What do you think?
Rate this book


487 pages, Kindle Edition
First published January 1, 2007
سلسلة الحداثة السائلة الغنية عن التعريف لزيجمونت باومان والتى قد وضع بها هذا المصطلح"الحداثة السائلة" للتعبير ب " دقة" عن
عصر ما بعد الحداثة.
إن كان هذا الكتاب ليس فى اول ترتيب السلسلة او التعريفات لما كتبه باومان؛ فقد بدأت به فقط لاهتمامى بهذا المبحث وهو الأخلاق ، تعريفها وموضوعيتها و دوافعها عند الفلاسفة والمفكرين وتغير قيمتها على مر العصور ومقارنتها بالضرورة بفلسفة الاخلاق فى الاسلام.
الكتاب يبدأ بمقدمة جيدة، قدم فيها باومان أراءه او ما نقله من أراء بعض المفكرين لدعم وجهة نظره، فقد بدأ باومان بهذه المقدمة:
هذا الكتاب تقرير من أرض المعركة - الأرض التي نناضل عليها من أجل العثور على الطرق الجديدة والمناسبة من التفكير في، وحول، ومن أجل العالم الذي نعيش فيه ومن أجل حيواتنا في ذلك العالم.
يحاول باومان فى المقدمة توطيد فكرته عن الاخلاق فى هذا العصر الذى ذابت فيه الحدود وتماهت قوانينه ، من انها اساسية للتعامل بين البشر على اختلافهم.
يقارن بين الحشد والجماعات حيث أن فى مجتمع الحداثة السائلة، حلت الحشود محل الجماعات فلا يوجد فى الحشود الكثير من توزيع العمل ولا يوجد متخصصون ولا أناس تجيد مهارات متخصصة بل فقط تقارب جسدى وحركة بتنسيق ضئيل.
الكتاب كان فى ستة فصول،
الفصل الاول وعنوانه كان تساؤلا من باومان عن اى فرصة للأخلاق فى عالم استهلاكى معولم؟
حيث قاعدة حب لأخيك ما تحب لنفسك ستتناقض مع العقل الذى تشجعه تلك الحضارة السائلة ، العقل المتمثل فى مصلحة الذات، والبحث عن السعادة.
يقول باومان " الحقيقة انه يكفى ان نسأل لماذا على أن افعله؟ ماذا سيفيدنى فعله؟ لندرك لا معقولية المطالبة بأن يحب المرء جاره مثل نفسه .
ويحاول باومان ايصال الفكرة التى يريدها من أن حب الذات الذى يحفزنا لأن نلتصق بالحياة ونبقى فهو ليس كالبقاء الحيوانى، فهذا الحب لن يتحقق إلا بنظرة الآخرين وتقديرهم لنا" حب الذات يولد من الحب الذى يمنحنا اياه الآخرون".
بذلك المبدأ يؤكد باومان على السؤال الذى بدأ به الفصل عن فرصة الأخلاق فى عالم استهلاكى حيث أن الاستهلاك التفاخرى ذلك الاستعراض للوفرة والثروة التى يمتلكها المرء من اجل إهانة الآخرين الذين لا يملكون ما يمكنهم من الرد على المستوى نفسه. وعن العقبة الاشد صعوبة امام حب الجار فى زماننا: تزايد سيولة الاوضاع الاجتماعية ومع انتشار الروتين المريح وتزايد ضعف الروابط الانسانية وأجواء الحيرة وعدم الامان.
الفصل الاول كان افضل الفصول وامتعها وادقها تحليلا ووصفا لهذا العصر والاستهلاكية المسيطرة عليه ومدى سيطرة هذه السيولة على فرص الأخلاق فى فرض سيطرتها على الحياة والتعاملات.
■الفصل الثانى وعنوانه القتل الباتر او إرث القرن العشرين ، يلخص باومان ايضا " تأكيد فكرته" مشيرا الى ما حدث خصوصا فى الهولوكوست والحربين العالميتين وما لحق بهما من ضرر اخلاقى بالغ للمجتمعات الاوروبية، حيث يؤكد على فكرة حشد المجتمع لفكرة معينة وهو ان الآخر ضدى وبذلك نزع اى قيمة من الاخر ، فهو ليس إلا كيان مفرغ لا قيمة له سواء اكانت مقدسة، ام دنيوية سماوية او ارضية .
