﷽ | سلسة مُحاضرات مصادر التلقي| للشيخ أحمد بن يوسف السيد
مصادر التلقي
أولا: مقدمات منهجية:
- [ ] ● المقدمة الأولى: معرفة مصادر التلقي أمر منهجي أساسي في التعلم، وكثير من الخلل الحاصل اليوم هو بسبب عدم ضبط مصادر التلقي.
- [ ] ● المقدمة الثانية: عدم معرفة وضبط مصادر التلقي يؤدي إلى الشتات المعرفي وكثرة التقلبات مع ضياع العمر، وقلة الحصيلة المعرفية بسبب ضعف القواعد والبنيان المعرفي.
- [ ] ● المقدمة الثالثة: يجب أن يكون القرآن والسنة هما المرجعية الحاكمة للإنسان،
١- أن طاعة الله ورسوله طاعة مطلقة، وطاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله.
٢- إذا حصل التنازع بين عموم الناس وبين أولي الأمر، فيجب الرد إلى الله ورسوله.
٣- والأمر بالرد هنا شرطي، والشرط هو: إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر.
٤- الرد إلى الله يعني إلى كتابه، والرد إلى الرسول يكون في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
٥- دلت الآية على أن مرجعية الوحي محفوظة، لأن الأمر بالرد معلق على شيء لا ينتهي، وهو التنازع.
٦- فذلك أحسن عاقبة ومآلا.
فمركزية الانحراف لدى الطوائف الأخرى في الإسلام سببها: عدم تحقيق مرجعية الوحي، فمنهم من اعتبر أصولا له من خارج الوحي، ثم حاكم عليها
__ 2 _
نصوص الوحي، والصحيح أنه يجب تأسيس واستمداد المرجعية الأساسية من الكتاب والسنة ثم محاكمة المرجعيات الأخرى عليها.
- ومن نظر في كثير من الإشكالات العقدية والفكرية وغيرها التي حصلت، يجد حقيقةً أن الخلاف ليس في النزاع التفصيلي لتأويل الآيات، وإن
كانت هي الصورة الظاهرة والأكثر حضورا، وإنما الخلاف الحقيقي في
اعتبار الدوافع الأساسية والمرجعية الأساسية التي نشأ عنها الخلاف.
ثانيا: التأسيس لمصادر التلقي من حيث أعيانها:
● أولا: إثبات حجية القرآن الكريم: إثبات حجية القرآن له طريقان أساسيان: الطريق الأول: إثبات حجية القرآن من جهة صدق مبلغه. الطريق الثاني: إثبات حجية القرآن باعتبار ذاته ومضامينه.
الطريق الأول: إثبات حجية القرآن من جهة صدق مبلغه: من عند الله سبحانه؛ لأن القرآن من باب الأخبار، والخبر لا يحتمل إلا الصدق أو ال كذب.
__ 3 __
ومن هنا كان البحث في مسألة الصدق والكمال المتعلقين بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهم طرق إثبات حجية القرآن. ومما يدل على صدق مبلغه صلى الله عليه وسلم:
١- أنه لا يوجد أحد من البشر حفظت سيرته وتفاصيل حياتهكما حصل في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كثرت التفاصيل سهل معرفة قرائن الصدق من غيره.
٢- كلما تضخمت الدعوى كلما سهل كشف الصدق من الكذب، "والنبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا إلا على أجهل الجاهلين".
٣- باب المبشرات به صلى الله عليه وسلم من ال كتب السماو ية السابقة، وإخباره بالأمور الغيبية، ومعجزاته، وكماله الأخلاقي، وعدم التكسب الذاتي من دعوته، كل هذا مما يدل ويؤكد صدقه صلى الله عليه وسلم.
الطريق الثاني: إثبات حجية القرآن باعتبار ذاته ومضامينه: لو افترضنا أننا وجدنا القرآن ملق ًى في صحراء، لا نعرف من الذي أتى به، ومن الذي بلغه، فمن درسه علم يقينا أنه ليس من الأرض منبته، وإنما من السماء مهبطه. وإثبات حجية القرآن من جهة مضمونه له بابان:
الباب الأول: بإثبات عجز الناس عن معارضته هذا الكتاب، أو بالإجابة على سؤال: (هل عجز العرب عن معارضته؟). الباب الثاني: هو لماذا عجز العرب عن معارضته؟ ومن هذا السؤال نشأ علم البلاغة، وهذا السؤال هو الذي يثبت به إعجاز القرآن على الحقيقة. وكتب العلماء المتقدمون في هذا الباب كتبا كافية شافية ومنها: إعجاز القرآن للخطابي، وإعجاز القرآن للباقلاني، ودلائل الإعجاز للجرجاني، والنبأ العظيم لدراز. ومما جاء في هذه ال كتب: ١- أن قصائد العرب يشعر قارئها أو سامعها أن وراءها نفسا بشرية تحب وتبكي وترثي...إلا القرآن إذا نظرت وراءه لن تجد هذه النفس البشرية .
