامهم الخاصة.
أعتقد دي أول مرة على ما أتذكر، أقرأ مجموعة قصصية متنوعة ف مضمونها كده. حسيت بتشويق، غموض، قرب، مباشرة! في كل قصة كنت بكتشف خيط خيال جديد غير اللى اكتشفته ف القصة اللى قبلها. بس الخط العام اللى حسيته ف كل شخصيات المجموعة القصصية دي، هى الحياة في جسد ناس مش شبهك! الإحساس بالكتمة ده و إنك مش ف مكانك، و كأن كل شخصيات المجموعة القصصية ترغب في الهرب! و كل قصة بتوضح طريقة ما لتحقيق ذلك! السرد سهل و اللغة سلسة و قريبة.
رأيي في الكتاب أنه حاله فريده من المشاعر و الأحاسيس حاله ستعيشها في كل كلمه و تعبير و تشبيه، فيه طوعت الكاتبه اللغه العربيه بتذوق فريد من نوعه جامعة بين العمق و البساطه تجعلك تعيش كل قصه بأدق تفاصيلها كأنك جزء منها ، كلوحة رسمت و أنت تمشي بين دروبنا تحس بجو الحكايه و تشعر بمشاعر كل من في القصه لتقف على الحياد ثم تسقط اي من هذه المشاعر على احساسك الخاص ...انا فعلا سعيد بهذا الكتاب و ببحيرة البجع .. ابداع حقيقي د أحمد الغزالي
كل قصة في المجموعة مكتوبة بحب وبأسلوب رائع ومشوق. اسرتني ايمان بقصصها المحملة بشحنة كبيرة من العواطف الانسانية المتنوعة ووددت لو لم ينتهي الكتاب او لو كانت القصص اطول. يفرحني دائما أن اكتشف اقلاما نسائية تكتب بهذا القدر من الروعة والجمال، وبالتأكيد سأقرأ كل اعمال ايمان وأنصحكم بذلك ايضا.
مجموعة قصصية تتعلق بك، تجعلك الكاتبة جزء من كل قصة وكل شخصية وكل معاناة، تصبح جزء من حيواتهم حتى لا تجد فارقا بين المنطق والخيال، تترك بداخلك بصمة أبدية جميلة، بصمة كأثر الفراشة.
أَيّنْ كانت حياتك ! ستجدها في الكتابِ مشاعرَ توافق مشاعركَ تماماً دون قيودٍ، في قصص تَصْحَبَك و تَصْحَبها ، في عالم ستشعر أنك تَملك كل مافيه و كيف لا و انت تمسك بزمام مشاعره .
This entire review has been hidden because of spoilers.
اسم المجموعة : مَن يُنقذ بحيرة البَجع؟ اسم الكاتبة : إيمان جَبل عدد الصفحات ١٥٧ صفحة الدار الناشرة : الوردة تصميم الغلاف : محمد عبدالقوي مصيلحي
"تحوَّلتُ من صبي إلى رجل بالدمع الأسود يا زهرة.. وكلما كبرتُ.. أتمَّ نقصي فورانَه! لم أحتمل يومًا حقيقة اكتمالك من دوني، وأنا الذي ما عرفتُ يومًا كيف أخطو على أرضٍ لا تحمل آثار قدميكِ! حتى عندما اتخذتُ حبيبة، كنت أرى معها ظِلَّا ليس لي، ظِلَّكِ يا زهرة. تركتُها، وأفسدتُ عليكِ علاقتكِ بـ "ناصر" ابن الجيران، لأنني لم أعرف كيفية حيازة نفسي بينما تشفطين الوجود من حولي، وتكوِّمينه جنينًا داخلك."
