في اكتشاف أن لكل امرئ قبيلة، ولكل قبيلة طوطما -هو إلهها ومعبودها وشرفها، فهو يجسد الروح المشتركة بين أفراد القبيلة، في تجل لتلك القداسة والماهية الماورائية الجمعية- كان هذا الكتاب قربانا قدمته الكاتبة لتنضم إلى القبيلة، فيما يشبه مونولوجا داخليا يكشف صراعها حول عملية اتخاذها لقرار علني بالكتابة كفعل وجودي مقصود عن سبق إصرار وترصد، في تعاف من شلل الاختيار الناتج عن القلق عند إدراك المرء أن إبداعه ممكن، وتفرده كذلك، مما يمكّنه من أن ينحت هويته ويخلقها ويكوّن نفسه مرارا. وهنا يوجب الخلق رفضا للواقع وتحطيمه، وهدما لثوابت بنيوية صلبة داخل النفس، في كسر للقوالب القديمة، ليعلن ولادة شيء جديد وأصيل في الأنماط الفكرية والعلاقات الإنسانية والأشكال الثقافية، تماما كالإبداع عند الفنان. ولهذا كانت كل تجربة إبداعية تحمل في باطنها احتمال العداء أو الإنكار سواء اتجاه الآخرين في البنية المشتركة أو في الأنماط المتأصلة في الذات، لأن في كل تجربة إبداعية يُقتل شيء في الماضي ليُولد شيء في الحاضر. في تتويج لانعتاقها من دُوار الحرية التي تنظر إلى أسفل بسبب إمكانياتها، بينما هي مستندة متمسكة بالحدود، قبل أن تستسلم، ثم تنهض مرة أخرى وتدرك أنها لم تقم بعد بما يكفي؛ بين هاتين اللحظتين -في إيمان أعمى بطوطم الكتابة- كانت تلك القفزة التي نتج عنها هذا الكتاب. وهو مقسم لعدة أقسام، تدور حول فعل الكتابة لإعادة اكتشاف الذات وتشكيل وعي جديد بها وبمحيطها من عوالم وظواهر فلسفية وفكرية، في طرح لا ينتهي لأسئلة مفتوحة لا تنغلق، مع هضم لكثير من تجارب ورؤى المفكرين والفلاسفة والأدباء، وما بين هذا وذاك تسجيل تفاعلي مع أسفار واحداث وقراءات لحوادث ورؤى ذاتية.
عجزتُ عن تصنيف هذا الكتاب. أهو بحثٌ علمي؟ أم سيرةٌ ذاتية؟ أم تحليلٌ نفسي؟ أم أدبُ سفرٍ مكتوبٌ بلغةٍ عاشقةٍ للأدب كما تعشق الأمُّ وليدَها؟ هو كلّ ذلك وأكثر. كتابٌ كُتب بأسلوبٍ أدبيّ رفيع، وبصراحةٍ وجرأةٍ لا تعرف التردّد. كتابٌ يُقرأ ببطءٍ وتأمّل، ليعيد تشكيل قارئه من الداخل كما تُعيد الولادةُ تشكيلَ الجسد والروح. مريم الكاتبة تفخر بأنّ الكتابة أمّها، لكنها في الوقت نفسه تُقدّم كتابها طوطمي كأمٍّ وضعت وليدها للتوّ؛ ترفع القماط عنه لتتأكد من اكتمال أصابعه، ومن خلوّ جلده من الشامات والتشوّهات والعاهات. تفخر بتصميم الغلاف، وباختيار الألوان، وبسبب التسمية، ولا تنسى التقديم بكل سخاءٍ ودهاء. فالكتابة كالولادة: إخراجُ روحٍ من روح، في نصٍّ يفيض ثقافةً، وعلمًا، وبحثًا، وصدقًا، والكثير من الدهشة. لقد جبلتُ نفسي عبر السنوات على سرعة القراءة، كمن يخشى أن يفوته القطار الأخير من المعرفة، لكنني في هذا العام فقط آثرت أن أبطئ الخطى، وأحيانًا