Jump to ratings and reviews
Rate this book

‫سمٌّ في الهواء‬

Rate this book
«اسكن في قلب أسد، ولا تسكن في قلب إنسان»، نصيحة سمعها قبل أن ترحل أمه، فالإنسان، كما يقال، بئر عميق معتم.

مع رحيلها، تتحوّل حياته إلى مسار تراجيدي يجد نفسه مستسلماً له، فيما يخطف القدر أصدقاءه واحداً تلو الآخر. فينزوي بأيامه الأخيرة في بيت يطلّ على بيروت.

فجأة تدخل فراشة إلى البيت، تعيده إلى بلدته وطفولته، إلى العمر الذي ينطبع فيه كل شيء، وإلى الأمكنة التي حملها دوماً معه في تخيلاته الأدبية.

أملٌ يلوح هنا: «إذا كان للقدر عينٌ، رغبتي أن أضع عيني في عينه كما كنّا، نحن أولاد الحارة، نتحدّى بعضنا صغاراً، ومن ترفّ جفناه أولاً، يخسر المبارزة».

Kindle Edition

First published May 1, 2021

1 person is currently reading
76 people want to read

About the author

جبور الدويهي

13 books212 followers
جبور الدويهي (1949-2021) روائي لبناني ، مولود في زغرتا ، شمال لبنان ، لأحد العائلات العريقة في زغرتا . حصل على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة باريس الثالثة السوربون الجديدة ، وكان أستاذ للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية في بيروت .

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
15 (30%)
4 stars
18 (36%)
3 stars
13 (26%)
2 stars
3 (6%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 16 of 16 reviews
Profile Image for Mohamed ندا).
Author 5 books578 followers
July 24, 2021
وداعيّة جبور الدويهي للعالم 💔
سيرة الوجع اللبناني من الحرب الكبرى إلى انفجار مرفأ بيروت... تتبدل الوجوه والبيوت، ويظل السمُّ سابحًا في الهواء...

من دون أن نشعر، كان جبور الدويهي يودعنا في نصه الأخير الصادر منذ أسابيع عن دار الساقي في بيروت "سم في الهواء". سيرة مكثّفة للمكان، صبّ فيها الكاتب القدير نصيبه من الوجع والضياع، كان الدويهي يرثي الماضي، يرثي جيله، يرثي أحلامه، ويرثي نفسه... كان يودع بيروت ويشيّعها قبل أن تشيّعه إلى نوبة "نعاسه" الطويل.

لن أتناول في كتابتي هذه تنفنيدًا لعناصر هذا النص الروائي ومواطن قوته وضعفه كما اعتدت، بل عوضًا عن ذلك، سوف أنقل لكم بعض المقتطفات من هذه الرواية، التي شاء جبور الدويهي -بمباركة السماء- أن تكون رسالته الوداعيّة.

"بقي السلاح مستترًا في جيوب المعاطف الواسعة ومزيّتًا جاهزًا خلف أبواب البيوت. لم يسقط قتلى لكن كان هناك سُمّ في الهواء. رغبة مُعلنة بإراقة الدماء" ص ٢٠

"السماء قاتمة والشيطان يتحكّم في الدنيا وسينحبس المطر عقابًا لمرتكبي الخطايا، جنة العالم هي الطفولة" ص ١٣٦

"ما زالت ماثلة أمامي حتى اليوم بنظراتها التائهة كأنها تستغيث في بحر لا يرحم، عالقة فوق ما يشبه طوفًا تلطمه الأمواج.... قرأتُ كلماتها فتحوّل قلقي إلى هلع. هلع من أن الميل إلى الخراب لا يأتي مما يحدث معنا في يوميات الحياة، بل مما نحمله داخلنا ولا نعرف متى يخرج إلى العلن ولا يمكننا التحكم فيه، ومن أن حياتي كلها حتى الآن هي محاولة للسيطرة عليه" ص ١٣٧

"أجلس وأسأل نفسي إن كنت موجودًا بالفعل: من أنا؟... هل أحمل وزر ولادتي أم أنني مجرد اختراع لكتبي وقراءاتي؟ هل أنا رقيق أم بليد؟ ينفطر قلبي من مشهد حميميّ لا يلفت انتباه أحد، أم متحجر لا يتراجع أمام الأذيّة؟ من أين تأتي واجهة القسوة هذه، وأنا، كما أشعر في نفسي، ضعيف محبّ وأسير عاطفة الآخرين تجاهي؟ يسكن فيّ معًا شيطان مثابر وأخ حنون يمكن الركون إليه" ص ١٩٤