٢- الإعجاز البلاغي في النظم والتراكيب القرآنية هو أبرز ما يوضح ويدل على إعجاز القرآن.
__ 5 __
ثانيا: إثبات حجية السنة النبوية:
أولا: مقدمات منهجية:
المقدمة الأولى: أن إبراز قيمة السنة النبوية وأهميتها ومقدار حرمان وخسارة من يعطلها ولا يجعلها من مصادر المعرفة ولا يستهدي بها، أهم من المجادلة في حجيتها من عدمه، وأيضا من أهم اسباب الحصانة من الشبهات المثارة حولها هو تش ُّرب محبتها، وهذا يكون من معرفة قيمتها الحقيقية.
المقدمة الثانية: أ ُّي قضيةٍ شرعية فكرية ذات جدل، من الخطأ أن تبدأ بالرد عليها من خلال الرد
على المنكرين والمشككين فيها وشبهاتهم التي يثيرونها، وإنما الصحيح هو البدء بتثبيت حجيتها وموثوقيتها، وتعزيز اليقين بها. فإذا تكون لدى الإنسان البراهين والدلائل القطعية، سقطت الشبهات عنده ولم تؤثر فيه؛ إذ النقيضين لا يجتمعان، وكلما استجدت عليه شبهة استطاع استخراج الرد عليها بما عنده من أصول ومرتكزات، والأهم من هذا أنه لا يكتفي بأن يكون في موقف المدافع ويرد فقط، وإنما يطرح أسئلته التي تدل على إثبات قطعية قضيته.
__ 6 __
حقيقة القول بحجية السنة واعتماد الأحاديث الصحيحة:
١- المصدر الأساسي لاعتبار السنة حجة هو القرآن، فاتباع السنة إنما هو اتباع للقرآن، قال تعالى، ولا تكون طاعة الرسول بعد وفاته إلا باتباع الخبر الصحيح عنه، ولا سبيل آخر، ومن يقيد الطاعة أنها في حياته فقط، أو بمباشرة السماع منه، فلا دليل له.
٢- القول بحجية السنة لا يعني عدم تقديم القرآن عند توهم التعارض من كل الجهات، غير أن الإشكال الدائم هو ادعاء التعارض التام فيما لا يكون كذلك.
٣- القول بصحة الأحاديث المنقولة مبني على العلم بطريقة نقل وآلياته، لا على تقليد ما هو سائد، وليس لمجرد كونها منقولة، بخلاف المنكرين، وبناء على ذلك: ما توفرت فيه شروط النقل قبل، وما لم تتوفر فيه الشروط لم يقبل.
٤- اعتماد صحيح البخاري كأصح كتاب بعد كتاب الله مبني على قرائن واعتبارات متعددة ليس منها عصمته، ومنها:
- أنه طبق قواعد أجل علم توثيقي للأخبار.
- أنه في الذروة من المعرفة بهذا العلم. - المراجعات النقدية التي قدمت على الكتاب. - اتفاق المتخصصين عليه. - اعتراف بقية العلماء باتفاق المتخصصين واعتمادهم عليه.
٥- ليس كل ما في البخاري على درجة واحدة من الصحة.
العنصر الثالث: مآلات القول بإنكار السنة والتشكيك فيها: مما يزيدك يقينا بصحة ما لديك أن تبصر فساد ما يناقضه.
- مآلات الإنكار الكلي للسنة النبوية: ١- تعطيل كثير من محكمات الأوامر القرآنية عن إمكان الامتثال بها؛ لأنها أتت مجملة والسنة بينها. ٢- تخطئة الأمة كاملة في أهم فرائض الإسلام العملية كالصلاة؛ لأن تفصيلها من السنة. ٣- التحكم في تفسير الآيات القرآنية الآمرة بتحكيم الرسول وطاعته دون دليل على هذا التحكم. ٤- توسيع دائرة الخلاف غير السائغ في أصل العبادات والفرائض.