أن أثقلها، كغيص(غوّاصٍ) على سفينة صيد اللؤلؤ، يربط إحدى قدميه بحجرٍ بإرادته، ليغوص إلى القاع..... إلى قاع القاع، حيث يتجلّى جمالُ صنعةِ الخالق. يملأ سَلَتُه بالمحار، وفي كل عشراتٍ أو مئاتٍ منها قد تختبئ لؤلؤةٌ واحدةٌ تستحق مخاطرة الغوص بالحياة ذاتها. كذلك القراءة البطيئة: قد تُبطئك، لكنها تمنحك لؤلؤةَ التلذّذ بجمال قاع البحر، ودانةَ الفهم النادرة. وأنا، التي اعتادت التطريز بأسلوب Cross Stitch، وجدت نفسي أثناء القراءة أعدّ الغرزات، أبتعد قليلًا لأتأمل التناسق، ثم أفكّ غرزةً غير منسجمة لأعيدها بحبٍّ وإتقان. فالقراءة هنا ليست استهلاكًا للنص، بل تطريزٌ للمعنى غرزةً غرزة، حتى تكتمل اللوحة الجمالية أو معجزة الولادة كما أرادت مريم. كعادتي، استبقتُ الحضور إلى العمل لفعل القراءة الصباحية، وبين هدوء المكاتب ورائحة قهوتي المعدّة بإتقان، جلستُ لأقرأ ما توقّفتُ عنده البارحة قبل المنام. لكنّ صدمتي كانت حين أدركت أنني نسيت الكتاب. في تلك اللحظة قررت أن أبدأ مراجعتي، حتى وإن لم أكمل القراءة بعد ، لأن الكتاب لم يغادرني، بل يسكنني. لم تغفل (مريمة) كما لم تغفل من قبل عن شيءٍ يتصل بالذوق والجمال: عن فنّ صنعة القهوة وتذوّقها، وربطها بمزاجك وحليمات التذوق على لسانك، وبقدرة أرنبتك على التمييز بين ثمانمائة رائحةٍ مختلفة. ربطت القهوة بالكتاب، والقراءة بالكتابة، والفكر بالحسّ، فخرج النصّ أنيقًا كفنجانٍ وُضع أمامك في لحظة صفاء. يا لأناقتك يا مريمة. طوطمي كتابٌ يستحق حقًا إعادة القراءة، وهذا قرارٌ اتخذتُه فور انتهائي منه. أعلم أن يومًا ما، وليس ببعيد، سأعود إليه من جديد، لأغوص في عمقه مرةً أخرى. كتابٌ أوصي بقراءته، وأعدّه من أجمل الهدايا التي يمكن أن تُمنح لقارئٍ يحب أن يعرف نفسه أكثر. كتابٌ يحفّزك لتكتب ذاتك كي تشفيها، وتقرأ لتكتشف ما خفي منها. "الكتابة أصدق من الكلام."
العمل الأوّل لكاتبته. تحدثنا فيه عن الكتابة بوصفها طريقة حياة تختارها. وتحدثنا في فصول أخرى عن القراءة، أيضًا. وتتراوح فصول الكتاب ما بين الخاطرة والبوح في الفصول الأولى، إلى المقالة بشكلها الكامل في الفصول الأخيرة. لكنّ الاستطراد في المقالات كان كثيرًا وطويلاً. انتقلت الكاتبة من عالمها الخاص فيما تكتبه عن الكتابة إلى الشأن العامّ في عالم الكتابة، فأضحى الكتاب تحفيزيًا في كثير من جوانبه. لكن غاب عن التحفيز تحديد الوجهة. فعن أيّ أشكال الكتابة نتحدث؟ ومما زاد في هذا الالتباس تحديدًا، هو غياب النموج السابق للكاتبة؛ فهذا باكورة أعمالها! بدا الكتاب إعلانًا عن مشروع كتابة ممتدّ. ولأنك ترى جدية الكاتبة واشتغالها على مادتها، فالمشروع يستحقّ المتابعة القريبة، من الكاتبة أولاً بإصدار عملٍ جديد.
