لن أنسى نظرة نورة حينما دخلت مكتبتي، ولم تكن دخلتها منذ مدة طويلة. وجدتني واقفا أمام التلفاز أشاهد ركلة جزاء حاسمة في إحدى مباريات النصر. همت بالحديث ولكن طرف عينها التقط فجأة صف كتاب "الوافي بالوفيات" طبعة المعهد الألماني التي تلتهم رفا كاملا في 33 مجلدا، كل واحد منها أكبر من قبضة يدك. حدقتْ إليها بوجوم، ثم عادت لتحدق إلي، وأنا أقف أمام التلفاز، وصوت المعلق يصرخ: "هدف، هدف، هدف"، ثم سألت مشيرة بسبابتها المرتخية إلى الرف بما يشبه الاستمتاع بمنظر غريب، وكأنها تطالع حيوانا عجيب الشكل في حديقة الحيوانات: "وش هذا؟"، فقلت بحذر تستطيع أن تستبين منه – للأسف – خجلي وقلة ثقتي في تبرير هوايتي المربكة: "كتاب تراجم"، فقدّمت رأسها وكأنها تلتقط الكلمات الغامضة التي ضربت فرامل قبل أذنيها: "تراجم مين؟"، المعلّق يصرخ: "شاتها في حلق المرمى لا تصد ولا ترد، يا سلاااام". هززت كتفي بنفس الحذر المتراجع: "كتّاب، وأعيان، ومحدّثين"، وأضفت بما فضح تصاعد الانكماش: "وناس". أعقب ذلك لحظة صمت، ثم هزت رأسها وضحكت بينها وبين نفسها، ولوحت بيدها وهي تستدير: "تعال بس تعشى تعال". وخرجت.
عشت معها يومين من أمتع ما يكون، ضحكتُ بصوتٍ عال حتى دمّعت. أحمد كاتب قريب من القلب، لا يتكلّف ولا يحفر في المعاني ليبهرك، يكتب مثلما يفكّر وتتسلل الدهشة إليك رويداً رويداً. أحببتها جداً، ربما لأنّها موغلة في العاديّة، لا تناقش إلا أفكاراً يومية قد يعيش تفاصيلها أي أحد. تطعيم النصّ بالعامية كان لذيذاً جداً، ولم يشذّ عن أصل الكتابة، وتداخل الفصول وتراوحها بين الأحداث اليومية والمكتبة والمراسلات أعطتها طابع الصور المتلاحقة التي تعطي القارئ فرصة ليلتقط الصورة الكليّة. تكرار بعض الجمل مثل: (والوقاحة عفنٌ عالقٌ في الهواء) أو جملة (الحياة تكمن في العاديّ) أعطت النص جمالاً وإيقاعاً فريداً وكأن المشهد مسرحيّ. حواراته مع زوجته، صديقيه، والدته، مع نفسه، مع الصديقة الافتراضيّة رائعة. أجمل ختام لقراءات السنة.
واحدة من المشكلات الأساسية عند البشر قد لخصتها عبارة نيتشه " كيف يصبح الإنسان ما هو عليه."
ثاني عمل اقرأه للحقيل، ومن الملاحظ في أسلوبه ونهجه الكتابي، بأنه ابن بيئته بأدق تفاصيلها وحواريها، ابن الهامش، ابن اليومي والمعتاد، ابن اللغة المحكية الناطقة بلسان أهله. المتوجس من السعادة، والعالق والمغترب في أزمة وجودية ك "كولن ولسون." قارئ يعيش فوضى خلاقة في مكتبته المتخمة بكتب التراث، والكتب المكررة بطبعات متنوعة بين الحديثة والعتيقة، والنادرة منها، ذو ذاكرة قرائية تفكيكية. يكتب كل احتمالاته بحالاتها المتشظية و المتشابكة والنقيضة و المتداخلة في سياقات لا حد لها في سيرووة ذاتية هوياتية مزدوجة الوجوه ك شخص "فرناندوا بيسوا" أو كتجربة صرف في الادراك الذاتي؛ وهو ما يعكس غنى أو غموض الطبيعة البشرية . الوجود المشترك والعفوي الذي تقدمه الرواية ترسم النقائض بحدة بالغة، كما لو أنها شكلت تفسيراً متماسكًا لنظامٍ مترابط . و يبدو في سيرة الحكاية ناصر والحقيل يتشاركان في واقع بين شخصي. وقد تشك لوهلة بأنه يعاني من" اضطراب الهوية الافتراقي." الفكر السردي تميز بالمزاوجة بين الإلهي والدنيوي، و بلغة قوامها عدد من التعارضات الأساسية : السطح مقابل العمق، الخارج مقابل الداخل، الخفة مقابل الثقل، العلامة مقابل الواقع، المسافة النقدية مقابل التوحد العاطفي، القناع مقابل الشخصية، الانقطاع مقابل الاستمرارية، الخواء أو الغموض مقابل امتلاء المعنى، "ضربٌ من المزيج المتوحش."، مستعملًا الملاحظة العيانية للأشياء، وكذا المراوغة العقلية. تبدو الحكاية تناسل لشخوص ناصر المتوالدة والمتصارعة في الداخل بين عقل واعي وآخر متخيّل. إنّ كل انسان محدود داخل جسده الفاني، كما يقول لودفيج فيتغنشتاين في ( تحقيقات فلسفية ) ليس هناك اقتراح عديم الجدوى أكثر من هوية الشيء نفسه!