ذكر ايضا بعض الإبادات الجماعية والتى كانت مرافقة للبشرية طوال تاريخها ولكنها تطورت واصبحت تحتاج مخترعات حديثة ومميزة كالتقنية الصناعية.
" لقد جعلت الحداثة الهولوكوست ممكنا، بينما كان الحكم الشمولى هو الذى نقل تلك الامكانية الى حيز التنفيذ"
أسطورة الحقبة الحديثة التي قصد بها بناء الثقة كانت قصة البشر وهم يرفعون أنفسهم بعقولهم، ألمعيتهم، تصميمهم، وجهودهم، المحسنة لعملية رفع الإنسان نفسه بجهده الخاص من وحول الوضع الطبيعي»، «الما قبل حضاري». لازمات تلك الأسطورة كانت الثقة المطلقة بقدرة الإنسان على تحسين الطبيعة والاعتقاد بتفوق العقل على قوى الطبيعة العمياء التي يستطيع البشر، بمساعدة العقل، أن يسيطروا عليها لتقوم بمهام مفيدة، أو يقيدوها حين يتضح أنها مزعجة. وكانت أكثر سمات الأشياء الطبيعية إثارة للاستياء وصعوبة في التقبل - أي الأشياء والأوضاع التي يعالجها الجهد الإنساني نحو غاية محددة وبهداية من العقل - أن سلوكها الفوضوي العشوائي تحدي التوقعات، تفادي السيطرة الإنسانية، وبذلك فجر خطط الإنسان."
وفى نهاية الفصل يطلب باومان تعلم الدرس :
إن الماضي لا يتدخل في الحاضر مباشرة: كل التدخل يأتي بواسطة حكاية. يتحدد المسار الذي يتخذه ذلك التدخل في نهاية المطاف على أرض معركة الذاكرة، حيث الحكايات هي الجنود، والرواة هم القادة الأذكياء أو التعساء للقوی المتحاربة، والدروس التي تستخلص من الماضي هي غنائم المعركة.
■فى الفصل الثالث بعنوان الحرية فى حقبة الحداثة السائلة، كان باومان يقارن فى بدايته قيمتى الحرية والأمن وعن سيولة الحرية التى أدت الى عدم وجود الأمن الذى ينتظره الانسان ، حتى فى داخل النفس مع طلب هذه الحرية اصبح على الانسان ان يتحذ قرارات مسؤولة بحرية ولكنه عوضا عن ذلك يريد التخلى عن هذه المسؤولية الاخلاقية التى تسبب له قلق وتوتر، ويزداد تذمره من تناقص الأمن وازدياد الغموض فحتى الحرية التى يرى الشخص أنه يمتلكها فعلا قد تكون مفروضة عليه فى هذا العصر الاستهلاكى وتمارس عليه بل يجبر عليها، فقد تم دفع الانسان بمزيد من الحرية ليحل محل الإله غير ان التدريبات لهذا الدور أثبتت انها غير قابلة للاكتمال واصبح الانسان يعيش متخبطا فى الظلام بدون بوصلة.
يضرب باومان امثلة على بعض انواع هذه الحرية الوهمية حيث عدد المدونات التى يكتب فيها الجميع عن كل شيء وأى شيء ولا أحد يعلم من من رجال الاعمال او المؤثرين الذين سيختارون من المدونين من تتشابه افكاره او ما يقدمه من
محتوى مع السوق الاستهلاكى الحالى.
في مجتمعنا الاستهلاكي لم تعد الرغبة في محاكاة أسلوب العيش الذي توصي به باستمرار آخر عروض السوق ويمتدحه المتحدثون باسمه سواء أكانوا متطوعين أم مستأجرين (وكذلك، ضمنيا، الدفع إلى إعادة صياغة الهوية والشخصية العامة باستمرار) مرتبطة بالإجبار الخارجي الذي يصبح من هذه الناحية مهينا ومزعجا). ينظر إلى الرغبة بدلا من ذلك على أنها، على العكس، مظهر آخر من مظاهر الحرية الشخصية ودليل على تلك الحرية. فقط لو حاول المرء أن يتوقف أو يتراجع عن مطاردة الهوية المتفلتة وغير المكتملة باستمرار، أو لو أنه تمت مقاطعته وأبعد عن المطاردة (وهو سيناريو مرعب حقيقة) أو ترفض دخوله مسبقا؛ عندئذ سيدرك كم هي قوية تلك القوى التي تدير حلبة السباق، وتحرس المداخل، وتبقي العدائين يجرون، وعندئذ فقط سيكتشف المرء مدى قسوة العقاب المخصص للعاصي وسيئ الحظ. يعرف ذلك جيدا كل أولئك الذين، لأنهم لا يملكون حسابات بنكية أو بطاقات ائتمان، لا يملكون ثمن دخول الاستاد الرياضي. ويدرك ذلك بالبداهة كل الآخرين من خلال الهواجس المظلمة التي تطاردهم في الليل بعد يوم من التسوق، أو من الإنذار الذي يرن حين ينزل حسابهم البنكي إلى الخط الأحمر وتصل بطاقاتهم إلى الصفر.