المجموعة مكوَّنة من خمس عشر قصة أغلبها مُتقارب في الطول، كُتبت جميعها بالفصحى في السرد ولغة الحوار فيما ما عدا قصة واحدة كُتب فيها بعض الأمثال بالعامية المصرية، لُغة الكاتبة فُصحى ناصعة لا غبار عليها ومُعجمها اللغوي رحيب، لكل قصة عنوان يسبقها ويليه اقتباس -لكُتَّاب مُتنوعين- يخدم فكرة القصة، وأودُّ أن أشيد بذائقة الكاتبة في القراءة -التي دَلَّ عليها اختيارها للاقتباسات-، لم ألحظ طول قراءتي أي خطأ نحوي أو إملائي، كما أن التنسيق الداخلي للمجموعة رائع؛
"الآن.. وأنا مُدلاة بذراعٍ واحدة، بحبلٍ لا استطيع تحديد مدى قدرته على الصمود في مواجهة تسعين كيلو جرام من الأسى، ليس أمامي الكثير من الوقت لحسم أمري. هل أصرخ؟ صوتي لن يُسعفني حتى لو أردت، فلن أستطيع احتمال مرارة لومِه أمام حشدِ الجيران وهم يتطلعون إلى منظرٍ مريعٍ لامرأة تراقص الموت ببيچامة زرقاء مرسوم عليها بحيرة البجع. رُبَّما أدفعُ ثمنًا لنجدتي عُمرًا آخر من الإسقاط والعتاب المُجحف الذي ما عادت تتقبله مرارتي المنقوعة في الصبر."
بدأت المجموعة بداية أكثر من قوية، حيث تشعر بانجذابك التام للحروف من أول قصةٍ في المجموعة، ويتوالى الأمر إلى أن تشعر ببعض الصعوبة في إدراك مقصد الكاتبة فتحتاج في بعض الأحيان إلى إعادة قراءة القصة مرَّة أخرى لاستيفاء الفهم، المحتوى الداخلي للقصص متنوع بين اجتماعي وتراجيدي وفانتازيا وخيال علمي دون الخُلو من الدراما اللذيذة التي تُضفي للقصة حِسًّا ومشاعِر، هناك قصة واحدة أو اثنين تقريبًا لم يكونا بمثل قوة الباقي وأستطيع التخمين بأنهم كُتبوا في البداية، لكن لا بأس أبدًا ولا يؤثروا على قوة المجموعة في المُطلق نظرًا لجودة الباقي؛
"أخبريني لماذا نتزوج؟! حسنًا.. أنا سأخبرك، نتزوج لأنهم يريدون ذلك، وننجب أيضًا لأنهم يقررون ذلك، نحن التتابُع المحتوم لحلقة التعاسة المُكمِّلة لهم، نحن الاستمرار الذي يُثبت وجودهم، فإن كان البؤس قد كُتب عليهم، فلا يصح أن نقاوم لنُصبح أقل بؤسًا."
طول القصص مناسب وخادم تمامًا للأحداث، لم أشعر بإسهابٍ لا داعٍ له ولا إيجاز قصَّر في إيصال المعنى، أحكمت الكاتبة تمامًا البناء وعرفتْ جيدًا كيف تبدأ ومتى تنهي مما يوحي ببراعتها؛
"لا أحد يشعر بي، ولا يهمني ذلك.. ليس الأمر مُتعلِّقًا تعلُّقًا تامًا بالوجع، ولكنه يخص حقيقة الدجاجة المذبوحة التي تتراقص داخلي، يظن الجميع أن تلك الدجاجة الغارقة بحُمرتها الداكنة هي أنا، بينما هي تلك العُقدة التي رُبطت بيني وبين أخي."
شعرتُ بالتيه مع بعض النهايات بحيث أحسست بضرورة أن أُعيد القراءة مرة أخرى لأفهم المغزى، ومرة ثالثة لأُلِمَّ ببعض التفاصيل التي قد تكون فاتتني في أول مرتين، ومع كُل مرة تتضح الرؤية بشكلٍ أعمق وتُدرك المُدخلات أكثر بحيث يزداد استيعابك للتفاصيل، ولم يكن الأمر لي مُزعجًا بقدر ما كان مُمتع ومُشوِّق، أحببت أن القصص ليس مجرد حروف كُتبت تُمررها سريعًا بقدر ما تحتاج منك الاستغراق فيها كي تفهم، لكن على الرغم من ذلك هناك قصتين أو ثلاث حتى بعد إعادة القراءة لم أشعر أن وصلني المغزى الكامل منها أو بعض التفاصيل فيها بالتحديد؛
"مرَّت أيام أو سنوات على غيابها عني، لا أعرف تحديدًا فلقد رحلت ورحل معها الوقت، لا أستطيع شُرب منقوع الاعتياد الذي نصنعه هُنا، فلَم تكن امرأة مُتكررة لأتمكن من تجاوزها."