في مديح العادي! • تكاد تكون قصة "الشخص العادي الذي وُلد وعاش ومات عاديًّا" مرّت على كثير منكم، فلم يدع المعلمون ولا كتّاب تطوير الذات فرصة إلا وأوردوها في سبيل تحفيز القراء والطلاب وحثّهم على التميز والإبداع والتفرّد، وبعد ضغوطات العصر الحديث ورأسمالية الحياة المعاصرة بدأت الدعاوى إلى ذم "الإنسان السوبرمان" ومدح الإنسان العادي، ومحاولة الإصلاح بين إنسان اليوم والحياة العادية الرتيبة. • من وحي هذا الصراع -كما أرى- كتب أحمد الحقيل قصصه في عمله قبل الأخير "بيت" ويكتب عمله هذا "أيام وكتب"، والذي وإن صُنّف على أنه 'رواية' في الغلاف الداخلي إلا أنه ليس روايةً تقليدية، ولو حذف التصنيف لكان أفضل. فالكتاب يسير على خطّين يتناوبان الظهور بالترتيب، خط غير منتظمِ العنوان يحكي قصة ناصر وأسرته الصغيرة وملل عمله الحكومي وزياراته لأسرته، وخط آخر انتظمَ عنوانُه "في المكتبة" غير أنّ محتواه لم ينتظم، فقط بدأ -كما قرأته- بحكاية شغف ناصر في الكتب وكانت الفصول الأولى أشبه بسيرة قرائية لبطل الرواية يستعرض فيها منهجه القرائي المعتمد على ما أُحب تسميته "انجرافات القراءة" ثم يتحدث عن بعض آرائه في الأدب، ولكن ما إن تتقدم قليلًا في هذا الخط حتى يبدأ بالاشتباك مع الخط الآخر ويستكمل حكايات العمل والأسرة! • يؤمن ناصر بطل الرواية، أو لعله رأي كاتبها أصالة، بأن "الحياة تكمن في العادي، وأكثر العظيم -شخصا كان أم حدثا- هو نتيجة لسياق رتيب، متراكم، وبطيء غالبا. أما التجارب التي تلخص تلك النتائج الهائلة الحاسمة، والشخصيات التي تمثلها لتصل بنا إلى استنتاجات تماثل الكون ضخامة؛ ليست سوى ذروة مختزلة، معرضة للهشاشة، وربكة التأويل، وفتنة التعليب". ويُسهب في الاستعراض والاستشهاد لرأيه هذا بقوله: "لا يمكن أن تفهم الرسل مثلا دون أن تفهم خلفيتهم الاجتماعية. مجرم تائب وهارب من العدالة، ابن نجار يهيم في الأرض، راعي غنم سابق ووكيل أعمال زوجته. وتستوعب كيف رفض الناس اصطفاءهم بسبب عاديتهم: «ما هو إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون». • فتجد السرد متمحور حول الحياة اليومية والتفاصيل الصغيرة بالتقاطات بالغة الدقة وأوصاف بارعة وغوص في خفايا الشخصيات، دون إغفال مناقشة بعض القضايا التي تُعتبر كبيرةً لدى البعض كالأزمة الوجودية وسؤال المعنى والانتحار. • عمل لذيذ، وكان رفيقًا ماتعًا لرحلة الإجازة.
كتبت عن رواية أيام وكتب في التلقرام، ولكني شعرت بالحاجة لمزيد كتابة عنها؛ فعدت إلى فصول منه ودونت ملاحظات عدة، ثم صرفت النظر عن الفكرة؛ لأن هذا النوع من الكتابة المسهبة الشارحة التي تُعد (نقدًا) ليست من اختصاصي، ولأن القارئ يستحق مساحته في القراءة – على وجه الخصوص في الأدب -وهو خالٍ من حصره في نظرة تأويلية واحدة، أو سلبه لذة التفكير بالمقروء. ولما أجده في نفسي من نفور عن هذا النوع المبالغ في التوضيح وكأن القارئ بليد ذهن لا تكفيه اللمحة العابرة للفهم، والكتابات النقدية الحالية في معظمها، كتبت لتكون دليلًا على فهم الباحث، لا لتنشر دليلًا إرشاديًا للقارئ الغبي. على كل حال كتب بعضهم عن لغة الرواية، وطريقة الكتابة، والنواحي الفنية الأخرى فيها، وهي جوانب جديرة بالكتابة لكن هناك نقطة مميزة في جوهر العمل، شعرت بحاجة لوضع الضوء عليها.(1) المميز في الرواية توصيفها لحالة ملموسة في مجتمعنا بالذات، حالة البقاء معلقًا بين وعي وأفكار فقدت جاذبيتها، أو صارت مع التغيرات المتسارعة أفكارًا فائضة، مسلية، وعديمة القيمة، وبين زمن جديد هو زمنه عمرًا ومعيشة، لكنه يحاول الركض للحاق بما يجري فيه. حالة المثقف الذي يستخدم في تفسيره ومخاطبته لغة وطرقًا صارت مضحكة وتبعث على الشفقة، مع محاولته أن لا يتشبث بها وأن يبدو ابن وقته متخليًا عن الكثير من الأفكار واللغة والسلوك، لكن بالنهاية يعجز عن ذلك ويفشل في أن يفهمه الآخرون حتى، فيجد نفسه يعيش داخل الوقت وخارجه، داخله مسلوبَ التحكم راميًا من سفينته كل الثقل القديم،وخارج الوقت في كهف معزول بأفكاره واهتماماته ولغته، الكهف الذي يتضخم تضخما إلى الداخل ويعجز أن يكون لهذا التضخم أي وجود يحقق له مكانة في وقته، الكهف الذي صارت مكتبته بكل مافيها رمزًا له.
أعود أخرى للإشادة بالعمل وأنقل ما قلته بالتلقرام عنها: “من أجمل الأعمال السردية العربية التي قرأتها، أرادها رواية وكانت رواية وأكثر، تجاوزت أن تكون عملًا جميلًا بالنسبة لي إلى أن تصبح ضمن الخيارات التي سأقترحها حين يُطلب مني التوصية بكتاب للقراءة ، العنوان يوهم أنها إضافة جديدة مملة لحكايا المثقفين عن الكتب، لكن المكتوب شيء آخر.” إضافة غير مهمة: في ظهيرة سبت أكتب هذه التدوينة على غير عادتي في الكتابة ليلًا وبعد نشر التدوينة انتبهت إلى التشابه مع بطل الرواية في طريقة قضاء نهارات الإجازة
1- لا أعلم إن كان الكاتب نفسه سيتوافق مع ما أقوله أم لا لكني هنا سآخذ بنظرية موت المؤلف، مدفوعًا بصنيع الكاتب نفسه حين جرد نفسه من العمل واقتبس من نفسه في أحد الفصول ومستشهدًا بنفسه .. حيث كتب في أحد الفصول ” يقول أحمد الحقيل …” أو عبارة مشابهة وأنا أكتب التدوينة والعمل بعيد عن يدي حاليًا.