■الفصل الرابع وعنوانه حياة عجولة وتحديات الحداثة السائله للتعليم ، وكان به بعض التكرار لما ورد فى الفصل الثالث ولم تتضح لى الرؤية التى ارادها باومان إلا مع نهاية الفصل، حيث أصبحت عملية التعلم مرتبطة بالسوق وسيولته وتغير المهارات المطلوبة فى كل فترة زمنية كما يشبه المستهلك حتى" اصبح المستهلك التقليدى- الذى يقوم بشراء ما يحتاج اليه ويتوقف عندما يلبى احتياجاته - التهديد الأكبر للأسواق الاستهلاكية ، فأصبح تعزيز الطلب بدلا من ارضاء الحاجات".
تشير إليزابیث تارکوسكا، وهي عالمة الاجتماع الأكثر شهرة في مجالها، مستخدمة مصطلح بيرتمان، إلى مفهوم «الإنسان التزامني»، الذي يعيش في الحاضر فقط، ولا يلقي بالا لتجارب الماضي ولا النتائج المستقبلية لها»، وهي استراتيجية «يترجمها غياب التواصل مع الآخرين». إن «ثقافة الحاضر تعلي من شأن السرعة والفاعلية، مقللة في الوقت نفسه من شأن الصبروالمثابرة».
والفصل فى نهايته يقدم انتقادا قويا لثقافة التعلم الحالية التى اصبحت ثقافة انسلاخ وانقطاع ونسيان وليست تعلم وتراكم كما كان حال الماضى، وأيضا تحليل متفرد لأسباب عزوف الناس عن السياسة والمشاركة فى المشكلات العامة.
■الفصل الخامس وعنوانه الفنون بين الإدارة والأسواق وهذا ايضا من الفصول المميزة، والتى يؤكد بها باومان ما استنتجته أنا فى هذه الحقبة السائلة، عن الثقافة والفنون التى أصبحت بين مطرقة الادارة او سلطة الدولة وسندان الأسواق الاستهلاكية والذوق المائع المتغير لمستهلكى الفنون وليس متذوقوها بالنسبة لى، لم يعد الذوق مرشدا أمينا. فقد اصبح السؤال ماذا يجب ان امتلك الآن؟ او ماذا يجب ان يرانى الناس ممتلكا او متذوقا له؟
إن العملاء المرتقبين وأعدادهم وحجم المال في حساباتهم البنكية هو الذي يقرر حاليا (بجهل مصير الإبداعات الفنية، وترسم المبيعات والتقديرات وعائدات شباك التذاكر الخط الفاصل بين المنتجات الناجحة» (التي تتطلب بالتالي انتباها عاما) وبين المنتجات الفاشلة (التي تعجز عن اختراق الشهرة التي تتحقق من خلال المعارض الفنية وفيها فحسب). يعرف دانييل جي بورستين ببراعة الشخص المشهور بأنه شخص معروف بشهرته، بينما الأكثر مبيعا هو كتاب يباع بشكل جيد نوعا ما لأنه يباع جيدا» . ويمكننا قول الشيء نفسه حول الأعمال الفنية الأكثر مبيعا. وليس أكثر من العلاقة الوحيدة الاتجاه التي تقترحها تعریفات بورستين الساخرة والتي أرساها حتى الآن منظرو الفن المعاصر ونقاده بین المزايا الفنية الجوهرية للإبداع ودرجة شهرة مؤلفيها. إن التمس السبب الفاعل لشهرة الفنان فإننا سنعثر عليه غالبا في درجة شهرة العلامة التجارية (المعرض، المطبوعة المجلة) التي نقلت الفنان البدائي من الظل (الغموض) إلى الأضواء، عبر ترويجها لعمله.