أجادت الكاتبة وصف مشاعر الأبطال ببراعة على مدى الاختلاف والتراوح بين الشخصيات والظروف المختلفة والتباين بين القصص نفسها، كما استطاعت بإتقان التعبير عن أفكار الشخصيات كذلك، وكُلاهما عامل مُهم لإدخال القارئ في الحالة العامة للقصة ويؤثران بشكلٍ لا يُمكن تجاهله في شعوره تجاه البطل بشكلٍ فردي وحكمه على القصة ككُل؛
"لقد جعلني الحُب مادة يتشكَّل منها الكون، كنتُ أحد مُفردات الطبيعة، لم يكن ليزعجني شيء، لم يكن هنالك ألم، أو وجيعة!"
أكثر القصص التي أحببتها: _الصمت الأخير _مَن يُنقذ بحيرة البجع؟ _مصيرٌ مُدبَّر _ابتسامة الچيوكاندا _السيدة في الحلم _ملحمة المحبة الناقصة
"كُلُّ شيءٍ مُدوَّن هُنا.. كل شيءٍ ضاع منِّي، كل ما نسيته تدوِّنه بعناية خالقٍ مُحترف، فقرات ظهري الناتئة تحت وطأة أصابعه التي كانت تُجيد غزل الوجيعة في ذيل كُلِّ فقرةٍ مُحمِّلة الفراغات بحبلٍ ثقيلٍ صاخب. ربطات عنق عشاقي السابقين اللاتي دفنتها تحت شجرة الخروع في الحديقة العامة مرة تلو المرة. كل شيءٍ هُنا.. الدفتر لا يوشك على نهاية. فتحتُ باب الغرفة، واستلقيتُ بموازاةِ جسد حبيبي المُمدَّد، والذي -لسببٍ لا أعرفه- استحال جسد حبيبي القديم!"
تلعبُ الكاتبة بحساسية على أوتارٍ نفسية للقاريء من خلال الشخصيات في المجموعة، حتى غير الرئيسي منها! فلسفة الكاتبة تتجلَّى بوضوح مُربك وشهيِّ بالقدر ذاته، تُحبَّ أن تطلع عليها أكثر وتقرأ للكاتبة أكثر لتُدرك منها المزيد، وللإرباك اللذيذ الذي يتلبَّس القاريء من إضطرابات الشخصيات المُتباينة قدرٌ يسير من سبب شعوري بالتيه والتخبُّط بعض الأحيان، شعرتُ بأن الكاتبة توقِظ بداخلي أفكارًا وتساؤلاتٍ قديمة، أو تمسُّ جُزءً معينًا في مكانٍ عميق مدفون في شخصيتي، وأحيانًا شعرتُ ببالي يتوغَّل تمامًا داخل القصة بشكلٍ أشعر فيه أنني جزءٌ منها وأعيش فيها، حد أنني احتجتُ الانقطاع بعض ا��وقت لاستعادة توازن أفكاري بعد القراءة، وعلى قدر ما كان ذلك مُبهر على قدر ما كان مُخيف! D":
"أحد عشر عامًا أحلم بنظرة مُباشرة إلى عيني في كل طعامٍ تناولناه كان يُولِّي نظراته إلى الطبق أو إلى التلفاز نجلسُ على حافةِ السرير نتبادل شعورًا شفهيًّا أتحدث إليه وهو يقلب في هاتفه يتحدث إليَّ وهو يلقي بالكلمات نحو الحائط لم أعرف قَط ماذا يتوجب عليَّ فعله كي أملك نظرته!"