هناك غرابة أحاطت بهذا الكتاب منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها حياتي. لم أبدأ قراءته كما يبدأ المرء أي كتاب؛ بل انسكب عليه الماء قبل أن ألمس صفحاته، فترك أثرًا يشبه تلك البدايات التي لا نختارها بل تقع علينا فجأة. وعندما قرأت لاحقًا آراء الآخرين، أدركت أنني لست وحدي — كأن طوطمي لا يُقرأ إلا بعد أن يبتل بشيءٍ من العالم: ماء، دمعة، أو قَدَر.
منذ الصفحات الأولى شعرت أن مريم الدجاني لا تكتب لتروي حدثًا، بل لتفتح بوابة نحو المرايا الداخلية. نبرة الكتاب تشبه الهمس الذي يقول: "أنا هنا لأريك نفسك… لكن إن لم تكن مستعدًا، فاهرب." ويؤكد ذلك قولها:
> "فتفرّ منهم إلى المكان الذي ينبغي أن تصير إليه."
ثم جاءت الجملة التي لمست شيئًا قديمًا في داخلي:
> "قد كان ظني أنني أود أن أختبئ، لكن الحقيقة كانت أن كل الذي أريده هو أن أُكتشف..."
هذه ليست جملة عابرة؛ إنها لحظة تقف فيها الروح أمام مرآتها بلا قناع. كم منّا يظن أنه يختبئ، بينما هو في الحقيقة يبحث عمّن يراه كما هو؟ هذه الفكرة وحدها جعلتني أقترب من النص لا كقارئة، بل كمن فُتح داخلها باب فجأة ولم تستطع إلا أن تنظر.
ولعل المفارقة أنني حتى وأنا على مشارف النهاية لا أستمتع بالكتاب بالمعنى التقليدي. إنه لا يُقرأ بسهولة، ولا يمنح ما يعد به فورًا. ومع ذلك يخاطبني في العمق بطريقة لا أستطيع تجاهلها، كأنني وجدت فيه شريكًا في الهدم قبل البناء… أو ربما شريكات، إذ إن صوت الكاتبة كامرأة يغيّر طريقة اهتزاز الجملة في داخلي.
ورغم أنني أحب القراءة على مهل، إلا أنني — كعادتي — أحب أيضًا أن أنهي كتابًا لأبدأ بآخر فورًا. لكن مع طوطمي وجدت نفسي بين رغبتين متناقضتين: أن أُكمله… وأن أتمهّل. وكأن الكتاب نفسه يعلّقني خارج الزمن، كما تقول:
> "وأنت لم تعد تدري ما العالم الحقيقي، الذي كنت فيه وأنت تقرأ؟ أم ذلك الذي يشغل فيه جسدك حيزًا لا يُستهان به؟" طوطمي — ص198
الاقتباسات التي استوقفتني حتى الآن ليست زخارف لغوية، بل نقاط ضوء:
> "بشر كأنهم زخات مطر توقظ بذورك النائمة…" "وهنا كنت أزيح القشور المتراكمة طبقات متكلسة فوق روحي…" "كيف لك أن تعرف الكتب التي تشبهك إن كنت تستخدم عين آخر غيرك لترى؟" "مع أن المجهول فقط هو القادر على توسيع مداركنا…"
كل جملة منها تعمل كإصبع يشير إلى منطقة خام في داخلي، وكأن النص لا يشرح لي العالم… بل يضع يده على أماكني الهشّة.
أشعر أن طوطمي ليس كتابًا للقراءة، بل مسافة للاختبار: بين الهرب والاكتشاف. بين ما نحاول إخفاءه، وما نرجو — بعمق خفي — أن يراه أحد. وكأن مريم الدجاني تكتب لتقول للقارئ: "ها أنا ذا… هل تجرؤ أن تكون أنت أيضًا؟"
ثم وصلت إلى اقتباس بدا كأنه يلمّ كل رحلتي معه:
> "الأساتذة العظام حقًّا لا يسنّون قوانين، إنهم يرغبون في إطلاق سراح الإنسان." طوطمي — ص201
وعند هذه الجملة تحديدًا، شعرت بامتنان عميق لأستاذي الذي أهداني هذه التحفة.
