العلاقة بين المثقف والسلطة هو ما تقوله رواية "خطَاب بين غيابات القبر" للكاتب العماني محمد الفرازي يبدو فيها أنه طرفاً في لعبة المحرمات أو الخطوة الحمراء التي حاول أن يفككها حتى وإن لجأ إلة نوع من التقية الروائية في اختياره هذا المجال من الكتابة. و"خطاب" متهم بقضية وما أدراك ما تلك القضية وهي: "حبي المفرط لهذا الوطن"، بهذه العبارة سيدرك القارئ ماهية القضية التي يتحدث عنها الفزاري. وهو يلفت إلى "عدد المعتقلين وأسماؤهم وأنواع قضاياهم ونوع الأحكام التي صدرت بحقهم... تبين أنه تم اعتقال عدد كبير من المدونين والكتَاب الناشطين حقوقياً وسياسياً بعد اعتقال خطاب، ومجموع من تم اعتقالهم من الجنسين قرابة سبعة وثلاثين معتقلاً توزعوا على قضيتن وهما "التجمهر والإيمانة" ... أما خطاب وأريبعة من رفاقه فقد نالوا النصيب الأعلى.. حيث تم الزج بهم في القضيتين.. التجمعر والإعابة...". هذه الرواية صاغها الفزاري بخطاب يتناسب مع العالم المرجعي الذي يحيل إليه، ولكنه خطاب أحادي يبدو فيه أنه المتحث الوحيد والشخصيات الأخرى تدور حوله؛ ولكلَ منهم روايته ضمن الرواية وهو ما يتلائم والواقع الذي ترصده الرواية حيث يعتبر الحوار من الممنوعات. هذا، وقد قسم الفزاري لفصول قصيرة مفتتحاً كل فصل بمقولة أو حكمة لأحد الفلاسفة والحكماء والمفكرين من الشرق والغرب. أكثر عبرة فيها قول الكاتب "محمد إقبال": "فإلى متى صمتي وحولي أمة".. يلهو بها السلطان والدرويش. هذا بسبحته وذلك بسيفه، وكلاهما مما تكدَ يعيش!!".
كتبت من سنين طويلة وقت قراءتي الأولى لهذا العمل: "لي فخر قراءة هذه الرواية التي تكلمت عن واقع" .
والآن عند قراءة أخرى أندهش من فاعلية هذا العمل البسيط والصغير في تحوير وتشكيل تفكيري البسيط حينها عندما كنت طفلًأ أرى كل شيء بعين الفرح والسعادة المبهمة، أو على الأقل بالعين التي كانت تُفرض عليّ. مدهشة حقًا لحظة الاكتشاف الأولى، الانبلاج الأول للفكرة والمعنى، تقمص الجانب الجديد والرواية الأخرى بعين قد تكون شكَّلت مسار مختلف تمامًا عن ذلك الذي رُسم لها مسبقًا.
كمية البساطة في طرح الفكرة في هذة الرواية -والتي هي العمل الأول للكاتب- تجعل من كل القراء بمختلف أعمارهم يستوعبون صدق وواقعية الأحداث، يفهمون بسهولة بالغة رواية المظلوم والمقهور، أو لنقل رواية الطرف الأضعف من اللعبة السياسية الداخلية، وأظن أن هذه السهولة والسيولة والبساطة قمينة بأن تجعل المرء يبحث أكثر ويقرأ أكثر في مسائل كانعدام حرية التعبير في الكثير من البلدان، كظروف السجون السياسية، كأهمية السماع للأصوات الأخرى المختلفة، وغيرها من الأفكار التي تستحق النبش. لكن لا أجد هذا العمل البسيط في الأسواق، وهذا جانب من القمع الممنهج، فقط لأنها تعالج قضية سياسية "قد" تهين فريق ما لخطأ .تسبب به ولا يرغب بالاعتراف بهذا الخطأ.