قد أعود لكتابة مراجعة أو أخصص تدوينة لها إن شاء الله، رواية أستطيع القول بأنها عاديّة لكن مُختلفة، لا جديد فيها، وليس هناك ما يبهر، جمالها يكمن في عاديّتها!
في المكتبة ... أظن أن لهذه العبارة في هذا الكتاب عمق بعيد جدًا... أبعد مما يبدو ويظهر . هل كانت المكتبة مهربًا، ملجاً، أم مصدر أمان ؟ أترقب العام الثاني من الرواية لأستطيع الحكم على القصة كاملة. لكن هناك بعض النقاط اللافتة ويسعفني الحديث عنها الآن: - أولها لغة الكاتب القوية والتي بدت واضحة جدًا، وكذلك ثقافته التي كانت ملموسة في الرواية. - بالرغم من قوة لغة الكاتب إلا أنه أجاد وأحسن - من وجهة نظري على الأقل - استعمال اللهجة الدارجة في الرواية. - الغلاف وطباعة الكتاب من الأمور الملفتة جدًا، وأعتقد أنها من نقاط القوة الكبيرة للكتاب. - إذا كنت من أهل الرياض ، فإن الرواية سيكون لها بعدٌ آخر بالنسبة لك، معرفتك بالأماكن المذكورة وأسلوب العيش في مدينة الرياض، س��بني بينك وبين الرواية قربًا شديدًا. - اعتقد أن أحمد الحقيل ذكي كفاية، ليخطط لرواية مبنية على أساس حياة ( عادية ) وأحداث عادية ويجعل من رتابة الحياة اليومية وحواراتها أمرًا يثير دهشة القارئ، فالقارئ لم يكن بطلا ولم يواجه قساوة الحرب أو غيرها من الأحداث اللافتة، بل كان شخصًا اعتياديًا يعيش حياة اعتيادية وموظف وظيفة اعتيادية أيضا. - لا أجد أنها رواية بالمعنى الاصطلاحي لكلمة رواية، بل أجدها مجموعة قصصية بخلفية واحدة، أعني لشخص واحد في مكان واحد
- ما لم يعجبني في الرواية، تكرار جملة : أنت خبل؟ أنت مهبول ؟ فيك شي ؟ وما شابهها من الجمل التي تؤدي لنفس الغرض في حوارات ناصر وزوجته، وبالتوازي مع هذه النقطة، لم تعجبني حوارات ناصر وزوجته التي تدور حول نفس النقطة في كل مرة بنفس الألفاظ والعبارات .
أيام وكتب ومتعة لا متناهية بين السطور والقصص والحوارات في هذه الرواية التي على شكل يوميات ناصر الأربعيني السعودي الموظف وظيفة حكومية رتيبة اعتيادية والمتزوج والمستقر مع المرأة التي اختارتها له والدته عن حياته في بيته مع زوجته وابناءه المراهقين ويوميات وظيفته الرتيبة وحياة اصدقائه بمختلف شخصياتهم وفي مكتبته بين كتبه وقرائاته الحرة الموسوعية تارة مع ابن حزم وتارة مع الأدب الروسي وتارة مع قريش وحياة الصحابة وتأملاته وفلسفته في بعض المواقف،، هذه فكرة الرواية حيث تصور الحياة الاعتيادية المستقرة بتفاصيلها وتقاطعاتها،، استمتعت جدا بأسلوب الكاتب السردي ومفرداته الفخمة وطريقة وصفه ودقة وصف بعض المشاهد والمواقف التي قد تحدث في حياة أكثرنا،، ثمة شيء يطربني ويجعلني أكثر استمتاعا كون الكاتب سعودي وكون حياته تشبه حياتنا بروتينها وعاداتها وخلفيتها،، وربما لأني شعرت بأنه يصور حياتي الى حد ما ويصف مستقبلي في شخصية ناصر.
هذه الرواية هي شيء فريد ونادر في هذه المرحلة من العالم، وفي عالم القراءة تحديداً، هي رواية سعيدة! ربما لا يفهمني حتى من قرأها إذ كيف لرواية أن تكون سعيدة؟ وكيف ينطبق هذا والوصف على هذا العمل تحديداً الذي لم يخلو من مناقشة للموت ومشاكل الطبقة الوسطى وجريان العمر والأزمات الوجودية؟ هي فريدة في عالم يندر أن نجد فيه سرداً سعيداً حتى لأسعد القصص فيه وكل شيء يبدو مصاباً بلوثة حزن أبدية، الكل حزين وبائس ومتورط وخائف بلا هوادة، ولا شيء في حياته مهما بلغ من الفرح يمكن أن ينقذه من حفلة التعاسة هذه؛ فكل أعماله الروائية وغير الروائية هي مشاركة مرتجلة أو مخطط لها في هذه الحفل الدائم والمستمر. أما هذه الرواية، هي رواية لرجل عادي، في عمر متوسط، بدخل متوسط، في حياة متوسطة الجودة (بمعاييره وآخرين وتعد عالية جداً بمعايير غيرهم) له مشاكله وأسراره وأحزانه الخاصة ومآسيه الصغيرة منها والكبيرة، ولكن له أيضاً حياته اليومية، التي يجعله طقس بسيط فيها كصنع إفطار ملكي، أو سماع حوار بين زوجته وبناته، أو التورط في جدال "ثقافي" مع أحد زملائه في العمل أو شراء كتاب بمجلدات يخزنه في مكتبته الخاصة، يجعله سعيداً بشكل لا يصدق! سعادة غامرة وحقيقة وهادئة لا يشوبها أي طيف حزن مهما مر! لكم تنقصنا كتابة جيدة لحياة تشبه حياتنا كهذه! أن نكون متورطين نعم، في تعاسة وقلق وكره للوجود نعم، لكن أن يكون لنا مسراتنا الصغيرة أيضاً وحياتنا العادية التي تستحق الاحتفاء، سواء خلت أو احتوت على منعطفات درامية تستحق الذكر، رواية تجعلك سعيداً وأنت تقرأ، لأن حواراتها وأحداثها وكل شيء فيها يبدو مألوفاً ولطيفاً على نحو غير مفهوم تماماً، ربما تحب الرياض منها أكثر، أو تكرهها أكثر، لكن الأكيد أنك ستستمتع بهذا المزيج شديد العذوبة بين اللغة والأسلوب والكتابة الجيدين، وستدهشك هذه الالتفاتات لأشياء لا يكتب الكثير عنها أحد، بداية عام قرائية موفقة، أحببتها وأرشحها جداً.