لم أتمكّن حتى الآن من تصنيفه. تارةً أشعر أن الكاتبة تخاطب روحي، وتارةً أخرى كأن الفكر والتفكير يجلسان معها، وتارةً ثالثة أشعر أنها تمسك نقاط الالتقاء بيني وبين العالم… وكأني أنعكس في الكتاب.
لا أعلم أقرأتُ مريم الدجاني، أم قرأتُ نفسي — مرةً، ومرتين، ومرات.
كانت المرة الأولى التي أقتني فيها كتاباً ورقياً هنا في الرياض فأنا لا أشتريها لأنني لست متأكداً إن كنت أستطيع أخذها معي عبر الحدود، اشتريته من معرض الرياض الدولي للكتاب رغم إنشغالي حينها حتى أنني لم أعد في اليوم الثاني لزيارة المعرض فقد كنت أريد أن أحصل على هذا الكتاب فقط لأنني من متابعي صفحة الكاتبة الشخصية على الفيسبوك ومهتم جداً بمعرفة شكل كتاباتها وإن كانت بجمال منشوراتها أو أكثر، بعد قراءة ثلاثين صفحة في الليلة الأولى رغبت في إتمامه ولكي أتمكن من ذلك وسط إنشغالي قررت أن أضعه معي أينما ذهبت طمعاً في أن أقرأ منه قدر المستطاع حتى حصلت الكارثة عندما كنت أضعه أمامي وأنا اشرب العصير فانسكب معظمه فوقه فإضطررت أن أنتظره حتى يجف وعليه فأنا أعتقد أن الكاتبة مدينة لي بكأس عصير مقابله أو فنجان قهوة يشبه الذي وصفته في مقالها(ذويقة القهوة)...
في البداية قبل أن تقرأ الكتاب عليك أن تطلع قليلاً على السيرة الذاتية للكاتبة وهو مذكور بشكل مبعثر في مقالات الكتاب فالكاتبة تعيش وسط ثلاث محاور :المعادلات الكيميائية، الخطط التسويقية،صفقات النقود، أما بيتها الذي نشأت فيه فيحب العلم على عكسها هي التي تحب الأدب والكتابة والقراءة بنهم لا يتوقف حتى أنها قرأت أجنحة جبران المتكسرة قبل أن تتم الحادية عشر من عمرها! لو إجتمعت هذه الظروف لدى شخص عادي لكان من الممكن أن تمر مرور الكرام أو ربما بأفضل الأحوال ستكتفي الكاتبة بنجاحها العملي وتترك الكتابة غير المجدية وتطلقها طلاقاً لا رجعة فيه... لكن شخصية الكاتبة الثائرة لم ترضى بالتوقف عند هذا الحد بل حتى انها لا تعرف أين يمكن أن تتوقف، تقول مريم في نهاية مقالتها المعنونة ب(غرفة تخصني بمفتاح) :لقد أصبحت اكتب لكي أحتج، أنا كنت أسجل إحتجاجي على العالم بالكتابة، وجعلتها واسعة جداً حتى أصبحت تكفيني لأدون عليها إعتراضي، أما الآن وبعد أن مارست الثورة حتى خبرتها على سرير واسع حلم الكتابة، لم تعد تكفيني البشرية منذ آدم وحتى يوم القيامة، أريد أن يسمع إحتجاجي كل ذي روح على وجه الخليقة، ولن يكفيني، أنا حتى لا أعرف ان كان الله سيطفئ نار غضبي ويبرد احتجاجي، أنا ثائرة ولا شيء يكفيني! لا يكفيني مليارات البشر ليسمعوا احتجاجاتي، أريد أن يسمعني الحجر والشجر قبل البشر! دمي حار يغلي، يكاد يتبخر، ليرتطم بخاره بجدران أوعيتي الدموية ليتكاثف، فينكفئ على نفسه دماً سائلاً حارقاً مرة أخرى! لكن هل يمكن أن ينتحر الثائر إذا فقد الأمل؟....أضيف أنا :لا يا مريم لا يمكنه، إن الإنتحار ترفٌ غير متاح للثوّار....