نهايةً.. الغُلاف أكثر من رائع، أكثر ما شدني للعمل من قبل البداية، يدفع تساؤلاتٍ كثيرة، وأراه واصفًا لأكثر من حكاية، ألوانه خلَّابة ودافئة، واللوحة به مليئة بالشجن قدر الذي تحتويه الصفحات، المجموعة لوحة فنيِّة هائلة لم تكن لتكتمل إلا به؛
"هل من المُفترض النجاة من أجل مواصلة العيش؟ أم أنّي أستطيع أن أحيا خلال أريحية الموت حياةً هادئةً غير مُكلِّفة؟!"
تقييمي للمجموعة والغلاف: ٤,٥/٥
_أنصح بها بشدة.
أستطيع القول بثقة أن هذه المجموعة من أفضل قراءات العام، أكثر من سعيدة باقتناءها. 🤍
منذ فترة قريبة قرأت بوست لأحد الأشخاص على الفيس بوك. والحقيقة أن منشور هذا الشخص أثر فيّ كثيرًا.
كان يحكي عن تجربته الذاتية حول مشاعره الداخلية وكيف أنه يتفاعل بحب وثقة مع تواجد جانب أو ذات أنثوية تقبع بنفسه وروحه، وأنها مدعاة للفخر والتميز لا للإنكار والإجحاف.
وكان يدافع عنها بمنتهى الفخر والثقة غير المتلونة، أو بطريقة يتخللها استعراض ما كما يهدف البعض دومًا في محاولة للجذب أو الإلتفاف حول شيء غير مألوف.
وهذا ما جلعني على الفور أتذكر شخصية الأستاذ "عامر" أحد شخصيات "من ينقذ بحيرة البجع؟" وهي مجموعة قصصية جميلة، شيقة وأيضًا رشيقة.
لن تستهلك المجموعة من الوقت الكثير ولكن كل قصة في حد ذاتها لها تأثير دسم عميق. أنا هنا لن أتحدث عن المجموعة ككل، بس سأكتب عنها من عيون قصة واحدة فيها أثرت فيّ بشكل مضخم.
قصة "القميص النسائي"، والتي بسببها لجأت للمقدمة بالأعلى.
أكثر ما أثار في نفسي تحفظًا وانتباهًا، منذ أن قرأت هذه المجموعة، هي شخصية أنيسة بطلة القميص النسائي، وما تحمله هذه المرأة من كم متناقض وعظيم لمعنى الأنوثة ومعنى أن تكون المرأة مرأة والرجل رجل.
كانت أنيسة شخصًا غير متصالح مع كونه أنثى ومن الوهلة الأولى تلتهم فطورها بشراهة موزعة بين أنواع طعام متضاربة الشكل والوصف، إلى جانب عامر الأكثر رقة واتساق مع جسده وعمره الفعلي في مشهد يحمل من العنف والرقة ما جعله يوجه الأنظار من أول دقيقة مقصد الكاتب. تذهب أنيسة للعمل بسيارة اشتراها لها عامر بل عند الإنتهاء من عملها تمر لتصطحبه للمنزل. ودون أي كلل أو ملل تمر الأيام في هذه العلاقة غير المتسقة المعنى ولا المضمون يُظهر عامر كل الدفئ الخاص بجانبه الأنثوي الخفي دون خجل أو شعور بالذنب، كل يوم يأمل فيه بصبر وعزيمة جديدة أن تتغير أنيسة! يحلم ويحلم، يتوسل إلى أنوثتها القاسية كي تمنحه بعضا منها. لا يتخيل مشهدا للحياة السوية إلا ويضع أنيسة بمنتصفه، رغم بعد شريكته كل البعد عن مظهر الإنسان السوي. يتهمه صديقه بصبر يشبه صبر البغال والأغبياء، ولكني رأيت في جلد عامر وصبره عزيمة المحاربين الرجال من وفاء وإمتنان للعشرة والمعروف، كان من السهل عليه أن يجتهد بنيته الذكوريه ويمتهن طريق المسكنات السريعة ويختار في كل ليلة أنيسة جديدة تحيي روحه المتهالكة بدلا عن أنيسته المستذئبة.