"لم أرمِ "إشراقات" فور انتهائي منه، احتفظتُ به في جيبي ذخيرة لبضعة أيام. أكرر مقاطع منه بالصوت العالي وأنا أذرع أرض غرفتي طولاً وعرضًا محاولاً الرقص من دون إيقاع قبل أن أرضخ لفكرة تحرري منه فأشعلته في المدفأة، ولأسباب لم أفهمها تعود ربما إلى اشتداد الريح في الخارج في هذه اللحظة، أو خطأ في تركيب المدخنة، ارتد دخان "الإشراقات" داخل الغرفة فغمرها وأصابني بالغثيان. كدت أختنق لو لم أسارع إلى فتح النوافذ والوقوف إلى جانب إحداها أتنفس هواءً باردًا من الخارج وألوّح بيدي لإخراج الدخان. هكذا لن يبقى لي ما أقرؤه، لا شيء من لغة الآخرين. صرت محكومًا بالاستماع إلى صوتي وحده. صوت لا يتغذى من أقلام كتّاب عباقرة وأصحاب مشاعر متّقدة، بل من نفسي المهددة بالنضوب" ص ١٩٩

"أدركت وأنا أرصد حركة طيور الحمام وهي تبيت في سطح القرميد، أنني أقترب من شخصيات العزلة التي خطرت لي ثم تخليت عنها. لا شك أنني على مثال هذه الشخصيات التي تجذبني مصائرها أعاني من عاهة لا أعرف كيف أصفها. يحلو لي الاعتقاد أن التمرد يسري في عروقي وأنني عاجز عن إصلاح نفسي. فإذا كان للقدر عين، رغبتي أن أضع عيني في عينه كما كنا، نحن أولاد الحارة، نتحدى بعضنا بعضًا صغارًا، ومن ترفّ جفناه أولاً يخسر المبارزة" ص ٢٠٠-٢٠١

"هبط الموت على المدينة، ولم تأتِ طيور الحمام في ذلك اليوم إلى سقف القرميد، فرّت إلى ملجأ آخر وستعود بعد أيام. وحده روح الشر ظهر، الهر البرّي الوسخ بمشيته الرشيقة يبحث عن طريده، وبره الأسود منفوش، تقدم إلى طرف السقف واختفى للمرة الأولى في الجهة المقابلة لظهوره. بقيت الفراشة تتعثر ببن النافذة والخزانة والمصباح الكهربائي في حركة محمومة حتى وجدت مخرجًا تهرب منه فاختفت نهائيًّا. عدت إلى مجلسي، لن أكسر عزلتي لأعرف ماذا حدث في البعيد في مرفأ المدينة، فهو مصير مكتوب ليس في مقدوري أن أغيّر فيه شيئًا. وضعت رأسي بين يدي وسرحت لساعات تصوّرت خلالها أن أمي أورثتني خوفها من العمر، طفلاً كبيرًا يحاول يإصرار النزول من القطار، يستغيث ولا من يجيب" ص ٢٠٦

"... سينظرون من النوافذ إلى جوار البيت حيث قد أكون التجأت. يدورون على أنفسهم فلا يجدون شيئًا. المكان مكشوف ولا مجال للاختباء فيه. سيسقط في أيديهم ولن يعرفوا أنني لوّحت بجناحيّ، وفي أول وآخر إقلاع صباحي، حلّقت مع الحمام بعيدًا نحو السماء الزرقاء حيث اختفيت، أنا والرفّ، في الأفق البعيد" آخر سطور الرواية- ص٢٠٧

هذه رواية مكان، رواية هويّة، رواية بطلتها بيروت، لم يمنح كاتبنا شخوصه أيّة أسماء صريحة، فالحكاية -بمنتهى الإيجاز- عن بيروت/لبنان، والسُمّ السابح في هواء بيروت منذ عقود، سُمّ الكراهية والطائفية وسعار الدم، هذا السم الذي استنشقه جبور الدويهي سبعين سنة حتى اختنقت آماله، فحلّق فوق السحب السوداء المنبثقة من مرفأ بيروت، ومضى إلى البراح المنشود.