لا تضع الحداثة السائلة لنفسها هدفا ولا ترسم خطة للنهاية، وبعبارة أدق، إنها تحدد جودة الاستمرار وفقا لسرعة الزوال فقط. الوقت يسيل، ولم يعد يمضي للأمام». هنالك ما يتغير، دائما هنالك ما يتغير، تغيير جدید و مختلف، ولكن ليست هنالك وجهة ولا نقطة نهاية، ليس هنالك ترقب لمهمة مكتملة، كل لحظة معاشة محملة ببداية جديدة وبالنهاية في آن معا - كانتا قبلا خصمين وأصبحتا الآن توأما سياميا.
ولم يعد بإمكان الزبائن المشوشين بفعل زوبعة المنتجات والمحتارين لتنوع العروض والمصابين بالدوار بفعل مسار التغيير، لم يعد بإمكانهم الاعتماد على قدرتهم على التعلم والتذكر، لذا يتوجب عليهم قبول تأكيدات السوق أن المنتج محل العرض هو الغاية الكبرى، ما يجب امتلاكه، وما يجب أن يراني الآخرون فيه أو معه (وهم يفعلون ذلك بامتنان). ما تخيله لویس کارول منذ مئة عام أصبح واقعا الآن إذ يقول: «عليك أن تجري بأقصى جهدك كي تبقى في المكان نفسه، وإن كنت ترغب بالانتقال إلى مكان آخر عليك أن تجري ضعف هذه السرعة مرتين على الأقل». إن القيمة الحالية الأبدية أو «الموضوعية هي آخر ما عليك القلق بشأنه، ولم يعد «الجمال في عين الرائي»، بل تموضع بدلا من ذلك في الموضة الحالية، وبالتالي فإن الجميل ملزم بالتحول إلى قبيح في اللحظة التي تحل تقليعات أخرى من الموضة محل الحالية كما سيحدث لها سريعا بالتأكيد. ومن دون قدرة السوق الخارقة على فرض نموذج عادي حتى إن كان قصير الأجل
■الفصل السادس وعنوانه جعل الكوكب مضيافا لاوروبا وفيه يحاول باومان كرجل اوروبى أن يطلب من اوروبا ان تنتصر على قوة وهيمنة الولايات المتحدة عبر حشد القارة العجوز كما كانت من قبل لحمل لواء الثقافة والاخلاق فى العالم والاضطلاع بهذه المهمة، وكأن العالم ليس فيه الا أمريكا واوروبا ،
هذا اغرب ما طرحه باومان فى الكتاب فرغم ان سنة النشر كانت عام ٢٠٠٨ ونحن الآن فى العام ٢٠٢٢ أجد تصرفات فرنسا للتحريض على الكراهية وفى السويد فى قضية خطف الأطفال من عائلاتهم المسلمة والعربية خصوصا من قبل مكتب الخدمات الاجتماعية (السوسيال) في أوروبا، باعتبارهم غير مؤهلين لرعايتهم
وما فعلته حتى دول الاتحاد الاوروبى مع ايطاليا فى بداية فترة كورونا وعدم تقديم الدعم اللازم لها ( وهو للأمانة ما قال باومان عن شيء مماثل له من تقوقع كل دولة لحل مشاكلها الداخلية فقط)، هذا يؤكد لى انه لا قيم روحية ولا اخلاقية لتضطلع بها اوروبا الحالية تجاه العالم وهذا من وجهة نظرى، فقط أعتقد ان باومان يحاول ان تنقل اوروبا إرثها الكبير و خبراتها الثقافية الماضية وهى حقيقة بالمقارنة مع تاريخ الولايات المتحدة البسيط " لا يقارن" لكن كأن باومان غفل او تغافل عن ما قبل عصر النهضة والذى لم يكن لأوروبا وجودا يذكر فى أى مجال.
ما يجب اقتباسه من هذا الفصل رغبة باومان وتحذيره من تقوقع كل دولة على قوميتها وحلها لمشاكلها الداخلية فقط وهذا ما نعانى منه فى عالمنا العربى الاسلامى.
الكتاب جيد جدا ويقدم تحليلات دقيقة فى أغلب أرائه ونماذجه التى عرضها باومان لحالة الميوعة والسيولة المفرطة فى عصرنا الحالى والتى بالفعل لن تستطيع اى قيمة أخلاقية مرجعية فرض نفسها على إنسان هذا العصر.