صديقه سيد يخبره كل صباح عمل جديد بمدى خنوعة وذله، بمدى ضعفه وعدم قدرته على الثورة فيقول له:
" لم أرَ في حياتي رجلًا وفيًا لأحزانه مثلك".
في حقيقة الأمر لم يعلم سيد أن عامر وفيّ (لفكرة الأنوثة) داخل حبيبته الوحيدة، ويمني نفسه بالتغيير وإشراقة جديدة في تلك العلاقة المقدسة. لم يأخذ عامر بكلام أقرانه من الهزأ والسخرية الدائمة.. لكن بنفس عامر الدافئة كان دومًا هناك لحظة أمل ورغبة في الحصول على غد وفرصة جديدة مع الحبيبة دون اللجوء للحلول الأخرى الأيسر.
بغض النظر عن تفاوت التوافق بين الطرفين ولكن روح عامر تحتاج لثورة من نوع آخر ستنقشع يومًا ما غمامة الحلم والطبيعة الحالمة وحينها سيتخذ رد الفعل غير المؤذي للجميع وسيجتاز برقة ورشاقة عبور هذا المأزق.
أنيسة المرأة المتجسد فيها السلطة الغاشمة غير العادلة، تتنصل بكل ما فيها من جذورها الحقيقية الطبيعية كأنثى وتُظهر ببشاعة فقط الجانب الآخر؛ فكل منا يتأصل به جانبي الطاقة المبدعة الأنثوية الخلاقة والطاقة الذكورية الحاكمة النافذة للعقل، أنيسة تُفرط في القهر والتجبر لذلك العامر باللطف والرحمة.
في ذروة الحكاية، يمرر القدر صدفة ثلاثية من خلال موقف يشعر عامر خلاله بالشفقة لحال طرف ثالث يود شراء ملابس نسائية معينة. يقرر عامر شراء القميص كهدية لهذا الطرف.
ينتهي هذا المشهد بصورة لعامر توضح كم اللطف والرقة المتناهية لرجل محطم.. يصل المنزل وهو حامل خبيئته، ويخرجه من عبوته ويتلمس أنسجة القماش، ولون القميص، وينام محتضنًا إياه، مهاتفًا نفسه "ماذا لو يا أنيسة، آه لو تسمح بذلك".
يختتم المشهد بأن تقوم أنيسة الشريرة بمحاولة فهم لم يحتضن هذا القميص النسائي. فيروي قصته بغبطة وطيب خاطر، ويقترح عليها برفق أن ترتديه فما كان منها إلا أن خلعت عنه بيجامته وألبست عامر القميص!!
توقف قلم الكاتبة الجميلة إيمان جبل عند هذا المنتهى لمشهد أنيسة الطاغية وهي شخصية في رأيي تتواجد وبكثرة بين الكثير من السيدات هذا التملص الواعي أو غير الواعي من الشكل الطبيعي لفطرة المرأة أو لما تتضمنه من قدرة على التطرق للجمال، بل وحب كل ما هو جميل أن تتمتع بذائقة داخلية تمكنها من ملاصقة وملاحقة كل ماهو طيب المعنى وقيم السريرة بل حسن الشكل أيضًا قضت عليه أنيسة شكلًا ومضمونًا بهذا (المشهد العبقري المعبر عن دواخل هذه المرأة المتحجرة العجيبة)..
*بالمناسبة، لا زالت ضحكة أنيسة المرعبة تزلزل الفضاء خلفي، وتراص أسنانها في فمها البشع الكبير يخطف عيني!
تحولت من صبى إلى رجل بالدمع الأسود يا زهرة وكلما كبرت ،أتم نقصى فورانه. لم أحتمل يوما حقيقة اكتمالك من دونى وأنا الذى ما عرفت يوما كيف أخطو على أرض لا تحمل آثار قدميك.