يطمئننا جبور الدويهي في آخر كلماته، ومن خلال آخر سطور خطّتها يداه، فيقول إنه حلّق مع الحمام في الأفق البعيد...
فهنيئًا لك الأفق الخالي من السموم، وهنيئًا لنا إرثك الذي لن يموت.

في وداع كاتبنا الكبير، أرجو أن تحتفوا بإرثه، أن تتناولوا أعماله، أن تتشاركوا كلماته، علّنا بذلك نمنحه الخلود الذي يستحقه.

#وداعًا_جبور_الدويهي

#محمد_سمير_ندا
Profile Image for Hilal.
Author 6 books403 followers
November 25, 2021
الحبيب جبور في عودة أخيرة لرقة "شريد المنازل" و"مطر حزيران "و"اعتدال الخريف". دائرة تكتمل بسموم لفظتها المدينة من أحشائها صعودًا.
Profile Image for Abdulkhalek Zohbi.
329 reviews78 followers
September 2, 2021
عن الوجودية، الإنتماء، التمرد، الإكتئاب، القلق، الحزن، المتاهات، العنصرية، الظلم، الدمار، الحب، الخيانة، اليأس والموت.
تمنيت لو كانت اطول.
الرحمة لروح جبور الدويهي.
Profile Image for I. A.Charaf.
108 reviews2 followers
September 26, 2021
فجاة تدخل فراشه الى البيت، تعيده الى بلدته والى طفولته، الى العمر الذي ينطبع فيه كل شيء، الى الامكنه التي حملها دوما في تخيلاته الادبية .
في روايته الاخيرة، والتي لم يتسن له الوقت ليفرح بها، ياخذنا جبور الدويهي وهو الراوي ليكشف لنا وعبره بعض من أزمنة وحيوات كل قاريء لها.
في البدء كان سفر الخروج من القريه وفي النهايه كان الخروج من الحياة مع انفجار بيروت الذي طالت شظاياه ملجاه الاخير ففي اول واخر اقلاع صباحي، حلقت مع الحمام بعيدا نحو السماء الزرقاء حيث اختفيت، انا والرف، في الافق البعيد..
سلاماً لروحك اينما كنت صديقي.
Profile Image for Hoda Marmar.
574 reviews202 followers
September 7, 2021
أول قراءاتي لجبّور الدويهي كانت "ريّا النهر" وفيها تعرّفت إلى قلم جبّور المحنّك وأسلوب كتابته السلس والماكر إذ يتسلّل رويدًا رويدًا حتى يحكم قبضته على القارىء. وهذا أسلوبه في أحدث وآخر رواياته، "سمٌّ في الهواء". المختلف هنا هو أنّ دوّامة الحكاية أتت أمكر مع استخدامه الأنا الروائية. فهو بذلك جعلني أتماهى مع الراوي حتى ولو اختلفت تفاصيلنا. أجبرني الراوي على الغوص في كوابيسه ومشاعره وعالمه الخاصّ وذكرياته وديناميكياته مع شخصيّات الرواية.

"آكل، أشرب، أقرأ، أنام، تحدث الأشياء في غفلة عنّي، أصبحت كما قال الشاعر: 'لا شمسي ولا قمري'."

كان ترحال الراوي وتيهه الجغرافي يشبه غربتي الداخلية بفعل الحروب والأحداث التي عشتها. نزوحه لبيروت أشعرني أنني ألتقيه في هذه المدينة التي تحضننا وتخنقنا على حدّ سواء. تجمعنا بيروت، وحيث يعاني من الحرب الأهلية والطائفية، أذكر معاناتي في حرب ال١٩٩٦ وأيّام الجامعة والتي طبعت شخصيتي. أتلاقى معه أيضًا في علاقاته المتأرجحة مع أهله ومع الكتب، الأمر الذي يمدّ جسرًا بيني وبينه والعديد من اللبنانيين ممّن رسمت ملامحهم الكتب والحرب والعائلة غير الاعتيادية. (وهل من عائلة لبنانية عادية؟)

"حبّ الوطن قتّال."

وشمت الحرب ذات الراوي ودفعته لعزلة تُضاف إلى طبيعته الانطوائية. هنا تناغم مع شخصيات الكتب التي غرق فيها بينما تستعر جهنّم الحرب في الخارج.

"أمّي من آل الصبّاغ."

