منذ اتصال الفكر العربي/ الإسلامي المعاصر بالفكر الغربي وباتت إشكالية " النهضة " هي المحور الذي يشغل هذا الفكر ، وأصبحت العلمانية الشراع الذي يحمل النهضة الغربية لتطبيقها في البلاد الإسلامية عند أولئك المبهوريين بتلك النهضة ، وفي تلك الفترة كان الخطاب العلماني – النهضوي يمارس النقد على التراث لكنه كان نقداً من خارج التراث ، مثل كتابات ( سلامة موسى ) أو ( شبلي شميل ) وغيرهم من الذين كان لهم موقف عدائي من التراث ومن الهوية الإسلامية ، وهذا النوع من النقد العلماني للتراث جملة وتفصيلاً ودعوات نبذه وإلقاءه في سلة المهملات يمثل نوعاً من الاستهجان عند قطاع كبير من المثقفين الذين لم يُصابوا بفيرس الانبهار بالحضارة الغربية ، وهذه المرحلة يمكن تسميتها " ما قبل الحداثة " ، أما مرحلة الحداثة نفسها ، كان الخطاب الحداثي يمارس نقد التراث من داخله ، والخطاب الحداثي ينتمي إلى التيار العلماني من حيث الأسس الفلسفية ، وهذا ما أعُدَّه أشد خطوره من مرحلة الخطاب العلماني – النهضوي ، لأن هذا الخطاب الحداثي يريد تدمير عائق التراث أمام الحداثة وذلك بفرض الأدوات المعرفية للحداثة وهيمنتها على التراث وأدواته .
هناك تيار في العالم العربي ينتمي إلى الفكر الحداثي ، وهو الصوت البارز الذي يمثل التيار العلماني القائم اليوم ، هذه الظاهرة بشكل عام هي ما يرصدها الكاتب البارع الأستاذ إبراهيم السكران في كتابه الممتع ( التأويل الحداثي للتراث / التقنيات والاستمدادات) حيث يعمل على دراسة مشروعات التأويل الحداثي للتراث من خلال البحث عن العلاقة بين هذا التأويل والاستشراق الفيلولوجي ، ليظهر بعدها سؤال : من أين أتى الحداثيون العرب بالمادة الخام اللازمة لقراءة التراث ؟ لاسيما أنه وفق قول المؤلف : ( ليس فيهم شخص واحد متخصص في قراءة وتحقيق النصوص التراثية أو الانكباب على دراستها منهجياً ) [ ص/11] ، وهو كلام سليم تماماً يكفى فيه نظرة إلى حال الحداثين العرب ومستوى ثقافتهم التراثية حتى يتضح لنا حقيقة ذلك ، ثم يضع الكاتب الجواب عن هذا السؤال بأن مشروعات التأويل الحداثي استمدت مادتها وتحليلاتها الأساسية من أعمال المستشرقين وخصوصاً الاستشراق الفيلولوجي ، وهو الاستشراق المهتم بدراسة التحليل الثقافي للنصوص اللغوية المبكرة ، فالاستشراق يدرس مستويين : ( النص ) و ( التاريخ ) .
يسرد المؤلف نماذج لهؤلاء الحداثيين العرب العالة فكراً على الاستشراق الفيلولوجي ؛ فيتكلم عن أولهم وهو ( جورجي زيدان) وهو كما وصفه المؤلف ( كان له نهم كبير في مطالعة البحوث الإستشراقية وخبرة عالية بها) [ ص/39] ، وله كتابان يمثلان هذا التوجه الحداثي في صورته الفيلولوجية وهما ( تاريخ التمدن الإسلامي ) و ( تاريخ أداب اللغة العربية ) ، وجورجي زيدان نفسه لا يخفى أنه يأخذ مادته من المستشرقين ، كما أن كتاباته كانت مصدر ثناء من المستشرقين المتطرفين أمثال ( جولد زيهر ) و ( مرجليوث ) .
ومن هؤلاء الحداثيين أيضاً ( أحمد أمين) الذي كتب سلسلته المشهوره ( فجر الإسلام) و ( ضحى الإسلام) و ( ظهر الإسلام) ، وهذه السلسلة لأحمد أمين كادت أن تكون رائعة لولا أنه كان ووفق تعبير السكران ( مهزوماً أمام تحليلات المستشرقين ، مذعناً لطعونهم في العلوم الإسلامية وخصوصاً السنة النبوية ) [ ص/ 43] ، وهذا الكلام حقيقي تماماً ، وأنت لن تكتشف مدى صوابية كلام السكران إلا لو كان لك فعلاً قراءات في كتابات المستشرقين ، فستجد أن كتابات أحمد أمين كانت عالة عليهم ، بل ( أحمد أمين ) لا يتسم بالأمانة العلمية إطلاقاً ، فهو قد نصح مرة صديق له قد ثار عليه طلاب الأزهر بسبب طعنه في الإمام الزهري ، فقال : ( فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة ، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك ، وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم ) ، وهذه هي أمانة ( أحمد أمين ) الفكرية !! .
