يا قادمين من الأحلام لا تَلِجُوا بوابة الأرض، إنَّ الناس قد جَمعُوا مُرُّوا إلى غدكم من غير كوكبنا ولا تكونوا كمن في الفخّ قد وقعوا
مختارات شعرية من أعمال ياسر الأطرش، شاعر سوري من مواليد سراقب 1973، صدرت له 10 مجموعات شعرية، آخرها "في هجاء البلاد" عام 2019، و"إني قليل فكوني كثيري" عام 2016.نال عدّة جوائز أدبية، من بينها جائزة أثير للشعر العربي في سلطنة عُمان عام 2016، وجائزة د. سعاد الصباح للإبداع الأدبي في الكويت عام 1995. شارك في عام 2007 ببرنامج أمير الشعراء وتأهّل إلى مرحلة النهائيات. عمل في الإعلام المكتوب والمرئي، مُعدًّا ومقدّمًا للبرامج الثقافية.
هذه المختارات الرقيقة أمضيت معها أمسيتي البارحة، وقد كتبها الشاعر ياسر الأطرش في اوقات متباينة، بأماكن مختلفة، مدرجًا إياها تحت سبعة عناوين: في هجاء البلاد، وإني قليل فكوني كثيري، قاموس الضوء، أنا إنسان، كلا، وقلبي رغيف دم مستدير، بين السر وما يخفى، من القش حتى سقوط الحمام، قش ضفائرها بعشك
المعري والوطن حاضران بعذوبة جليّة، المطر والليل، حتى الأرصفة .. كتاب يوازن تذبذب الروح، يبهجها، يوحي للعقل والقلب أن الخراب لحظة تنقضي.
▪️سنحب مادمنا نعيش، ونعيش مادمنا نحب.. سنظل نكتب فوق أسوار الحياة لنا إلى أيامنا الخضراء درب .. ونظل نزرع في حقول اليأس أرجلنا لتنبت تحت أرجلنا مسافات وعشب.. ونظل نرسم ضحكة الاطفال .. حتى يضحك الاطفال نستجدي العواصم والقرى حتى يصير لكل عاصمة مكان حجارة الطرقات قلب .. سنحب مادمنا نعيش ونعيش مادمنا نحب ونظل نحمل في رحيل البحر أشواق الرجوع إلى المكان و نظل نحلم باليمام يحط فوق بكائنا الصيفي .. يتسع القمر قد تُقتل الأشجار ، لكن الولادة ممكنة لو من حجر..
"ونعيش مادمنا نحب" للشاعر السوري ياسر الأطرش.. كتاب لطيف..
مختارات شعرية من كتابه : فمهما كتمنا الحلم، لا شك أنه سيأتي نهارٌ يفضح الحلم أمرنا فلا تتركي للوقت وقتاً لقتلنا *** النازفون تراث الماء، كم عطشت وجوههم.. ثم لم يغنِ الذي رضعوا صدر الغريبة موقوت، وهل لبنٌ مافيه طعم حنان أهلهُ شبعوا؟ *** كم فلذة ألقيت في اليم مارجعت *** لا تؤوِ في غيبك المفتوح أسئلة مفتاحها الشك.. ليس الشك ينقشع *** نصف شجاع ونصف خائر هلع بعضي ينام وبعضي ساهر ولع فُرّقتُ حتى كأني لم أعد أحداً بل واحدين بجسم واحدٍ قُمِعوا حاولتُ أُصلح ذات البين فانفرطت مني جيوش.. وننها أُفرِدت شِيَعُ ***