في عائلة أمّه لوثة ما تصبغ أفرادها وتتعلّق بالعلم والمغامرات الغريبة والاغراء والأدب والشعر. هنا نرى دور الأمّ التي تخاف عليه من هذه اللوثة خاصة بعد رؤيتها تصرّفات غريبة لديه. تكتب في إنجيلها:

"الميل إلى الخراب لا يأتي ممّا يحدث معنا في يوميّات الحياة، بل ممّا نحمله في داخلنا ولا نعرف متى يخرج إلى العلن ولا يمكننا التحكّم به."

يمكن النظر لهذا الإرث من الأمّ من ناحية حرفية أو من ناحية رمزية تتعلّق بالأمومة في زمن حرب الإخوة وخطوط التماس والممنوعات والتابوهات. يتعاطف مع ويشفق على أمّه حين تكبر وتمرض، وتفقد قوّتها وتغرق بالحنين، لكنّه ينفر من أبيه الذي لم يعد يحبّ أمّه وأخذ يلاحق النساء كما استسلم للواقع مختبئًا وراء نظرياته الشيوعية. فالراوي مثل أمّه يتحدّى ويواجه ويتخطّى كل الحدود مثلما تخطّى حدود الشرقية والغربية بكلّ عناد. وكأنه امتداد لها! ومن ناحية أخرى، مغامراته الن��ائية تضعه في خانة مماثلة لخانة أبيه، ومع ذلك فهو يتمرّد على الأب ويتصرّف كإبن أمّه ويرث لوثة العلم وغرابة الأطوار وغيرها من آل الصبّاغ.

"عشرته صعبة ومتعبة."!

ميله للخراب يتوازى مع ميل المدينة للخراب. وتحترق المدينة كما أحرق كتبه. السمّ في الهواء هو انفجار مرفأ بيروت الذي قضى على كلّ أمل للتغيير والثورة التي شبّ عليها الراوي.

"تجمّع للسموم بدت معه المدينة كأنّها تلفظ كلّ ما في أحشائها إلى الخارج."

في هذه الرواية يرسّخ جبّور الدويهي أحقيّته للقب "روائيّ الحياة اللبنانية"، حيث لا بدّ من إيجاد القارىء نقاطًا تمسّه وتهمّه في قصّة بطل الرواية والتي تُقرأ كسيرة ذاتيّة للمدينة وأبنائها.

Profile Image for Basel.
131 reviews8 followers
August 27, 2022
في روايته الأخيرة "سمٌّ في الهواء" (دار الساقي – بيروت 2021) يعود الروائي الراحل جبّور الدويهي إلى الحياة اللبنانيّة وبيئتها جرياً على عادته في كافّة أعماله الأدبيّة، لكنّه هذه المرّة يلجُ في عموميّات شاملة وواضحة حول الحقبة التاريخيّة للبنان الحديث، بحيث أنّ الرواية عبارة عن تسريد تاريخيّ لواقع الشعب اللبنانيّ ولبنان ما بعد استقلاله، أي تحديداً ذلك الواقع المتنقّل بين مختلف الحقبات الأليمة والمفجعة للبنان والتي طاولت مختلف شرائحه ومكوّناته.

يلجأ الدويهي بدايةً إلى عنوانٍ لمّاح "سمٌّ في الهواء"، والذي يقود بدوره إلى عالم لبنان خلال هذه الفترات، وهو العالم المشحون الذي عاشه اللبنانيّ طيلة عقود حياة الدولة اللبنانيّة، أي الأحداث المتفرّقة وخلفياتها المشحونة التي رافقت اللبنانيّ وطغت عليها العذابات والآلام، لكنّ صاحب "مطر حزيران" ركّز في النص على الخلفيات المشحونة أكثر من تركيزه على الأحداث الأليمة التي لم يوردها سوى على هيئة Foreground لهذه الخلفيات المشحونة، وهو ما يمكن تلخيصه بعبارة: لم يسقط قتلى لكن كان هناك سمٌّ في الهواء، وهي عبارة لا شكّ أنّها "لبّيسة"، أي أنها قابلة للانطباق على كافة الأزمنة اللبنانيّة المشحونة بالكراهية والعداءات بمختلف ألوانها.