ثالث عمل اقراها لاحمد الحقيل هذي السنة و مثل المعتاد تجربة اديبة غامرة و ممتعة، اجد لذة بكل وصف و تعبير بكتبه، من الادباء الي يزرع فيك شعور ان نظرته للحياة متعمقة و متمعنة و المحصلة القراءة بخفة على كل فكرة تطرح، حلوه الرياض بوصفة، الفروقات بين الاجيال و المشاكل الوجودية، الوناسة و المتعة، توثيق لشخصية اهل نجد، قراءة و دراسة للحياة عمل رائع
قرأتها لأني شفت فادي حلم حمص يثني عليها بدون تحفظ، وهذه ربما أول مرة أراه يفعلها. كانت قراءة ممتعة جدًا كما قال، يكفي أن يقرأ الواحد قصة يتجول بطلها في شوارع الرياض ويسب الزحام ويسولف مع بنته عن والتر وايت.
صدقًا أظنُ أن هذا البرنامج سوف يضعني في قوائمهِ السوداء لو استرسلتُ في الكتابة عن أيامٍ وكتب؛ إذ أنني لو استرسلتُ لن أتوقف، لن أهدأ ولن أستريح، سوف أكتبُ بمقدارِ ما تمنيتُ لها أن تستمرَ دونَ صفحةٍ أخيرة، تلك التي ما إن بلغتها حتى قلتُ بصوتٍ مسموعٍ رغم أنني كنتُ في منطقةِ الانتظارِ لمكانٍ عامٍ ومُزدحِم: "ييه خصلتْ". باغتتني بنهايتها، اغتالتْ شيئًا من طمأنينتي بتلكَ النهاية، حاصرتني الوحدة لا أدري من أين، ولا أدري كيف جمعتْ نفسي، ووضعتْ حقيبتي على حضني، وأسندتُ يديَّ عليها، ومن ثم وضعتُ رأسي على يديَّ في محاولةٍ لاستيعابِ أنني وناصرٌ لم نعد سوية، ناصرٌ الذي ظننتهُ أنا، أحسستهُ أنا، لم يفصل بيننا سوى أنه ناصرٌ وأنا عبيرٌ وبضعةُ أشياءٍ أُخر، ناصرٌ الذي تقاطعتْ وإياهُ مشاعري شعور تلو الآخر حتى الشعورِ الأخير والكلمةِ الأخيرة واللحظة الأخيرة، ناصرٌ العاديُ الرتيبُ القريبُ الهينُ اللينُ الذي لايفتأُ يُحدثُ نفسهُ وتُحدثهُ نفسه، ناصرٌ الذي يتخيلُ أحداثًا أُخر من بعد "ماذا لو"، ناصرٌ الذي تُباركُ مشاعره الكلمات، يتابركُ حُزنهُ، حماسهُ، توقهُ وشوقهُ إذا ما كتب، ناصرٌ الذي لا يسألُ عندما تُخيفهُ الإجابه، ناصرٌ الذي يُدركُ أن لا قواسمَ مشتركةً وطيدةً بينهُ وبينَ أقربِ قريب، ناصر وناصر وناصر وناصر الذي أعلم أنه لن يبرحني لأيام وأيام.
وها أنا عبير أنقذتني أيامٌ وكتب لتُغرقني مرة أخرى، عبيرٌ التي أعدتْ القراءة ملاذًا وطوقًا ونجاة، نافذةً ومنفذًا وحياة، فتفلتتْ منها القراءة وتفلتتْ هي من القراءة من إن وقعتْ بعائلتها مُصيبةُ الموت، لم أتمكن من المضي مع كتابٍ لصفحته الأخيرة منذ زمنٍ بعيد، لم أنسى ولم أسلى ولم أضحك لسطرٍ منذ ٦ أشهر، ولكن ناصر سلاني ونساني قليلًا، قليلًا كافيًا لأبتسم لأضحك وأطلق العنان لأفكاري وخيالاتي ومشاعري وكل ما عهتهُ فيّ، لذتُ وتطوقتُ ونجوت، ومن ثم جاءتْ الصفحةُ الأخير بالكلمةِ الأخيرة في اللحظةِ الأخيرة؛ لأغرق من جديد، ولكنني أعلم أن النجاةَ ستكون أصعب هذه المرة؛ إذ أن أيامًا وكتب سوف تُنصِبُ نفسها حكمًا على من بعدها.
بقي أن أقول فخورة أنا بهذا العمل السعودي المُعاصر، لم أكن أعلم ولا أتخيل حتى أن هذه الروعة يمكن أن تُنسج مما هو مُعاصر؛ إذ أنني من عشاق القديم العتيد البعيد، كما أنني لم أكن أعلم ولا أتخيل حتى أن العادي الرتيب الهادئ فاتنٌ وآخاذٌ وباذخٌ إلى هذا الحد؛ إذ أن هناك من يجتهدُ لإقناعنا بغير ذلك.
أما الآن آن لي أن أعترف بلا خوفٍ من شروط المجتمعات الضمنية وغير المعلنة، أعترفُ بأنني عادية رتيبة ولا تنتابني أي طموحٍ لأن أكون غير ذلك.
ملاحظة: لو كنت مكان نورة لما أزعجني موضوع الرسائل ولتظاهرتُ بأنني لم أُصادفها أصلًا أو هكذا أظن.
ملاحظة أخرى: عسى أن يكون ناصرٌ ساس أموره مع نورة واستمر في رسائله التي لا تمتُ للخيانة بصلة ولا حتى تكاد أو هكذا أتمنى.
ملاحظة ثالثة: صدقًا لا أود لحديثي عن أيامٍ وكتب أن ينتهي؛ إذ أن نهايته تُؤَكِد على أننا انتهينا وهذا ما يُؤرِقُني حقًا، ولولا خوفي من أن يضعني هذا البرنامج في قوائمه السوداء لأسهبتُ واستطردتُ وأضفت.