الكاتبة والأسفار:إن ما يلفت إنتباهك وأنت تقرأ هذا الكتاب أن الكاتبة في حالة سفر مستمرة وشبه دائمة، سفر روحي، معنوي، مادي حقيقي بحكم عملها كسيدة أعمال، أفقي في وجوه الناس، عمودي بحثاً عن أسرار الوجود، سفر نحو الماضي، نحو المستقبل، سفر في الكتب والمكتبات،حتى أن كثيراً من المقالات يمكن تصنيفها تحت أدب الرحلات ولكن ما الذي ساهم برأيي في قدرة الكاتبة على تسجيل هذه الرحلات بطريقة جذابة وملفتة تجعلك تهتم بتفاصيلها رغم أنها في نهاية الأمر تجربة شخصية؟ كان هناك سببان:الأول القراءات المبكرة لدى الكاتبة والتي جعلت لديها خيارات لغوية وتعبيرية كثيرة ومتنوعة، أما السبب الثاني فهو عين الكاتبة التي تقع على أشياء لا تقع عليها عيون كثير من المسافرين الذين يرتحلون عادة للإستجمام والترفيه وتجربة مناخ مختلف بعد عام عمل طويل....أما الكاتبة فقد كان فضولها يقودها إلى المكتبات والأماكن الثقافية ومراكز تعليم صناعة القهوة ومقاهي غريبة ومطاعم تقدم وجبات خاصة بأبناء تلك البلدان مما يجعلها تعود في نهاية اليوم جائعة متألمة مما حاولت إدخاله إلى معدتها، ومع قدرتها السردية التي إستخدمتها بعفوية دون أن تدرك أنها موهوبة بها رسمت لنا رحلاتها حول العالم بلغة قوية متقنة نجحت من خلالها بإيصال أفكارها عن الثقافات الأخرى دون إستعراض أو إستعلاء على القارئ الذي ربما لم يغادر قريته منذ ولادته....
إن القارئ وبعد أن يحشو رأسه بعدد معين من الكتب وبالمناسبة هذا العدد يختلف من شخص لآخر تبدأ إرهاصات الكتابة بإصابته فيشعر أنه لن يستطيع الإحتفاظ بهذا المخزون اللغوي الهائل من الأفكار والصفحات والكلمات والسطور لدقيقة واحدة بعد الآن! لا بد أن يتخلص من هذا الثقل، تماماً كالمرأة الحامل التي تشعر بالجنين يكبر تدريجياً ويحتل مساحة أكبر من بطنها حتى يبدأ بالضغط على رئتيها وقلبها فتصبح أنفاسها مسموعة ومتسارعة! لن أسمح لهذه الكلمات بأن تخنقني! سأدونها مهما كان ألم الولادة قاسياً، سأكتبها ومن ثم سأموت ولن أجيب عن أي إستفسار بعد ذلك عن لون عيون المولود أو وزنه أو عدد أصابعه، سأنجبه إلى العالم ثم سأختفي... تصرح الكاتبة بهذا الأمر أحياناً وتتوارى أحياناً أخرى عندما تتحدث عنه ولكنها لم تستطع إخفاء براعتها في الحديث عن التوأمين الأزليين:القراءة والكتابة فهي وأثناء محاولاتها لوصف أحاسيسها التي تختلجها عندما تكتب أو تقرأ أو تمارس أي نشاط يتعلق بهما قد قدمت لكثير من القراء والكتاب أوصافاً جمالية وتعبيرات دقيقة كانوا في حيرة من أمرهم عندما كانوا يحاولون التعبير عنها، فهي بالنسبة لهم قبل هذا الكتاب كانت ضبابية محسوسة ولكنهم اليوم يستطيعون لمسها وترديدها، هذا النوع من الكتابة حول ذات الكتابة والإبداع والطقوس التي تكتنف هذه الأمور لم ننل كفايتنا منه إلا مع العبقري ألبرتوا مانغويل الذي عبّر عن ما يجول في خواطرنا عندما نقرأ أو نكتب....