شخصيّات مجهولة الهوية

تتمحور الرواية حول شخصيّة "الراوي" الذي شاء الدويهي أن يبقيه مجهول الإسم والهويّة، غير أنّه أعطاه كامل التفاصيل والملامح اللازمة لشخصيّته التي عايشت كافة أحداث لبنان الحديث بل وكانت مشاركة في بعضها (أحداث 58، عام النكسة، الحرب الأهلية، بناء ما بعد الحرب، اغتيال رئيس الوزراء، انهيار العملة الوطنية وأحداث 17 تشرين، انفجار 4 آب في مرفأ بيروت...)، وخلال هذه المراحل المختلفة تبرز التقلّبات الحياتيّة والمسار المشؤوم لحياته الشخصيّة التي تماهت بصورة نسبيةٍ معها دون أن تتقمّصها. لكن لم يشأ الروائي اللبناني أن يزجّ بطله هنا في خضمّ هذه الأحداث بقدر ما أراده بهيئة الهارب منها، إذ حاول معايشتها والهرب من أهوالها عبر تصرّفاته المختلفة (تخيّله لمعارك وهميّة في مسقط رأسه، علاقته بالفتاة صاحبة الشعر القصير، امتهانه التدريس وعلاقاته النسائية العابرة، انضمامه إلى منظّمة التروتسكيين العرب وتورّطه معهم، زواجه من زميلته معلّمة الفلسفة ودخوله السجن لمحاولة قتلها، عزلته الأبديّة في إحدى البلدات...) كلّ ذلك مسارٌ حكائيّ مرتبط مباشرةً بمسيرة التحوّلات التي شهدتها الساحة اللبنانية خلال تلك الفترة، والتي أوصلت العديد من اللبنانيين لما يمكن تسميته بالإحباط الذي نال منهم عقب ذلك.

وكما هي حالة شخصيّة "الراوي" الرئيسيّة نجد حال باقي الشخصيّات الأخرى، جميعها مجهولة الأسماء والهويّات لكنّها واضحة التفاصيل والملامح، بحيث يستغرق الكاتب في تمرير حكاياتهم التي كان لها تأثيرها على مسار الرواية الطويل (عمّته التي قضت حياتها مرتحلة مع أزواجها ووريثة لهم، والده الذي يعيش مغامرات عاطفيّة تؤدّي إلى إحباط والدته قبل وفاتها، خالته التي تغادر رفقة عشيقها إلى أفريقيا وتعود بعد وفاته برفقة طفل، ابن خالته الزنجي الذي يشكك بأصله ويعيش حالة تمييز عنصري ويُخطف في ياموسوكرو، زوجته معلّمة الفلسفة التي لا يتّفق معها وتحطّم مجسّم بلدته، جاره في فندق "بيريت سور مير" الذي يورثه بندقيّة قنّاصة عقب انتحاره، صديقه المشار شهيد التروتسكيين العرب...) جميعها شخصيّاتٌ تعمّد جبور إخفاء هويّتها، ولربما يعود ذلك إلى محاولته التجريبيّة لإسقاط حالة الفرد اللبنانيّ على كلّ شخصيّةٍ من هؤلاء.

ما يلاحظ في سياق السرد الروائيّ هو الطغيان المطلق لشخصيّة الراوي على كافّة مفاصل الرواية، وهو ما يُقابَل ببهوت حضور باقي الشخصيّات، حتى أن أكثرها حضوراً وتواجداً لا تحتاج سوى إلى بضع حلقات، متواصلة أو متفرّقة، لتضع بصمتها على حياة الراوي وتختفي، وبالتالي فإنّ هذا الحضور الطاغي لشخصيّة الراوي يحيل النص إلى أسلوب الرواية السيرية، سيرة كلّ لبنانيّ في نظر الدويهي حسبما يمكن الاعتقاد.

وأزمنة وأمكنة مجهولة أيضاً

على الرغم من عدم إعطاء الرواية إشارة تاريخيّة زمانيّة محدّدة في سياق نصّها السردي، غير أنّ أحداث الرواية وتغيّراتها الزمنيّة توحي بأنّها بدأت مع تصاعد الأزمة السياسيّة في لبنان عام 1958، والتي كانت بمثابة "أوّل الرقص" لكافة الأزمات والنزاعات اللبنانيّة التي تلتها ولم تورث البلاد سوى الخراب، لتصل خاتمتها مع انفجار 4 آب الذي يعتبر واحداً وأسوأ كوارث الانفجارات في التاريخ. وبالتالي كانت هذه الحقبة من التاريخ اللبناني بمثابة بيئةٍ خصبةٍ لإبراز تحوّلات الشخصيّة اللبنانية وتغيّراتها من خلال شخصيّة الراوي أو من خلال كافة الشخصيّات الثانويّة.

