رواية منتصر القفاش "أن ترى الآن" عمل قصير ومحكم. تبدأ بشخص يعن له ذات مرة أن يصور زوجته عارية. وما تلبث حياته في التعقد حين تقع صور زوجته العارية في يد أحدهم فيرسل بنسخة منها إلى الزوج "إبراهيم"، وهو الراوي والبطل الأساسي، الذي يفاجأ بأن ثمة نسخة من الصور لدى كثيرين آخرين، ثم تصل نسخة من الصور إلى الزوجة ذاتها! إلا أن الكاتب يستخدم هذه الحادثة التي تتطور، لمجرد إظهار أزمة البطل الحقيقية وتكثيفها أمامنا. ذلك أن إبراهيم مهدد بالفصل من عمله كما أن قصة الصور تنذر بتقويض حياته العائلية. وهو وإن كان يحيا مع زوجته إلا أن له عشيقة. إنه شخص قلق، مهدد، مصيره معلق بخيط دقيق، وهو ضائع قد يقضي ساعات طوالا في ثرثرة فارغة مع صديقته "سمراء". إنه يتمنى لو استطاع: "بضربات المياه التي يغسل بها وجهه أن يدفع ذلك الوجه إلى الداخل". إنه البطل الذي يحيا من دون أحلام، ولا صدام، ولا أيديولوجية، بطل تكفي مجرد مصادفة أو نزوة عابرة لتدمير حياته. إنه شخصية مسلوبة الإرادة والقدرة، قشة صغيرة قد تقلب حياته كلها رأسا على عقب، وتحيله إلى لا شيء: مجرد كومة من الأعصاب المحترقة .
لمسة السرد السحرية تعبر الواقع بالرمز لتغوص في دهاليز عالمنا النفسي والاجتماعي الكتابة مرايا المنطقة العالقة بين داخلنا بميراثه الشعوري وخارجنا ببروده وقسوته السيمياء وسيلتنا القاصرة الجافة الغارقة في محيطات الاغتراب مشاعرنا تتساقط في فيزياء التصامت خطاباتنا تائهة في شحنات الأجولة الرقمية التي تلقيها جنيات التطبيقات المدفوعة مقدما صورة ليست طبق الأصل وأصل لم يكن مطابقا لمواصفات الحلم منتصر القفاش يتأمل ما لا نراه ويكتب مقتنصا ملامح الصورة السابحة في نفسه قبل أن يبدع مسألة وقت التي يعالج فيها علاقة الوعي بالزمن أنت يا صديقي تدخل الرواية من عدسة زمنية، تدخل الرواية من عين تحاول ملاحقة اللحظة المعلقة بين الماضي والمستقبل، إنه الزمن يا صديقي، هل تسطيع أن ترى الزمن؟ تلك هي نقطة انطلاقك في معالجة رواية أن ترى الآن. "أن ترى الآن".. هي عبارة بمثابة جسر بين حالين، لحظتين، موقفين، ستمر من رؤية سابقة مختزنة إلى رؤية مشهدية عارضة، لديك مرسل القول، والرائي المخاطب، لكن ليس لديك موضوع الرؤية، مادتها، مكونات اللوحة التي ستكون أمامك في لحظة آنية منفصلة عن لحظة القول، اللحظة تحتوي مفردات موضوعها، لذلك هي لحظة مرئية تستحضر تكوينات عالمها، ولا يمكن فصل المحتويات عن إطارها، عن سياقها، عن فراغها، عن ظلالها، من هذا المنظور ستصبح "الآن" مندرجة في المشهد المرئي، لن يسمح لك النحاة أن تتعامل مع الجملة باعتبار "الآن" تشغل خانة المفعول به لفعل الرؤية، ولن يسمحوا لك بالطبع أن تكون "الآن" خبرا للمصدر المؤول الشاغل موقع المبتدا، في النحو لن تتزحزح تلك "الآن" لتصبح موضوعا مرئيا، المبدعون لديهم تصوّرات تختلف عن النحويين أحيانا، النحويون يحكمون النسق وفقا لمعيارية مستنبطة من شواهد كثيرة، المبدعون لكل رؤيته، والنظام البياني يضم الطرفين، مثلما يعني النظام في السياسة الحكومة والمعارضة معا هذه المراجعة مهداة لذكرى الصديق د.عيسى مرسي سليم