سيعرض إبراهيم السكران لنماذج أخرى لممثلي التيار الحداثي العربي من أمثال ( أدونيس ) , ( حسين مروة) , (حسن حنفي ) ، ( محمد عابد الجابري )و ( نصر حامد أبو زيد) بشكل فيه استطراد نوعاً ما ، وهؤلاء كلهم هم الذين حملوا على عاتقهم تحديث الإسلام وفق الرؤية الغربية الاستشراقية ، وهم قد تعاموا مع نصوص التراث وفق تقنيتين يرصدهما المؤلف في براعة وهما تقنيتي ( التوفيد ) و ( التسييس) .
في الباب الثاني من الكتاب سيتكلم المؤلف عن تقنية ( التوفيد) ، ومعنى التوفيد أي الاستيراد ، بمعنى آخر أن هؤلاء المستشرقين وأذنابهم من الحداثيين نسبوا كل شىء في الشريعة الإسلامية إلى مصدر خارجي كان هو الملهم لها ، مثل اتهام الفقهاء بالإقتباس من القانون الروماني ، بل يصل الغلو بهم إلى الزعم بأن كل مسألة في الفقه الإسلامي هي من القانون الروماني !! أما المستشرق بروكلمان صاحب تاريخ الشعوب الإسلامية يمارس هذا النوع من التوفيد أيضاً ، فيزعم أن الصوم مقتبس من ثقافة أخرى وإن كان لم يوضح ولم يعرف أصلاً ما هي الثقافة الأخرى هذه ، يقول المؤلف : ( والمراد أن المستشرقين نظروا إلى علوم الإسلام باعتبارها مجرد عربة توصيل كتب ) [ ص/129] .
وهنا سؤال كيف استلهم الحداثيون هذه الرؤية التوفيدية لعلوم التراث من المستشرقين ؟ أحمد أمين مثلاً جعل عقيدة السلف في إثبات الصفات الإلهية نظرية مستوردة من اللاهوت اليهودي وهي فكرة استشراقية مكررة ، وتجد الجابري يستعير توفيد المستشرقين لحديث خلق أدم على صورة الرحمن وينسب هذا الحديث للثقافة الهرمسية ، ويذهب الجابري لتوفيد علم الأخلاق الإسلامي إلى الثقافة الفارسية ، يقول المؤلف : ( الحاصل أن الدراسات الاستشراقية ، وتبعاً لذلك شراحها من الحداثيين العرب ؛ تحاول رد كل مفاهيم التراث الإسلامي الأصيلة التشريعية والسلوكية ، إلى الثقافات السابقة على الإسلام ) . [ ص/140] .
الباب الثالث عقده المؤلف لتقنية التسييس ، وخلاصتها أن المستشرقين وأتباعهم الحداثيين العرب زعموا أن العلوم الإسلامية وضِعت لغاية سياسية ، وهي الفكرة الضالة التي بذرها جولدزيهر وشاخت ثم تبناها الحداثيون كأحمد أمين الذي تحدث عن الدوافع السياسية للعلوم الإسلامية في كتابه ضحى الإسلام ، وبمثل هذا التعميم لتسيس التراث ينطلق محمد عابد الجابري أيضاً في الكتابة عن نفس الفكرة حتى وصل الأمر بالجابري أن جعل علم العقيدة عباءة يستر بها العلماء طموحاتهم السياسية ، بل تبلغ المسخرة الفكرية بالجابري أن يجعل المذهب الظاهري لابن حزم مشروع سياسي منه ضد الفاطميين والعباسيين لحساب بني أمية في الأندلس ، وهذا كلام مضحك لسببين ، أحدهما أن ابن حزم تواجد في فترة ملوك الطوائف بعد انتهاء الخلافة الأموية بالأندلس ، الثاني : أن مذهب الظاهرية العدو اللدود أصلاً للمذهب المالكي الذي هو مذهب بني أمية في الأندلس .
هذا التسييس الذي سيجعل المستشرقين بعد ذلك يتعاملون مع محنة الإمام أحمد بن حنبل من منطلق سياسي ، ويتهمون الإمام في نيته ويقللون من بسالته ويدافعون عن المعتزلة ، وقد تولى هذه الفرية من الحداثيين العرب "فهمي جدعان" الذي سرق بحثه هذا من المستشرق الألماني "يوسف فان إس" ، وسيقوم إبراهيم السكران بتخصيص قرابة مائة وخمسين صفحة لمناقشة أطروحة فهمي جدعان المسروقة عن محنة الإمام أحمد وتفنيد كل أغاليطها .
منذ أيام كنت أشاهد ندوة عن كتاب التأويل الحداثي وكان فيها "أحمد سالم" والضال" أحمد سعد زايد" ، والغريب أن الضال "أحمد سعد زايد" قال أننا ندين بالفضل للمستشرقين لأنهم نبهونا للأخطاء في كتب التراث ، والواقع أن هذا الرجل المهزوم أمام الثقافة الغربية والذي تقريباً لا يؤمن بالإسلام يفتقد للموضوعية في هذا الكلام ، ليست القضية أن شخص نصراني غربي يدرس علوم الشريعة والتراث ، ولكن القضية هى النزاهة والموضوعية ، هذان العاملان تقريباً يغيبان عن معظم المستشرقين .
كتاب الأستاذ إبراهيم السكران وتحليلاته الأكثر من رائعة ، يمثل إضافة حقيقية للمكتبة العربية والإسلامية ، وهو من نوعية الكتب التي تقرأ مرات ومرات .