يصعب عليّ تقييم الكتاب، كفتا السلبيات والإيجابيات تتراوحان، تغلب إحداهما الأخرى كل مرة.
أعجبني: عاديَّة الكتاب وبساطته (ذكرني برواية الحالة الحرجة)، فكرة أن يكون البطل قارئًا، اللغة البديعة والتشبيهات البارعة جدًا، جِدّة أفكار "المقالات" وعمقها وحلاوتها، التحليلات لواقع المجتمع الجديد.
لم يعجبني: تجاوز الكتاب لبعض الحدود شرعًا وأدبًا وذوقًا -وهذا ما ضايقني بشدّة وعكّر صفو قراءتي-، مثل المقطع الذي قال فيه: "لا بد أنه ظل يهوي في نومته متجاوزا حد الميتة الصغرى إلى الكبرى، ليستقبله الموت وهو لم يطلبه أصلا، لقد مات بالخطأ" (!!!!!!) كأن لا وجود لإله حكيم محيي ومميت!
ومما لم يعجبني أيضًا: الإفراط في العاديَّة والبساطة (ذكرتها إيجابية، لكنها هنا لإفراطها -بزيادة-)، وشخصية القارئ الذي يهدف بقراءته للمتعة فقط.
الخاتمة كانت كأنها في غير وقتها مبدئيًا، ثم أحببتها.
هكذا تكون الحياة مع روائع الكتب، ما إن نعيش بداخلها حتى تعيش في تفاصيل حياتنا. ويحاول المتربصون من أقارب وأعداء حقيقيين بنشر السموم في الابتعاد عنها. عن العالم الخيالي الذي تقدمه لنا الصفحات. وهذا ما فعله الكتاب الذي ما إن أرى كلمة الكتب، فكان الله في عون ميزانيتي المالية!
هنا يوميات قارئ مع مكتبته تتجسد على هيئة رواية تروي تفاصيل حياة شخصيتها في الرياض، ما بين روائع الكتب التي تتجسد في حياتنا لنتباهى بكل ما نحمله من اقتباسات ملهمة وتملكت تفاصيل حياتنا من أشعار وروايات وسير ملهمة. ولكن على الجانب الآخر هناك من يستغرب تواجد تلك المجلدات الضخمة من الكتب والتي تتمكن من غرفة المعيشة. وما أعجبني كذلك هو في ذكر التفاصيل عن حياة يومية عادية يفتن بها كل قارئ تهمه تلك التفاصيل. ولعل الجدير بالذكر ذلك هو أن الشخصية تحمل اهتماما في بداية الرواية بامتلاك الكتب المتنوعة.
لعل الأغرب في هذه الرواية هو في انتقاده لمقولة عباس العقاد بأن حياة واحدة لاتكفي، وكأن هذا النقد هو الذي يغير الوجهة في وجهة كل قارئ نهم. ولكن رغم ذلك ضحكت حد البكاء حينما جهزت شخصية الرواية ردها في مشهد من المشاهد عن تدهور الميزانية بعد شراء الكتب. لربما كان الأسلوب نوعا ما مقبولا رغم التفاصيل الجميلة. ولكن على كل كان الكتاب ممتعا، فقد أخذت ضالتي من استمتاع بين المجلدات من الكتب..
أتصور أحمد الحقيل وقد جلس أمامه دلة القهوة، أو ترمس الشاي أو "الشاهي" على قولته، وجلس يكتب بمزاج رائق هذا السِفْر -والسَفَر- الروائي اللطيف.
اسم الرواية معبر تمامًا عنها، تتنقل في كل فصل بين أيام البطل ناصر، العادي والذي يحب الهامش ويجد نفسه فيه -حسب تعبيره-، وبين في مكتبته مع تأملاته وخواطره.
رواية قصيرة، فيها ذكر الحياة، وأزماتها، والحب، والموت، والانبساط، والحزن. تتركك مبتسمًا ومستأنسًا، تمامًا كما أتصور أن كاتبها كان وهو يكتبها.
"الحياة تكمن في العادي، وأكثر العظيم - شخصا كان أم حدثا - هو نتيجة لسياق رتيب، متراكم، وبطيء غالبا. أم التجارب التي تلخص تلك النتائج الهائلة الحاسمة، والشخصيات التي تمثلها لتصل بنا إلى استنتاجات تضاهي الكون ضخامة؛ ليست سوى ذروة مختزله، معرضة للهشاشة، وربكة التأويل، وفتنة التعليب".
لا شيء يحدث على السطح بينما تجري كل الأحداث في الهامش، إنها مصافحة أولى لأعمال "أحمد الحقيل" أخوضها بعد أن قرأت مقاله للكاتب "عزيز محمد" صاحب رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" وهو أحد الكتاب السعوديين الجدد الذي أعشق كتاباتهم، جاء في المقاله على ترشيح "خمسة كتب سعودية" وقد كانت هذا الرواية من ضمن ترشيحاته. يقدم "الحقيل" في هذا العمل نموذجاً جديداً لشخصية "سعودية" هو رب أسرة أربعيني يدعى "ناصر" لا يوجد في حياته ما يثير الدهشة لكنه بحد ذاته مثيراً يشبه تلك الشخصيات التي تعيش على هامش الحياة وفي المشاهد الخلفية منها رغم أن هناك عدة نقاط مثيرة في تكوينته تكمن في التفاصيل، يسعى "الحقيل" من خلال ذلك إلى إبراز حضور ذلك النوع من الشخصيات التي تملأ هامش الحياة ونجد أشباهها في أبائنا وأقربائنا من رجال الأسرة والمجتمع، ما يميز "ناصر" فعلياً هو إمتلاكه لتلك المكتبة الضخمة في منزله، التي تحتوي على العديد من المؤلفات والمجلدات النادرة من تاريخ وأدب ومورث من مؤلفات الكُتاب العرب وغيرهم وهو بينما يخوض في روتين حياته يتوقف بين فصولها ليقرأ ويستزيد ويطلعنا على ما يقرأه في مكتبته بين كل حين وآخر.
