نقدم لأبناء مصر من الباحثين والمهتمين بتاريخ بلادهم، وغيرهم من الباحثين كتاب (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)، للمؤرخ الكبير عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، والذي يعد مصدراً من المصادر الوثائقية الهامة، التي رصدت تاريخ فترة تزيد على السنوات الثلاث قليلاً، من تاريخ مصر، كانت منحنى تحول من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر (1798-1801م)، وبقدر ما كانت فترة الإحتلال الفرنسى تلك، قاسية وشديدة على أجدادنا الذين عاشوها، وقاوموا ظلمها وقسوتها، فقد كانت لهم في نفس الوقت صدمة حضارية قوية، أثرت فيهم، وتركت أثارها على مصر ومجتمعها في الفترات اللاحقة.
عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي (ولد في القاهرة عام 1756 - وتوفي في القاهرة عام 1825). و هو مؤرخ مصري عاصر الحملة الفرنسية على مصر ووصف تلك الفترة بالتفصيل في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» والمعروف اختصاراً بـ«تاريخ الجبرتي» والذي يعد مرجعاً أساسياً لتلك الفترة الهامة من الحملة الفرنسية. قدم أبو جده من قرية جبرت - والّتي تقع الآن في أرتيريا - إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، واستقر بها.
دفع الجبرتي الاشتغال بكتابة تاريخه أن وقف موقف المعارضة لحكم محمد علي باشا منذ بداية حكمه لمصر وانشقاقه على الدولة العثمانية. وظل سنوات يترقب ما ستؤول إليه الأحداث في عهد هذا الرجل وكان خلال ذلك يرصد كل شيء، ويدوّن الحوادث والمتفرقات، ويسند كل ما يقول ويدون إلى مصدر ثقة أو شاهد عيان سماع عاصر الحدث أو سمع عنه. وكان يحرص أن يعاين الأحداث العامة بنفسه ليتوخى الصدق ويتجنب نقل الأخبار الكاذبة، لقد تعرّض الجبرتي في سياق ذلك لكل شيء، فقد ذكر الأحوال الاقتصادية من زراعة وتجارة وفلاحة، وإلى أنواع النقود المتداولة في الدولة وإلى الأسعار وأنواع المقايضات التي كانت تحكم العلاقات التجارية. وتعرض إلى الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من أحوال شخصية وعادات أسرية وقيم سائدة في المجتمع آنذاك. كما تعرض إلى الحياة الدينية والثقافية وأخبار الأدباء والعلماء المشهورين والمشايخ البارزين.
الجبرتي و مصر الموكوسة المنكوبة بالاحتلال شاهد علي عصر الانكسار والذل جرائم الفرنسيين في حق الشعب و في حق الدين و في حق الآثار جرائم سقطت بالتقادم جرائم سقطت بإسم التنوير يعج الكتاب بالدم و رائحته في ايام قاسية عاشها اهل مصر
مجهود كبير قام به المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في تأريخ فترة الحملة الفرنسية على مصر، بتفاصيل مقسمة على أشهر تلك الفترة العصيبة، وامتلأت السطور بتفاصيل الظلم والاستبداد والدم والنهب وغيرها.. فلقد درسنا من قبل مساوئ الاحتلال و"بعض" المميزات العلمية من تلك الفترة، لكن تفاصيلها هنا أسوأ وأسوأ.
وما يزيد الأمر سوءًا هو خطابات بونابرت ومن تبعوه وتولوا أمور الحملة في مصر.. تلك الخطابات المليئة بالتبجح والادعاء والغياب عن الواقع في أنهم جاؤوا للمساعدة والتنوير والإنقاذ، وأن كل ما يفعلونه هو من مصلحة هذا البلد، حتى الخطابات النهائية كانت بها هذه الجمل المستفزة البعيدة عن الواقع!
كما ذكر الكتاب معاناة المصريين -ليس فقط من الفرنسيين- بل من الجنسيات الأخرى المقيمة بمصر، وكذلك المعاناة الشديدة من قطاع الطريق من الأعراب، الذين ينهبون ويعتدون ويقتلون، وجاء في وصفهم في الصفحة رقم (195): أشرار الأعراب؛ الذين هم أقبح الأجناس، وأعظم بلاء محيط بالناس".
الكتاب مفيد جدًا في استكشاف وعيش تلك الفترة، التي قرب انتهاء الكتاب ومغادرة الحملة لمصر تشعر وكأنها انتهاء عصر كامل من الاحتلال استمر لعقود وليس لثلاث سنوات فقط!.. ربما ما أثر سلبيًا على تجربة قراءتي هو مبالغات الكاتب في الذم والمدح، لكن بغير ذلك فهي تجربة مثرية ومفيدة جدًا، وفي نهاية الكتاب يوجد فهرس للأسماء والأماكن والصفحات المذكورة بها.