تتداخل حدود الوعى مع الزمن فى الفكر النقدى الترنسندنتالى وهى نقطة ظهور الديالكتيك من ناحية والفينومينولوجيا من ناحية أخرى ، وتبدو هذه الإشكالية هى نقطة الإنطلاق لفكر هيدجر فى شبابه حين ألقى هذه المحاضرات التى تحت أيدينا فى الفترة السابقة على كتاب الكينونة والزمان الذى رسخ فيه هذه الافكار وإجتهد فى تقفى أثرها . يبحث هيدجر عن الوحدة المختفية فى جدل الوعى والزمن من خلال تحليله للدازين والكينونة بما يتعلق بهما من وجودانيات ( مقولات الوجود الإنسانى التى هى مقولات الوجود ذاته ) - فى مقابل مقولات الميتافيزيقا والمنطق ونظرية المعرفة - ويصل الى وجودانية الانفتاح كنمط وجودى أولى شامل . فكل الوجودانيات الأخرى تنبثق منها كالإلقاء أو الملاقاة فى العالم واليومياتية والإنشغال وغيرها من المصطلحات الهيدجرية التى يهتم فى صياغتها بكونها تخترق كامل مجال الكينونة أى أنها محدِدة لوجودها ذاته .
يرتكز هيدجر بشكل أساسى على تحليله لهذه الوجودانيات من ناحية وتراكبها من ناحية ، بحيث تبرز الكينونة بذاتها وتنحجب فى كل مرة كالوجود ذاته الذى هو معطى بحيث يظل يخفى ما يمكن كشفه فى المكان والزمان والعمق .
ولكنه ينطلق أساساً لا من الوجود المجرد كهيجل أو الوجود بالفعل كماركس أو نيتشه ولا من المعيش القصدى كلحظة موصوفة مثل هوسرل وإنما من اليومياتية كخاصية كينونة تنفتح من خلالها وجودانيات أخرى كالكشف والفضول والكينونة فى اليد وغيرها من مقومات الوجود الانسانى . ولكنه يهتم بشكل خاص للمعطى مسبقاً ( الإنعطاء ) كتاريخ محمول لاشعورياً بواسطة الكينونة أو بالأحرى هو منحوت فيها . ويتبين من هنا أهمية الهرمينوطيقا كدلالية تاريخية وليس مجرد دراسة فيلولوجية لتأويل النصوص ، فالتحليل هنا يستهدف ماهية الهرمينوطيقا ذاتها أى كمكون رئيسى ( وجودانية ) للدازين فى نمط وجوده الزمانى .
فالإنفتاح كنمط اساسى للكينونة يتضمن بالضرورة مكتسبات قبلية ( ماضٍ يصير إلى مستقبله الخاص من خلال التمايز ووضوح الحدود وبروز المعالم الفردية وصقلها من خلال تعدد علاقاتها . عملية من النحت وكشف المنحوت عبر الزمن للوجود ( الكينونة ) كما للدازين )
إن ما هو كائن ( كمكتسب قبلى ) يترسخ عبر :
[١] التكرار ( فى اللاوعى والتاريخ ) الذى يئول إلى التنوع المتخارج من أصل واحد ، [٢] الدلالية ( فى اللغة والفكر ) التى تئول إلى الهرمينوطيقا والتاريخانية ، [٣] الحفظ ( فى العلم والفن والثقافة ) الذى يئول إلى الأثر والأنثروبولوجيا . إن ما هو كائن يمضى باستمرار فى كونه مكتسباً قبلياً لكل كينونة لاحقة .
تنعكس طرق الكشف الهرمينوطيقى للدازين فى ( الوعى التاريخى والوعى الفلسفى ) حيث يمتلك الدازين ذاته وتتحدد حريته وتنكشف إمكاناته القصوى من خلالهما ولا ينسى هيدجر أن هذه الانماط العليا من الوعى بالوجود ينطلقا فى الأساس من الفضول كخاصية أساسية للدازين اليومى المهموم والمنشغِل فيه بما هو معطىَ مسبقاً او معطىَ تحت اليد خلال إلقائه فى العالم المنشغَل عنه .
تظهر علاقة الهرمينوطيقا كتحليل ( للحضور بالفعل ) بالديالكتيك كتركيب ( للإمكانات الكامنة ) ويهتم هيدجر بإبراز عمل كل منهما ومكانه فى تاريخ الفلسفة وما صاحبه أو لازمه من ملابسات وبالأخص الخلط القائم بين فهم الجدل أو الديالكتيك -كعملية تركيب حية فى الواقع كما فى الفكر - والفهم الفينومينولوجى الذى هو كالفتح العلمى ذاته فهو صورة لنمط البحث ( الكشف ) من خلال تساؤله المنهجى عبر الزمن .
ومن الجميل ان يجد القارئ المنهجى صورة رحلته البحثية تنعكس وتتداخل تماماً فى نص هذا الكتاب الذى يعكس صورة حدوث الوجود ذاته بحيث يقود ( الكشف ) المنهجى كل حدث منهم فى مستواه الخاص عبر الزمن ، وبحيث يُبرِز كل حدث منهم الأحداث الأخرى ، مع مراعاة الأحداث الأكثر خصوصية ( كنص الكتاب ، والقراءة المنهجية الخاصة بصاحبها ) والأكثر عمومية ( الوجود ذاته ) .