هذا ولا بدّ للحيّز المكاني أن يلعب دوره في سياق الحكاية في أيّ روايةٍ كانت، وهو ما كان واضحاً للعيان في "سمٌّ في الهواء"، ففي هذه الرواية ذات الـ 207 صفحات من القطع الوسط ينقسم الحيّز المكاني قسمين: القسم الريفي المتمثّل في مسقط رأس الراوي والبلدة الجبليّة التي نزح إليها وكذلك البلدة التي عاش فيها أيّامه الأخيرة، والقسم المدني المتمثّل في بيروت وضواحيها وشوارعها والسجن الذي أمضى فيه بعض سنين. وباستثناء بيروت التي صورها بأسمائها، وعلى غرار الشخصيّات والأزمنة، أراد الكاتب إخفاء أسماء الأمكنة مكتفياً بإعطائها ملامحها، مستنداً إلى قاعدة الإسقاط الشامل التي دأب على توصيف الحالة اللبنانيّة من خلالها. لكن ما يُحسبُ للراحل هو عدم "طوباويّة" العالم الريفي بشكلٍ مطلق، وهو الذي جعله مسرحاً مصغّراً للحرب، وأيضاً لم يطلق العنان لنفسه من أجل "شيطنة" بيروت التي أنصفها بتصوير بعض أوجهها الجميلة التي ظلّت متمسّكة بها حتى خلال الحرب.

البورتريه الذاتي اللبناني

إزاء هذا الحضور المجهول نسبياً للشخصيّات والزمان والمكان، نجدُ تقنيّةً جديدةً وفريدةً على عالم جبور الدويهي الروائي، وهي تقنيّة تكامل هذه العناصر وتناغمها لتشكيل الثالوث السردي، فجبّور عوّدنا على أن نجد أحد أطراف هذا الثالوث طاغياً في كلّ عملٍ من أعماله، فعلى سبيل المثال يطغى المكان في "عين وردة" و "حي الأمريكان"، ويطغى الزمان في "مطر حزيران" و "اعتدال الخريف"، كما تطغى الشخصيّة في "ملك الهند" و "شريد المنازل". غير أنّ "سمٌّ في الهواء" تتّخذ تشابكاً ثلاثيّاً بين هذه العناصر لدرجة أنّ أيّ خفوتٍ خفيفٍ في حضور أحدها أو طغيان حضور آخر سيؤدّي إلى تفكّك البنية الروائيّة وثيمتها، ولعلّ هذه التقنيّة المتّبعة مرّدها أيضاً اعتماد الروائي على الأسلوب السيري في الرواية.

أمّا على أسلوب السيرة الذي اعتمده جبّور، فنلحظ أنّ هذه السيريّة منكّهة بتقنيّة "البورتريه الذاتي" أو "الصورة الذاتية"، وهي إحدى التقنيّات التي اعتمدها وليم فوكنر في العديد من أعماله الأدبيّة (الصخب والعنف، الملاذ، البعوض...). هذه التقنيّة تتعرّف، وفقاً للناقد والباحث الفرنسي ميشيل غريسيه، بأنّها إسقاط للخصائص الذاتيّة للكاتب على شخصيّة واحدةٍ أو عدّة شخصيّات في الرواية، وليس بالضرورة أن تندرج ضمن السيرة الذاتيّة لأنّها تنساق مع الخيال أكثر من الواقع. بيد أنّ جبور لم يكتف بإسقاط بعض ملامح شخصيّته على شخصيّة الراوي، بل أضاف إليها إسقاطه لملامح وخصائص "الشخصيّة اللبنانيّة" على مختلف الشخصيّات الواردة في الرواية، لتصبح كلّ واحدةٍ منها تمثّل "البورتريه اللبناني" بمختلف حالاته.