تحمل الرواية في طياتها نوعاً من الحنين، ذلك الحنين المألوف لماضي يشبه حياتنا ومحيط أسرتنا كأفراد سعوديين، تلك العائلة التقليدية التي تخوض حياتها وكل أفرادها مُلتمين حول بعضهم البعض رغم أن هناك فروقات صعبة ومستحيلة في تركيبة كل فردٍ منهم وتفاصيل حياتهم الخاصة، حيث أن الرواية منغمسه في نقل صور حيه ومشاهد مختلفة من يوميات تلك الأسرة وعلى رأسها رب الأسرة "ناصر" لنجد في تلك الصور والمشاهد ملامح أليفة تشبه طابع الحياة التي أعيشها أنا أو عشتها فيما سبق داخل كنف أسرتي كما يعيشها كثر آخرين من الأسر المحلية في مجتمعنا.
يطغى الحضور المكاني على النص بكون العاصمة السعودية "الرياض" بشكلها المعاصر حاضنة لكل الأحداث والتفاصيل التي يعبر من خلالها "ناصر" وأفراد أسرته وأصدقائه وزملاء عمله، فهو يتنقل بين طرقات وأحياء "الرياض" التي تتخذ شكلاً جديداً ومعاصراً بمبانيها الشاهقة وطرقها السريعة الواسعة وواجهات المحال اللامعه وهو ينهي مهام عمله كمفتش في "وزارة العمل" أو مهامه كمعيل أسرة يبحث عن عامل ليقوم بأعمال "السباكة" في منزله وإعادة ترميم ركن ما من أركان المنزل أو شراء حوائج العائلة من مواد غذائية و مستلزمات وكماليات أخرى من محال البقاله المتوزعه في مناطق "الرياض" من الشرق إلى الغرب أو هو يقطع "الرياض" في طرقها السريعة الواسعة مسافراً إلى إحدى المدن الصغيرة المجاورة "للرياض" بحثاً عن متعة مؤقتة يقطع بها الوقت في ظهرية من ظهريات يوم السبت أو خروجه متنقلاً بين طرق وأحياء "الرياض" في عصرية خاملة بحثاً عن سلعة أو غاية يقضي من خلالها حاجته أو يتدبر أمراً ما يجعله يشعر بأنه يستغل وقته في شيءٍ نافع بدل تقضية وقته بدون فائدة تذكر داخل حدود مكتبته بحسب تعبير زوجته.
السرد في النص لطيف وناعم، لغة "الحقيل" لذيذة جداً ويأتي من خلالها بفلسفات عديدة حول مفاهيم الكتب والكتابة والأدب أو مفاهيم الحياة الكبرى كالموت والدين ومكانة الوالدين في حياة الفرد وذكريات الطفولة ومرادفاتها وسنوات النشأة وتجارب النضج والعيش في وسط محلي بحت وروتين العمل والأسرة وتجارب الحياة الصعبة على تعدد أشكالها، كل ذلك يأتي على لسان بطل روايته "ناصر" فيقطع بتلك الفلسفات والخواطر فصول يوميات "ناصر" وروتين حياته البسيط ليفضي لنا من داخل جدران مكتبته بتلك الفلسفات التي يستسقيها من تجاربه في الحياة أو مما يقرأه في فصول تلك الكتب التي تحيط به من كل جانب، وأنت كقارئ تتأمل بإعجاب وبلهفة كل تلك التأملات التي تأتي على لسان "ناصر" بتوقيع "الحقيل" وتعابيره ولغته العذبة وفلسفته السهله/الممتنعه، مما يضفي على النص رونقاً ذو جاذبية منقطعة النظير.
بين جدران مكتبته يفضي "ناصر" بما يجول في خاطره في مرحلة ما من فصول يومياته داخل رسائل يبعث بها إلى "رنا سويدي" وهي كاتبة من جنسية عربية تعرف عليها وأعجب بأسلوبها من خلال مقاله قرأها لها، فيبدأ بمراسلتها لتأخذ تلك العلاقة مسلكاً تعارفياً حتى تتجاوز ذلك لتصبح شكلاً من أشكال "الفضفضة" المتبادله، فيحكي لها عن طباعه وشخصيته ويخبرها بتجاربه وما يقرأه ويبث لها خبر فقدانه لوالدته ويصارحها بتحليله لطابع الموت وحقيقته الذي تغمد روح والدته وإختطفها من جانبه وعن شكل الحياة عقب مفارقته لها للأبد، فتتخذ "رنا" داخل تلك الرسائل دور المعالجة النفسية الذي يفضي لها بكل مشاكله وأفكاره سعياً منه لإيجاد حلول أو تفسيرات منطقية لما يجري له وما يعتريه من مشاعر وأفكار أو لتلك الدوافع التي تحيط به من كل جانب وتتلبس روتين حياته بشكلٍ أو بأخر.
تدور حياة "ناصر" بين أفراد أسرته وعمله وجلساته وسمراته في "الإستراحة" مع أصحابه، بينما هواياته لا تتجاوز حدود القراءة في مكتبته أو مشاهدة مباريات كرة القدم أو المسلسلات الأجنبية على خدمات البث المرئي كـ "نتفليكس" وغيرها، إنه في تكوينته تقليدي إلى أبعد مدى، يشبه في ذلك كياناً مألوفاً تصادفه في حياتك اليومية ومحيط أسرتك وعملك والشارع لذلك تحاول أن تنظر بعمق إلى تفاصيله لتكتشف تلك السمات التي تميزه عن غيره من أفراد بيئته ومجتمعه، فالإنسان في النهاية ليس سوى نتاج مجتمعه مع فروقات بسيطة وكذلك هو "ناصر" الأربعيني التقليدي المعاصر في بعض طباعه وتفاصيل تركيبته الوجودية.