تهدي الكاتبة ثمار ما يزيد عن ثلاثين عاماً من القراءات العريضة والمتنوعة رافقتها رحلة عملية لم تكن بتلك السهولة إلى كل من اعتقد أن الطريق التي وجد نفسه فيها هي الطريق الوحيدة والصواب الأبدي! ياله من إهداء لعنوان صعب وضعت الكاتبة تحته عبارة قصيرة (المضيء والمظلم في إكتشاف الذات عبر الكتابة) وتشرح لاحقاً أنها من قبيلة علي شريعتي من كان طوطمه القلم وهي مثله طوطمها القلم... أما الغلاف فالخطوط وجدت لتجاوزها على حد قول الكاتبة لهذا كان هناك كسر لقواعد خط الثلث ودمجه مع الخط الفارسي، إذن فالكتاب ثورة من غلافه إلى غلافه!
الكتاب يقع في ثمانية وعشرين نصاً أسميتها تجاوزاً مقالات ولكنها أوسع من ذلك، يمكن تقسيمها إلى عدة محاور تصب كلها في بوتقة إكتشاف الكاتبة لذاتها عبر اللغة، تتحدث أحياناً عن متعة الكتابة ولذتها وأحياناً عن عذابها وألمها، هل تقتل مضادات الإكتئاب الإبداع؟؟ هذا عنوان أحد النصوص الذي ناقشته خلاله الكاتبة بكل صراحة وشفافية ولغة علمية آثار مضادات الإكتئاب على الإبداع مستشهدة بسبب ثقافتها الواسعة بأمثلة عن مبدعين وكتاب كانوا مصابين بالإكتئاب، ثم في مقال آخر تكتب عن ثلاثية الإبداع والوحدة والإكتئاب، ومن ثم تعرج تعريجاً طفيفاً على صعوبات الكتابة على المرأة، ولأن الكتاب في معظمه عن الكتابة فقد غلبت هذه الكلمة ومشتقاتها على معظم العناوين مثل :خيمياء الكلمة، هجرة اللغة، مجد الكتاب، صنعة الكتابة، سبيل الكتابة، الكتابة صلاة، مختبر الكتابة،،،، أخيراً هذه دعوة لقراءة الكتاب لأنه يمس جوانب مهمة حول الكتابة كضرورة وعلاج وحاجة مادية ترافق هرم ماسلو من قاعه حتى قمته...
يعلم من يستهويه ممارسة عادة القراءة أن الوقوع في "شرك" كتاب "محرز" لا يعادله حظ ، فحينها؛ هو في أمان من ضياع جهد و وقت أولا، و هي فرصة للاستنارة و التمتع تماما بما يدغدغ حواسه و عواطفه. صدفة من حيث لا أدري ، تعثرت بإعلان على صفحة الفيس بوك حول تدشين كتاب بعنوان "طوطمي" ، سألت عن إمكانية الحصول عليه ، فأجابتني مؤلفته الأخت مريم الدجاني بأن أسهل طريقة هو شراؤها اونلاين ، ففعلت ذلك و استلمتها بسرعة ، لا أخفيكم أنني كنت في خضم قراءة ٥ روايات سوية ، و عندما استلمت "طوطمي" أصبح الكتاب السادس . بداية تأملت الغلاف ملياً ، و تمعنت جليا بأدق التفاصيل، الألوان المنتقاة و الخط المستخدم ، سكنت للحظات و أدركت أنني مقبل على فتح أبواب "جرأة" غير اعتيادية ، قررت التمهل بالحكم و إعطاء الكتاب حقه ، فقد تكون الصورة خاطئة ، أو أكون قد خدعت بمظهر لا يوحي بما "أحسسته" . أصابني فضول كبير لمعرفة ما هو "المضيء و المظلم في اكتشاف الذات عبر الكتابة" ، فاستسلمت طائعا لإغوائه و سلمت الكتاب نفسي و وقتي داعيا أن أجد ضمنه ما يشفي "الغليل" . بدأت مشواري ناويا "الجري" على جنبات النصوص، فاكتشفت عبثية نيتي ، و أدركت أن لا مجال للتلذذ بما داخله الا ب "المشي" البطيء، لأن كل كلمة و فكرة و نص مكتوبة بعناية بالغة ، و تحتاج أحيانا لإعادة القراءة ثانية و ثالثة لاستيعاب الفكرة العميقة أحيانا ، و لإزالة شك ناشئ عن سوء فهم او التأكد من صحة ما قرأته من كلمة جريئة / مقدسة او فكرة غير اعتيادية أبدا من "كاتبة" أحيانا أخرى ، او لإطالة مدى التلذذ بما ورد في ثنايا النص من أفكار بديعة أنيقة يفوح منها كل الجمال . صدقا أصابني الفضول لمعرفة ما أسمته "مريم" ب "بصمة روح الكاتبة" ، فأدركت من البداية أنها مشروع "ثائرة" و "متمردة" على النمطية الاعتيادية، فهي لا تخشى قول ما يعتمر داخلها من أفكار بصدق و أمانة بلا تزيين اراضاءا للمجتمع، و هي "قوية" بما فيها الكفاية و لا تخشى لومة لائم من صياغة تعابيرها حسبما يجول في خاطرها ، فهي إنسان أولا و أخيرا ، و لا أصدق من تصوير الداخل كما هو ، بالعبارات او الكلمات التي تستحقها الفكرة ، تدرك أنها تجاوزت مقولة "نحن رؤوس محكمة الإغلاق" . قررت أن أقرأ يوميا خمسين صفحة من الكتاب لاعطائه حقه و إطالة فترة التلذذ، فكل فكرة بكل نص مدهش حد البذخ ، و كل موضوع منتقى بعناية ، تدرك بسهولة أن ذلك "المولود" معتنى به بلطف و نال ما يستحقه من عطف و دلال حتى تجرأت "مريم" على اطلاقه من قفصه ليتمتع به العامة . لم يخب ظني أبدا بكل النصوص التي تجرعتها، و استمرت الدهشات تسحبني حول كثير من الأفكار التي تعتمرني و التي تحدثت فيها "مريم" باسمي و اسم كل من يشاركني متعة تحسس الكتب و ما فيها ، و متعة "الكتابة" ، فقد قيل أن على الإنسان أن يكتب دوما فكرته او قصته و تذييلها بالتاريخ ، لأن غيره سيكتبها يوما بطريقته الخاصة. أبارك ل "مريم" مولودها الانيق المترف جمالا ، و أدرك أنها أمام مهمة قد تكون صعبة لوهبنا "اخوة" و أخوات" ل "طوطمي" بذات المحتوى و الجمال. على ضفاف "طوطمي" استفزاز للنفس لأن تكتب ، و استنهاض للروح لأن تبحث عن مصدر "الإلهام" ، و استنتاجات أنيقة كانت غائبة عن البال ، فيها اضاءات على مفاهيم و أفكار، تدفعك للجلوس مع نفسك و إعمال فعل التفكر و التدبر ، فيها تفتيح لمسامات الحواس الخمس و ما بعد الخمس من حواس خفية روحانية لا يدركها إلا "المريد" النقي ، تتيقن أن أهل "الكتابة" هم أهل "النظر". إن كان من ندم أصابني ، ألا و هو عدم شرائي نسخ اضافية لإرسالها هدايا الى من يتلمس جمال القراءة و فعل الكتابة ، منتظرا فرصة توفرها في المكتبات قريبا جدا. لوهبها لأصحابها المستحقين. الأخت "مريم الدجاني" .. أبدعتي.. كنت "باريستا" تأليف محنكة، قدمتي لنا كوب "كتاب" نظيف ، و الذي يبدو من خلاله أنك "مطلعة" جدا على أذواق جمهور من يتنفس "الكتابة" ، فقدمتي لهم "طوطمي" الذي يتحدث عنك بذوق من سيقرأ لك، متمنيا نقلها الى لغات أخرى لأنك صدقا تستحقين العالمية ، و يستحق العالم أن يتذوقها و يتلمسها. تشرين أول/ أكتوبر ٢٠٢١