بهذا النضج الأدبى افتتحت الكاتبة مجموعتها القصصية المختلفة جدا "من ينقذ بحيرة البجع" واعتقد أنى سأظل على رأيى بأن ايمان "فى حتة تانية خالص"
عندما تقرأ التجربة الأولى لكاتب تستوعب له الخطأ، تتناسى الهفوات قائلا مع الخبرة سينضج هذا القلم و يتحول من هاوٍ إلى محترف. أما هنا فالحالة خاصة جدا، هنا أنت مندهش ويقظ وفقط! هذه السمة العامة فى أغلب ما قرأت وذلك لسببين.
الأول لأنه العمل الأدبى الأول للكاتبة و الثانى للتفرد فى الطرح وفلسفتها فى عرض القصص وذلك من خلال الرمزية الشديدة وتحليقها خارج حدود الزمان والمكان ومع هذا فأنت لا تنفصل عن الواقع بل أنت فى صميم تفاصيله، غارق فيه بيقظة شديدة حتى لا يفوت عقلك شئ فيتوه المعنى وتنتقص من متعة النص.
المجموعة مكونة من ١٥ قصة تحمل رؤيتها حول الحياة والموت وما بينهما. تحدثت عن لعبة الرعب النفسى الذى أخرس صاحبه إلى الأبد وفى موضع آخر عن سيف الحياء الذى دفن به صاحبه مشاعره حتى فقد نفسه قبل أى شئ تأثرت كثيرا ب " يوم كنت فراشة" ورؤيتها للموت وتجاوزها للفقد بمعنى آخر أكثر سموا مما يحياه الكثير- وهذا رغم صعوبة فهمها فى السطور الأخيرة- ، أخبرتنا أيضا عن فعل الكتابة وسدته حتى شعرت أن بداخل كل كاتبة " ثوب السيدة وولف" كذلك عبرت عن المرأة فى حالتها الإجتماعية المختلفة ومن زوايا متعددة ومن دون تحيز وهنا زاد التألق.
أكثر ما أعجبنى "الصمت الأخير-يوم كنت فراشة-لوحة الغروب-قالب الحلوة الأغلى بالعالم-من ينقذ بحيرة البجع-جنازة على طريقة الملوك-مصير مدبر-القميص النسائى-السيدة فى الحلم".
و بدا لى فى قصص أخرى أنها تحتاج لتكون أكثر إيضاحا مثل *لكنى أعرف من تكون وسيدة القهوة "
والآن أترككم مع بعض الإقتباسات
" الكارثة لا تكمن فى الزواج عن حب أو الزواج التقليدي. الأمر يخص قدرتك نفسها على الاختيار"
" كنت أود أن أقف لأجهش بعلو بكائى بينما أوزع ابتسامتى على جمهور حزين مثلي، لأعلن أن المعاناة أهدتنى العظمة، وأن الوجع كان وهابا بالقدر الذى بخل به كل شئ فى الدنيا عداه"
" هل من المعقول أن تقطع طريق ألف ميل أو أكثر داخل حدود الزمن دون أى أثر لرفيق تشاركه أتفه أحاديثك وأعمقها؟"
" هل هناك ما هو أعظم شرا من شهوة الطريق؟ الطريق الذى يهبك الحضور والأمان حتى إذا أدركت نصف الشوط أدركت السواد فى سحر غوايته وعرفت أن كل الطرق متشابهه حتى لحظة المكاشفة. حين تدرك موقعك، هل تملك شجاعة التوقف؟ هل تعرف كيف تتوقف؟
تحياتى عزيزتى" ايمان" الكاتبة بنكهة احتراف❤️ وأتمنى من قلبى أن تُنقذ بحيرة البجع❤️
"من ينقذ بحيرة البجع...الذات بين القوالب والارتجال"
Spoiler alert..
❞المثالية مَحْضُ افتراض لم يصل إليه أحدٌ. ❝ -تبدو تلك المقولة المقتبسة من قصة "يوم كنت فراشة" هي الأنسب في رأيي للربط بين معظم القصص وأفكارها المتباينة، بمعنى أوضح نرى الرابط في الشخصيات ذاتها؛ في الفعل أو رد الفعل، ولأن -كما في الاقتباس- المثالية مجرد أطر لا يقدر الإنسان على مسها أو تحملها إن قدر على ذلك، من البديهي أن يتحرك البشر داخل تلك الأطر وفق الظروف ومقتضيات الصراع.