ممتن جداً لـ "عزيز محمد" الذي عرفني على "الحقيل" من خلال ترشيحه لهذا العمل في المقاله التي تطرقت إليها في بداية مراجعتي هذة، فقد كان "الحقيل" بلغته وفلسفته وطريقته المبتكره واللطيفة في السرد مفاجأة لذيذة مضى وقت طويل منذ أن صادفت مثلها خصوصاً على صعيد الكُتاب المحليين والأعمال الجديدة ذات الصبغة "السعودية"، الأمر الذي سيدفعني إلى إقتناء بقية مؤلفاته والخوض فيها وقرائتها، فقد كانت هذة القراءة محفزاً قوياً للتعرف أكثر على "الحقيل" ومؤلفاته الأخرى، فهو يكتب بطريقة رغم أنها منغمسة بالطابع التقليدي وتشبه شكل الحياة البسيطة في البيئة المحلية إلا أنها تحمل سمات جديدة ومبتكره تجعلك تخوض داخل فصول نصوصه وأنت مستمتع بمسار السرد وطريقته وشكله الفريد من نوعه، لقد كانت قراءة ممتعة بحق.
علاقتي مع الكتاب بدأت قبل قراءته، من اللحظة الأولى التي رأيت صورة الغلاف مدرجةً مع ريڤيو بتويتر تعلّقت به، لعدة أسباب: الأول: أن الغلاف يوّحي بمتعة ثقافية مغلفة بعادية مرء سعودي نجدي، وأنا أحب كل ما هو ذلك. الثاني: اسم أحمد الحقيل، معرفتي بالحقيل عن طريق تويتر تغريدات فقط واقتباسات كنت أظنها من مقالات فقط، أحب اسلوبه أجد فيه خفة طينة وثقافة سهلة وصول للمتلقي لا تسبب إجهادًا عقليًا لفهمها.
ننتقل الآن للكتاب، في منتصفه أدركت بأنه يشابهني لا ناصر بالتحديد بس الكتاب بصورة كاملة، الأحداث المواقف غالبية الأفكار حتى التناقضات، عمومًا الكتاب أخذ مني جلستين فقط لإنهائه وهذا ما هو متوقع فبغض النظر عن كون صفحاته قليلة ٢٠٠ صفحة اسلوب الحقيل آخاذ يجرك بصفحة تلو أخرى، أُخذت بكل الأقسام لا الأقسام الروتينية داخل حياة ناصر "الروتينية" قليلة المواقف كثيرة الأفكار الداخلية، أُخذت برسم الشخصيات بدأت تتشكل لي صورة شبه واضحة عن عائلة ناصر، صحيح أن المشاهد حولهم قليلة ولكن الحقيل أبدع في رسمهم من خلال الحوارات فقط. أما قسم المكتبة فكان أخاذًا، عالم ناصر الفرداني المتشعب المتنوع رائع بكل ما تعنيه الكلمة، وإضافة صديقة الرسائل رنا ورسائل ناصر المحبوكة كانت جميلة.
ولكنني انزعجت من النهاية فهي نهاية شبه مفتوحة، ماذا حدث حينما دخل ناصر المكتبة؟ اأنتحر أم كتب رسالة لرنا أم بدأ يحادث نفسه وأفكاره بعد مهاجمة نورة العنيفة عليه؟ ليتخذ موقفًا أكثر "رجولة"؟
مجموعة قصصية لحياة شخص واحد ناصر الموظف الحكومي العادي ، أحب استخدام اللهجة الدارجة في الأدب تُعطي حميمية دافئة لكن كان من المزعج استخدامها بشكلٍ مفرط في السرد وربما فضلت أن ينحصر استخدامه لها في الحوارات فقط ..
أمضيت الليالي الاخيرة من ديسمبر 2021 🌦 مع كتاب (أيام وكتب)
رواية لا تشبه غيرها من الروايات رواية احتفاء بالعادية ✨ عن شخص عادي وعن أيامه العادية بين عائلته الصغيرة ومكتبته، ونظرته للأمور التي تبدو غير عادية لمعظم البشر كالسعادة والحزن والأدب الصعب عن الوجودية عن الموت ولماذا ينتحر الانسان ؟
كتب أحمد الحقيل الكثير من التفاصيل اليومية الصغيرة بأوصاف بديعة .. عن طعم الشاي وسندويشة البيض عن صباحات العطلة الأسبوعية عن وجه أمه في مخيلته عن رعشة اليد عن المتوقع والاعتيادي
ووسط هذه العادية غاص في العمق، وبدا أنه مهتما بمراقبة سير الحياة بساعاتها الرتيبة البطيئة والتفتيش عن أسرارها كشخص عادي لا أكثر وهو ما أضفى جمالية إلى معاني الأشياء التي تلاشت؛ لشدة قربها منا الى حد التورط في اللامعنى
كتب قصصا من كتب قرأها، وسرد أحاديثه العابرة مع أصدقائه وأهله بكلمات عامية سهلة. تساءل. عبر عن بعض آلامه وحكى عن أشياء يحبها.
استمتعت بقراءة الرواية، وكان قرارا صائبا أن يكون هو الكتاب المرافق لي في السفر ✈️
اقتباسات:
🌿 حينما يدخل المكتبة أخيرا يكون قد شبع بكل حواسه وانتقم من صباحات أيام العمل بنقيضها التام
🌿 لديه الكثير من الأشياء التي يمتن لتوفرها في حياته ولكن لا شيء يعدل امتنانه للبيت الذي يملكه
🌿 لماذا يجب على الأدب/ الفن أن يتعالى دائما على الحياة أن يكون أكبر منها ضخما أن يرسخ نخبة لغتها ويستعرض النادر والمعقد
العادي هو الاستثنائي الجديد. هناك موجة متجددة من الأدب المتجه لمراقبة الهامش والاحتفاء بالعادي. لا يجب أن يكون البطل مغوارًا ومغامرًا، يكفي أن يكون انطوائيًا منكفئًا على كتبه، يعيش مغامرة مبتورة السياق ويكتفي بها لتبديد ملل أيامه، حتى أنه لا يشعر بالملل ويقدّر الروتين والتكرار فوق كل شيء. رأيت هذا المنظور في أعمال أحمد الحقيل ومحمد المطرفي، ومازلت في طور الاطلاع على الأعمال المشابهة، ويعجبني هذا التغيير. كل شيء ممكن أن يكون قصة، كل قصة هي عبارة عن قصص قصيرة متلاصقة تشكّل ما يمكن أن يُقال عنه حياة. في البداية توقعت "أيام وكتب" أن يكون كتاب مراجعات، خاصة بفصول المكتبة المتداخلة مع السرد. والحقيقة أن الكتاب فاق توقعاتي، دسم رغم قصره، دلالاته عميقة رغم بساطتها. عرفت شخصية ناصر من الخارج والداخل، ضحكت معه، وتحشرج حلقي في مواقفه الصعبة و رقّ قلبي له في تلعثمه فيها. ناصر هو امتداد الشخصية العادية لكل شخص فينا، ونحن لسنا عاديين كثيرًا كما نظن.