فقاعاتٌ حكائيّة

إنّ اعتماد صاحب "الموت بين الأهل نعاس" في هذا العمل على الأسلوب السيّري الروائي كان سبباً في عدم وضوح الحبكة الأساسيّة للرواية، بل جاءت على شكلِ حلقاتٍ محكيّة، ولعلّ التسميّة الأدق بالنسبة لها هي "فقاعاتٌ حكائيّة". هذه الفقاعات الحكائيّة أتت كما لو أنّ الدويهي يكتب نصوص حلقات الرواية مثلما ينفخ فقاعات الصابون، بحيث تتجلّى إحدى هذه الدوائر الحكائيّة وتتضح أمام القارئ لتقول ما تريد قوله قبل أن تختفي تاركة المساحة السرديّة لغيرها. هذه الفقاعات الحكائية تتجمّع مع بعضها مشكّلة الفصل الروائي، وبدورها تتجمّع فصول الرواية العشرة مشكّلة مسار النص، بيد أنّ الروائي لم يترك هذه الحلقات – الفقاعات وكأنّ كلّ واحدةٍ منها بمعزلٍ عن الأخرى، بل لجأ لتصوير تسلسل تجلّياتها بطريقةٍ سينمائيّة متجانسة، أي كلّ واحدة تكمل ما قبلها وتمهّد لما بعدها ولو ضمن حدودٍ ضيقة، وما ساعد على ذلك هو تمحور الرواية حول شخصيّة "الراوي" التي ترتبط بها كافّة حكايا النص.

لعل هذا السمّ في الهواء الذي تركه جبور قبل رحيله هو آخر فصول الحياة اللبنانية التي دأب على سردها طيلة ثلاثين عاماً، وهي هنا أشبه باختزالٍ لكافة تفاصيلها الموجودة بمختلف رواياته وبمثابة حالة احتضارٍ قاسية لوجودها، وبالتالي فإنّ رحيل الراوي في ختام الرواية (والتي توفّي جبور الدويهي بعد صدورها بنحو شهرين) بمثابة بدء اختفاء كافة خصائص هذه الحياة التي نخر السمّ جسدها وأجواءها وأمست اليوم تصارع على إبقاء هويّتها.
Profile Image for imen zrour.
178 reviews23 followers
May 29, 2022

هي في الظاهر سرد لفصول حياة الراوي الذي اختار ألاّ يسمي نفسه أو أيا من شخصيات كتابه، بضمير المتكلم وحده يحدثنا عن تنقله المحموم بين الأمكنة والأزمنة والأفكار والعلاقات فلا تستقر حياته أو يجد لها أو لكل هذا العالم معنى..
وفي الباطن هي لبنان 🇱🇧 ..وطن مشوّه يتجرع سمّ الحروب والطائفية والمشاكل المتعاقبة فلم تعد له هوية أو وجه واضح..
يسير إلى هلاكه ببطء حثيث..
يكتب الدويهي قصة موت وطنه لا حياته, ثم يودّعه للأبد بعد انفجار مرفأ بيروت الأخير، كانت الرصاصة الأخيرة في جسد بيروت والفصل الأخير في حياة الدويهي..
رواية مشفّرة تحوي الكثير من الرموز والدلالات، لغتها جميلة وسلسة وبها مقاطع رائعة.. بعض الهذيان والتكرار أحيانا ولا عقدة أو حل لها كرواية ولكنها مهمة وقوية..
Profile Image for إبراهيم   عادل .
1,071 reviews1,974 followers
October 17, 2021
رحمة الله عليك يا جبور
سرد جميل لحالة لبنان قبل الحرب حتى أيامنا هذه
Profile Image for Nabil مملوك.
Author 3 books74 followers
December 30, 2022
لم يستطع جبّور الدويهي من خلال روايته الأخيرة سمٌّ في الهواء ( الصادرة عن دار الساقي- طبعة أولى.٢٠٢٢) الخروج من إيقاع الحرب والشمال والهويّة اللبنانيّة عمومًا...
ما يميّز معظم روايات الدويهي ومنها هذه الرواية هو فرادة الشخصيّة/ أحاديتها / وانطواؤها...حيث أن الشخصية الأساس بمثابة الميتة كانت بحضور الاب والأم واللواتي نقلنه إلى عالم الجنس في فترة المراهقة وهذا ما قد يحسب على المؤلف وليس لصالحه خاصة أن ما حمله المؤلف من رغبة بالتحول والتغيير أنساه طرحها فركز على تصوير الواقع ونسخه أحيانًا بأسماء مستعارة وانزياحات
لكن ما يمكننا الحديث على أنه لافت ومميز في هذه الرواية القفز فوق الإطار الزماني حيث لم تعد الحقبة او الزمن ذات دلالة بل نمو هذه الشخصية وارتطامها بالصراعات والأيديولوجيات والظواهر والقيم التي تشكل سلسلة أحداث لشخصية قيد النمو في مجتمع متخبط
هو الأهم حيث يأخذنا الى دراسة الرواية وفقا للمنهجين النفسي والاسلوبي أو البنيوي والإجتماعي