حِرفتي البحث عن بريقٍ تخفى في سديم الكلامِ.. يلغز نطقا *** أنا في الحب شيء ليس يُحصى وحدِّي.. أنني أجتاز حدي *** أنا رأس ما لي فقدتُ الكثير من الأغنيات على درب حزني الطويل *** فإن يسلك الناس درب الجواب فإني اعتصمت بحبل السؤالِ *** يا كل منسدل في الغيب من وجع لا تهبطن على أشلاء مسكين خلّ السعادة للأطفال تغمرهم وازرع بحقل عيوني كل سكين أنا المدجج بالجنات، أزرعها حتى تقوم قلوب كالبساتين امتص كل خطايا الخلق في رئتي وأزفر الحب ممزوجا بنسرين وإذ أرى طفلة في الصين حافية يحفى فؤادي، كأني والد الصينِ *** يا قاتل الروح لو أدركتَ ما فعلتْ عيناك بالروح لم تسجد ولم تصمِ *** وإني بصير بما يعملون ولكنني عندما كنت أبني المحبة كانوا هنا.. يصنعون السجون *** تعبنا من الأمنياتِ القصارِ ومن خوفنا من ظلام الشجونِ تعبنا.. وآن لنا أن ننام كما المتنبي ملء الجفون وآن لنا أن نعود صغارا *** أنا كنت طفلا.. ولكن نسيتُ قبيل الولادة طور الجنينِ وضيّعني إخوتي في الحكايا أنا يوسف الجب من يشتريتي أنا لم تلدني الأمومة طفلا ولم يغمر الدفء حلوى جبيني *** فمن يُسلم، فإن الله يعفو ومن يَظلم، فإن السعي خابا *** ويعرف أهلي أنني إذ جرحتهم فإني جرحتُ الليل كي أطلع الفجر *** فما خُلقت كفاي إلا لأفتدي بيمناي أمي.. والخليقة باليسرى *** ولا تكفي الظلال لنستريح *** ومن قميصٍ جاء إخوته عليه دما كذِب هي سوف تعرفهم ولو جاؤوا أباهم يمكرون *** كل الذين جمعتهم حولي على حُب الرصيف تفرقوا *** تنكر المرأة البغاء ولكن ليس بالوسع أن تكذِّب حملاً *** كأنك في كتاب الدهر عامٌ وكل الآخرين.. به فصول *** ندور إذا الدوائر غالبات وإن هُزِم المربع.. نستطيل هربنا من تراكمنا.. فصارت بيوت الذات يسكنها البديل *** فموتك قد تعيش به حياة وعيشك قد يموت به النخيل *** سنحب ما دمنا نعيش، ونعيش ما دمنا نحب *** لكنّ لون البوح في عينيكِ منكسرٌ صموت *** كل شيء نام.. إلا أنه لا شيء نام *** وهذا الوقوف على باب حزنٍ قديم.. يطول ويطفئ في الروح قنديل ذكرى ويوقد سربا من الخوف *** وما نحن إلا نتاج انكسارات ذاك المسار *** من يحميني من ذاكرتي *** هل يغرق الربان يا أبتي؟! *** أغلقت أمي نوافذها فضعتُ
قصائد عن الحبيبة والوطن، الليل والخوف، البرد والجوع، والمعري طبعًا. قصائد احتوتني، بل احتوت الإنسان كاملًا بقوته وضعفه، بكبريائه وإذعانه، بسخطه ورضاه، بشقائه وصبره. يصور الشاعر تعب الإنسان من نفسه وتناقضه والقلق الذي يفتك به:"نصفٌ شجاعٌ ونصفٌ خائرٌ هَلِعُ* بعضي ينامُ وبعضي ساهرٌ وَلِعُ" ثم يذكّرنا -كما يذكّر نفسه- مواساةً وإشفاقًا:"نعضُّ على مواجعنا بصمتٍ*ونزعم أنه صبرٌ جميل"
يتساءل الشاعر:"ماذا سنكتب كي نقول الخوفَ هل لغةٌ هناك وهل لمسفوحٍ وعاء.." لا أفكر في الإجابة، أو ربما أفعل، لكني أخفق. ترعبني فكرة أن "نقول الخوف" ونشعر به في آنٍ واحد، يكفي الإنسان أن يختبر أحدهما، إما القول أو الشعور.. ماذا لو خيّرت بينهما؟ سأختار -على مضضٍ- الشعور عوضًا عن القول؛ لأن اللغة ندية، رقيقة وشفافة، يعز عليّ جرحها، ولأن أحمد بخيت يقول:"نحن اقترحنا الأبجدية بلسمًا" وليس ذلك مجرد اقتراح، إنما هي حقيقة اللغة.