-المميز هنا في المجموعة التركيز على كيفية السير، وأولها القوالب المحفوظة المحاذية لإطار المثالية مثل "كيليشيهات" معروف لصاحبها أولها من آخرها كما في "جنازة على طريق الملوك" أو "القميص النسائي" فالتشابه هنا في رسم قالب واحد يحمل البؤس مع طابع الأمل في القادم أو التسليم والرضا بالخطوات المقسومة، لكن المختلف بين القصتين وجود ما ينبه الشخصية الرئيسية فيجعلها تحيد عن مسارها حالما فيقع ��ي فخ الواقع تاركا تساؤلات عن ما سيحدث أو كيف سينجو كما في "القميص النسائي " بينما "جنازة على طريقة الملوك " ترى الشخصية بائسة تتطبع مع عادات بلدها وتكتفي بهمهمات غاضبة ولكنها لا تحيد ولا تبتعد قدر خطوة.
-ولو ركزنا أكثر بعيدا عن إطار المثالية، نرى خطوات تتردد جيئة وذهابا، تشتد ثم ترفق، ترضى ثم تنقلب على واقعها، خطوات شاردة مرتجلة تحفزها أمرا ماديا أو نفسيا أو حتى نوع من العبث، مهما يكن المهم فيها أنها تنطلق في ترددها بين الحموة والبرود والتأني لتصل لمبتغاها، ترتجل فتبوح بما فيها من سواد وقهر دون النظر للضحية أو كيفية الإفراغ ك"لعنة جميلة" -والتي تقريبا اشتق منها قصة جميلة في قيامة تحت شجرة الزيتون- وأيضا "الصمت الأخير" أو تلفحها العاطفة فتمشي ببطء وصبر تحاول في ترددها إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتجميع شتات نفس كما في "ابتسامة الجيوكاندا " أو السعي الحثيث للالتقاء بشبيه النفس ومجدد رونقها كما في "ولكني أعرف من تكون"
-ومن ناحية أخرى تحاول بعض الشخصيات كسر هذا الإطار والإعلان بمليء الفم أننا صنيعة أنفسنا، فيصير بعضهم في تيه البحث عن الحب والسلام الصافي كما في "سيدة القهوة "، أو مواجهة المخاوف والخيبات في قصة "قالب الحلوى الأغلى في العالم "، أو تقف كما في قصة "مصير مدبر"- بعد الإعلان عن تلك الحقيقة الغائبة والبكاء والنواح على نسيان الناس إياها- بإعادة الإطار والحث بالسير بمحاذاته، حتى يذوقوا بعض ما آساه
انتهيت من قراءة المجموعة القصصية «من ينقذ بحيرة البجع؟» التي استمتعت برحلة قراءتي لها. أكتر قصص أحببتها هي: «قالب الحلوى الأغلى بالعالم» والتي تعتبر الأعمق تأثيرًا من وجهة نظري، «من ينقذ بحيرة البجع؟»، «جنازة على طريقة الملوك»، «مصير مدبر»، «القميص النسائي»، «ابتسامة الجيوكاندا»، «لعنة جميلة». أكتر القصص التي أعجبتني تسرد وترسم معاناة أنثى في أطوار وأشكال متباينة دون ابتزاز أو تشدق، وهذا سبب إعجابي على عكس الشائع في هذا النوع الذي يقع كتابه أحيانًا في فخ المبالغة والمزايدة الذي يبتلع الكاتب وما كتبه حتى وإن سبب فرقعة.. مؤقتة.
سعيد جدًّا.. ومتحمس لقراءة «لا أحد ينجو من آنا فونتينا» 🌷
هذا العمل الأول لإيمان جبل بمثابة دليل شامل لمحتوى مشروع كتابي بطعم الثورة وبنكهة التجديد وبرائحة التجريب الحقيقي المبدع ؛ كالعادة كتابة إيمان جبل تأتي كعوض دائم وأبدي ومتجدد يطيب جراحي، ويؤنس أيامي الموحشة وآلامي الملهبة اللا منتهية.