بهذا استطاعت مريم أن تنقذ نفسها. استطاعت أن توقف الزمن بكتابة تفاصيل المكان. ففي كل لحظة شكلتها، في الحاضر أو في ذلك الماضي الذي استطاعت أن تتحر منه حتى لا يقف عائقاً أمام نجاحها. (إن قدرتك على رواية حياتك السابقة يحررك لتصبح المؤلف الحقيقي لحياتك القادمة). . كتبت مريم عن الكتابة بوصفها الفعل الآمن في تحررنا. كتبت عن الجنة التي وصفها بورخيس (المكتبة) والقراءة. أخبرتنا عن الأمكنة التي أحدثت فارقاً مهماً في طريقها "بأهمية الكتابة عن تفاصيل المكان". وعن سعيها في كتابة كتابها. . خرج (طوطم) مريم، مستمداً اسمه من (علي شريعتي) الذي قال أن (القلم هو طوطمه). ألهما منذ بدء قراءة الأحرف الأولى له. قسم الكتاب إلى قطع "سأطلق عليها قطع وليس مقالاً) لأن الكاتبة كتبت قطعاً منها، ولم تكتب لأجل التسلية بل لأجل الكتابة. . "كم مرة استعمل الناس القلم أو الفرشاة لأنهم لم يستطيعوا ضغط الزناد؟" هكذا حدثتنا فرجينيا وولف. ومريم تحدثنا عن قلمها هنا. . وفي قطع أخرى، حدثتنا الكاتبة عن الفلسفة، الحب، الابداع، القهوة،الاكتئاب، وعن الكتب. ولا ننسى توثيق ذاكرة المكان. . سأختم بمقولة الكاتب المصري "يوسف ادريس": ( أن تؤلف كتاباً، أن يقتنيه غريب، أن يقرأه ليلاً، أن يختلج قلبه، لسطر يشبه حياته، ذلك هو مجد الكتاب). . اذا صادفتم هذا الكتاب يا اصدقاء عليكم بقراءته. دمتم بخير يا أصدقاء.
امسكت بالكتاب أكثر من مرة ، أتركه لأعود إليه، على مدار أشهر طويلة ..
الكاتبة زميلة مهنة، صيدلانية شغوفة، قارئة متميزة كما بدا لي وأمسكت القلم لتكتب، تصالحًا مع الحياة ربما.. أو بالتأكيد حسب تقديم الدجاني نفسها ..
مشكلتي مع الكتاب هو حرفيته الزائدة ! متعوب عليه جدًا جدًا، فهنا بحث دؤوب، خبرات متراكمة من كل التفاصيل التي عاشتها: قراءة، عمل ، سفر، خيبات وأفراح ..
من يتابع مراجعاتي يعلم تمامًا اني انشد روح الكاتب بين سطوره، و رغم تعرفي على مريم شخصيًا الا اني فقدتها في الكتاب، فالمقالات وان بدت ذاتية إلا انه طغى عليها الطابع البحثي العلمي :)
المقالات معظمها في ظلال الكتب والكتابة، معرفية دون شك، تُقرأ دفعة واحدة او على فترات ، يتضح مع كل منها ما وصفته مريم على الغلاف بالمضئ والمظلم في اكتشاف الذات.
أحببت الهوامش المفسرة لشخصيات ، أماكن وخلافه، وربما وددت لو حظي الكتاب بمراجعة حثيثة من دار النشر قبل طباعته ! كما أشير الى سوء الطباعة في كثير من الصفحات
رحلة شخصية ، مع ذلك قد يجد القارئ ذاته في كثير من اسطرها .. وأعتقد أن التساؤل الاكبر الذي تطرحه هذه الرحلة على قارئها : ماهو طوطمي ؟
# لم أكتب إلا عندما ارتفعت أمامي جدران جديدة لأكسرها، كنت أكتب لأعترض وأحتج، لأثبت وجودي . #أؤمن أن حياتنا مشابهة لقلوبنا # حرية الكلمة قد تقضي على الإنسان