رواية كانت وصيّة اخيرة للكاتب أو بالأحرى ترسيخ علامة اراد إيصالها إلى كل القراء العرب والمستشرقين المهتمين بلبنان بلد التشتت من ناحية الهويّة والتعددي بكل ما تعنيه الكلمة من خوف واطمئنان.

نبيل مملوك
12 reviews
July 1, 2022
تصطحب احداث الرواية قارئها في مراحل التطور الشخصي لكل انسان ، ابتداء من براءة الطفولة الى عنفوان الشباب و مخاطراته لتغيير الواقع لتقبّل الصفعات و الخيبات في منتصف العمر ، استسلاما للقدر في الكِبر و التقوقع الى حد النهاية.
لا أحد يمتلك هذه القدرة مثل جبور الدويهي رحمه الله .
Profile Image for Layal souss.
257 reviews10 followers
November 15, 2022
هي سيرة الحياة اللبنانية من الحرب الأهلية لتنتهي بانفجار مرفأ بيروت.
فترحال الراوي وتيهه من الشمال للجبل فبيروت يأخذنا إلى محطات من الحروب التي عصفت بلبنان.
رواية شاب يعيش برفقه والده ووالدته،
تتقلب مسارات حياته في بحثه عن المخاطر حيث يذهب كفدائي إلى غور الأردن،
إلى شاب منعزل مع الطبيعة يقع في حب فتاة شعرها صير ويعيش معها تجربة كتابة الرسائل
إلى عودته لبيروت ليمنتهن التدريس ويغوص عند انتقاله للسكن في فندق للغوص في علاقات نسائية عابرة،
ثم بانضمامه إلى منظمة التروتسكيين العرب وتورطهم معهم
ثم زواجه من زميلته معلمة الفلسفة ومحاولة قتلها
إلى دخوله السجن وخروجه لينعزل في منطقة بعيدة مطلة على بيروت
لحين حدوث انفجار مرفأ بيروت.
رواية يخطها جبور ليرسم لنا قصة موت الوطن بأسلوب شخصي بامتياز.
Profile Image for Alya Albuainain.
57 reviews
January 18, 2024
عاشت لبنان صراعات وحروب على مر السنوات الطويلة الماضية بين الطوائف والقبائل و المهاجرين السوريين و تجارة المخدرات و الاسلحة حتى بات حلم التغيير للافضل مستحيل و فقد الشعب الرغبة في العيش والاصلاح .. هذا ماعكسه الكاتب في الرواية عندما عاش البطل حالة شبيهه بالاكتئاب والانعزال

تعمد الكاتب عدم اعطاء اسماء لابطال وشخصيات الرواية لان البطل الوحيد هو لبنان ولن تكتشف ذلك الا في الصفحة الاخيرة التي رثى فيها لبنان و انفجار المرفأ ورحل البطل الى اللا معلوم.

Profile Image for طاووسة ذهبية.
159 reviews2 followers
August 23, 2025
الرواية تتحدث عن مراهق ينتقل مع والديه وعمته المصابة بالفلاج من قريته إلى بيروت ويتنقل بعده بيوت فيها الرواية تشرح علاقته بأهله وأيضا الحزب الذي ينتمي إليه وأيضا نجده يكبر وتكون له علاقات بعدة نساء الذي يعجبني بالكاتب جبور الدويهي سرديته التى لا تمل
Profile Image for Dalia Hammami.
128 reviews
June 4, 2022
برأيي هي أقل أعماله ابداعاً.. لكن بالتأكيد الأسلوب و اللغة و المفردات كعادة الدويهي.. جميلة جداً
12 reviews1 follower
July 8, 2022
ليست افضل ما كتب الكاتب الكبير جبور الدويهي لكنه للأسف الأخير ...شكرا جبور لكل ما كتبت و بقدراتك اللغوية القوية و نقلك التجربة الإنسانية بمهارة .و سم في الهواء هي ترنيمة النهاية
Displaying 1 - 16 of 16 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.