”أخافُ أن أؤجلَ ما سأقولهُ ثمّ أموتُ فلا أقولهُ/ لكنّني إن قلتُه فسأخافُ أكثرَ لأنه لا يستحقُّ.“
جعلني أتساءل لِمَ أقرأ الشعر، وما الذي أبحث عنه — في عقليّ اللاواعي — وانتظر قدومه كلما بدأتُ مجموعةً شعرية، لم أجد إجابة وافيّة بعد، لكنني أظن أن أقرب مثال، من هذا الكتاب، على ما أحبّه في الشعر هو قصيدة "من يزرع الشجرة/يقتلعها". جعلني أتساءل أيضًا، لِمَ يكتب "مهدي محسن" الشعر؟ فأنا لست قادرة على وضعه في تصنيفٍ معين مما قرأت سابقًا من أصناف الشعر، يبدو لي أن أشعاره غالبًا لتصوير مشهدٍ ما، سواءً تفاعل معه هو نفسه أم لمجرد كتابته، اظهار قدرته، وتدريب أنامله— السبب الثاني هو أكثر ما أحسست به أثناء قراءتي هذه، ولا أظنني أبحث عن ذلك في قراءاتي الشعرية.
أفخرُ بأنّ مراجعتي هي الأولى لهذا الغصن الشعريّ المُورق.
أنا والشاعر مهدي من نفس المدينة، وخُيّل لي بأنّ جميع شعره في هذا الكتاب قريب منّي، وأستطيع لمسه بسهولة. التقاطاته القصيرة والطويلة بديعة وتحمل في طيّاتها شاعرًا ذا إحساسٍ مُدهش. أعجبتني الكثير من القصائد، ومنها فاتحة الكتاب «مرايا الجدّات» و«سيرة حصاة» و«تتدلى الرقاب» و«قاتل»، وأخيرًا «من يزرع الشجرة، يقتلعها». أظن أن الأخيرة ينتشر فيها مهدي بكل نضارته الشعريّة ويكتب نصًّا يمكن لجميع القراء أن يجدوا أنفسهم في ثناياه.
أحب البكاء في شعر مهدي؛ إذ يقول: «أبكِي لأجلنا، أنا الميّتُ والباكي»
ويقول: «لم يُبكني شيءٌ حتى الآن تحجرتُ مذ حُرمتُ النهد مذ طُردتُ من سريرِ أمّي مذ أُرسلتُ إلى المدرسة مذ خرجتُ إلى العالم باعتني أمي لقذارةِ الحياة تُركتُ على مائدة الوحوش كل يوم يطردني أحدهم من جنّته»
عالقانِ في هذه الظُلمة. مستسلمةٌ وسعيدةٌ. مستسلمةٌ كطفلةٍ لا تفهمُ ما خطأها لكنّها تعتذرُ. / أخافُ أن أؤجلَ ما سأقولهُ ثمّ أموتُ فلا أقولهُ/ لكنّني إن قلتُه فسأخافُ أكثرَ لأنه لا يستحقُّ / أحببته النصوص النثرية به ثرية جدًا وجميلة
"أشتهي أن يعودَ بيتُ الرمال الذي بنيتُهُ على البحر أن أستعيدَ دفاتر الأطفالِ من تحت الأنقاض أن أكونَ الشبحَ اللطيف مع الأطفالِ الغرقَى الذي يُسلّيهم تحتَ الأنقاض أو يُهدّئ من روعِهم على الأقلّ."
الشعر لغة . والشعر أن تشعر بتورطك في مأزق وجودي لا تستطيع تجاوزه أو الخروج منه وإلا لن تنجز القصيدة ولن تتعرف ملامح الشعر . اقرأوا هذا العمل أنه مالنخوليا أو كآبة المقاومة.