تستنتج بعد أن تنهي فصلين وأكثر أن هذه القصة حقيقةً قصة أيام وكتب، بكل أضدادها. كون واسع جدًا من التأملات والفلسفات الممتدة على مدى لا يمكن لك أن تستطلعه متلبسًا عاديّة شخص مستقر بعائلته الصغيرة. كل شيء في هذه الأيام مدعاة للتأمل المساق لحالات استغراب ولحظات بلوغ جذر حقيقة كانت مغموسة والتقطها اللحظة بكلبشاتها من الأعماق، وتدرك أن الحياة ماعادت على حطّة يدينك، سريعة، قابلة للمسائلة وعليها ولها من المآخذ لا طاقة للفِكر استيعابه. سيحتال عليك الحقيل ويعطيك الوجه العادي من القصة، وتغتر أن ما تقرأ قصة عادية بروتين شخصية “سادة” مملة لا تعتقد أنها ستصنع لها خيط يربط نفسها بكتاب تتذكره لفترة طويلة، إلى أن يدخل مكتبته ويبهرك باللاعادية في ما يعترك بداخل ذهنه. آلفت الحوار رغم بساطته لأسباب أنا أعتقد أنها نفس أسباب ناصر اقتصادًا بالحديث لكن أنكر ذلك رافعة الكتفين في عدم اهتمام مصطنع.
"فالكتابة نبشٌ في الذات يبرز شياطينك ويشحذ سكاكينك ويعمق شكواك ويهوي بك إلى حيث يعتم البصر وتقدح البصيرة."
رواية أو قصة طويلة متفرعة. عاديتها تضفي مسحة مميزة وجميلة على الرواية. تنجزها وأنت تسمع صوت أحمد ولهجة أهل الرياض. تتصبب عرقًا معهم، وتحتسي الشاي الساعة الثانية ظهرا بشكل طبيعي وتفكر في ناصر وعاديته.
لوقت طويل كنت أتجنب المجموعات القصصية لشعوري بأنها مبتورة الإحساس أو الأثر. ولكن مع أول مجموعة قصصية اقرأها لأحمد الحقيل أدين لهذا الفن بالاعتذار، فهذه المجموعة عظيمة جدا ومع كل قصة كان لي موقف وإحساس بين ضحكة مسموعة أو محاولة كبت الحزن. يستحق جدا القراءة شكرا أحمد 💫
بعد أن قرأت (طرق ومدن) وهذا الكتاب الثاني الذي أقرأه لأحمد الحقيل ، ولأني من نفس البيئة التي تدور فيها أحداث الروايتين ، أستطيع أن أقول أن أحمد الحقيل "يُخلدنا" ويخلد حياتنا العادية ويخلد بيئتنا في ثنايا كتبه وبين سطور رواياته
في "بيت" انتقدت كثرة استخدام العامية. لكن يبدو أن الحقيل يستخدم قاموسه الخاص. كذلك أفكاره التي بثها كلما ذهب ناصر إلى المكتبة. يوميات قد تبدو عادية. لكن يشعر القارئ أنه بين ثناياها. وهذا ما أحببته في ثاني عمل أقرأه للحقيل. بالإضافة إلى المباشرة والواقعية
عن أيام وكتب ناصر، وهو أب أربعيني له ثلاثة أبناء، مستقر في زواجه التقليدي ووظيفته الحكومية، تقلقه السعادة وهموم الشباب وجديّتهم في الحياة، وإن كانت شخصيته خيالية إلا أنه قد يكون الأربعيني الأول الذي ينظر لشباب اليوم نظرة من يعظم بشأن أمرهم بدلًا من استصغارهم والسخرية منهم.
طوال الرواية ناصر يريد أن يخبر القارئ -دفاعا عن نفسه- أن العظمة تكمن في العادية، أنه هو القارئ المثقف، العادّي جدًا، عظيم، لعل الكاتب ركب موجة تبجيل العاديّة، لكن من ناصر، بدى وكأنه يطمح سرًا أن يكون استثنائي.
لا أقول أن لي إطلاع كثيف على الأدب السعودي، لكن مدينة الرياض بتغيراتها وتقلباتها، وسكانها وأحيائها، تطوي قصص لا نهائية بحاجة لأن تروى وأن تخلد في أعمال أدبية، وأدت الغرض هذه الرواية، فقصت عن مواقف وحكايات أهلها بلهجتهم ولسانهم، الرياض عجيبة عجيبة.
في بداية الرواية بدى ناصر لي مسالمًا، ولأن شخصيته قريبة جدًا من المجتمع، كان شبيهًا بخالي الأصغر، خالي بريئ، لا يعرف من النساء إلا أخواته وزوجته، يقطب حاجبيه كلما خاطب أبناء إخوته الشباب محاولًا فهمنا لكن شيء ما يعيقه، ورغم أنه يفتقر إلى فكاهة ناصر، إلا أن لا تتوقع منهم مراسلة صديقة.. بالخفية، وإضافة رنا في أخذت الرواية في منعطف آخر، وغيرت نظرتي لناصر المسالم، مافعله قد يبدو في ظاهره طيب النية ولا يمكن أن يتعدى كونها رسائل بينهما، لكن أن يفصح عن دواخله والآمه، لإمراة دون زوجته، وبالخفية، مخيب للآمال، لو كنت نورة لخاب ظني، لم أصر على اعتبارها عذر؟ لا أعلم.
ذكرتني الرواية برواية الحالة الحرجة للمدعو ك، كلاهما قراء، ساخران وساخطان.
لغة أحمد نافذة، تتسلل لذهنك وتجرفك معها، فتنغمس بالقراءة دون وعي منك.