__ 10 __
مآلات الإنكار الجزئي للسنة: ١- فتح بوابة الاستنكار العبثية؛ نظرا لاختلاف الدوافع لدى المشككين، وتضاد الرؤى المؤدية للإنكار، وعدم وجود الضابط المنهجي البديل، وهذه رؤ ية هدمية. ٢- الاضطراب المنهجي والتناقض، بقبول جنس ما استنكر على السنة في القرآن. ٣- إلغاء الاعتبارات العلمية، وتعطيل المعطيات الوجودية في صحة النقل. ٤- تبخيس التراث الإسلامي، ورمي رواده بال كذب أو الاستغلال والغفلة. ٥- رد ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا قطعيا.
__ 11 __
العنصر الرابع: مرتكزات حجية السنة: المرتكز الأول: القرآن، من ثلاثة وجوه:
- الوجه الأول: الإحالة إلى الرسول تحاكما وإطاعة، ولم يأتي استثناء أو تخصيص بأن هذا التحاكم والطاعة في حياته فقط، أو بالسماع منه مباشرة، بل هي عامة لكل من جاء إلى يوم القيامة، من سمع منه مباشرة أو سمع
بواسطة. - الوجه الثاني: الدلالة على عدم انحصار الوحي في النص القرآني.
مثل: إنزال الحكمة المذكور في القرآن، وذلك أن الله عز وجل أنزل على
نبيه صلى الله عليه وسلم مع الكتاب الحكمة
ومثل: التكفل بالبيان. ومثل: النصوص المعينة الدالة على وجود وحي غير القرآن، كآيات تحويل القبلة التي مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى القبلة الأولى بوحي، وهذا الوحي غير موجود في القرآن، فدل على أنه كان من السنة، و كآيات إخبار المؤمنين بنزول الملائكة في غزوة أحد، و كآيات نبأ التحريم، و كالأحاديث القدسية بتواتر مجموعها، و كالأحاديث الغيبية.
- الوجه الثالث: الإجمال في كثير من الأوامر القرآنية التي تحتاج إلى بيان.
المرتكز الثاني: التواتر: كتواتر الصلوات الخمس، ورمي الجمرات، والأخبار الغيبية، والأحاديث القدسية، كل هذا مما تواترته الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما يدل على حجية السنة.
المرتكز الثالث: الإجماع، أي إجماع الأمة على أن السنة حجة، وغالب من ينكر السنة ينكر الإجماع.
العنصر الخامس: تثبيت دلائل موثوقية نقل السنة:
أولا: الأصل العام في حفظ الدين: - إذا أثبتنا أن السنة من الدين عبر الأدلة السابقة، فإن النصوص التي وردت في حفظ الذكر تشمل حفظ السنة أيضا، وذلك من أحد وجهين:
١- أن يكون الذكر اسما عاما للوحي، فيدخل فيه القرآن والسنة. ٢- وهو الوجه الأقوى: أن من تمام حفظ القرآن حفظ بيانه وحفظ لسانه أي
اللغة العربية؛ إذ أن في القرآن أمورا مجملة لا سبيل إلى بيانها إلا بالسنة.
- أن الله عز وجل أمرنا عند التنازع برد الأمر اليه سبحانه وتعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي أن يحفظ عن الله وعن رسوله ما يمكن أن تمتثل به هذه الآية.
__ 13 __
ثانيا: التدوين المبكر للسنة: وهو من ضمن الأدلة على موثوقية نقل السنة وإحدى الوسائل، وليس هو الضمان على موثوقية النقل، إذ ليس كل ما دون يكون صحيحا.
ثالثا: علم الحديث وموثوقيته: ١- شروط الحديث الصحيح: اشترط المحدثون اتصال الإسناد لإثبات صحة الحديث؛ وذلك حماية لشرطي العدالة والضبط، واشترطوا أيضا ثبوت اللقاء أو الأخذ بين رواته. واشترطوا العدالة ل كي لا يدخل ال كذب في الرواية، واشترطوا الضبط ل كي لا يدخل الخطأ في الرواية، ثم قارنوا المروي بالروايات الأخرى للتأكد من صحتها وسلامتها من الشذوذ والعلة.
٢- تحقيق النقد الباطني لعلوم الحديث.
٣- التحديث المستمر لمتعلقات الإطلاقات السابقة على الرواة: فإذا أطلقوا على راوٍ معين أنه ثقة، فهذا لا يعني أن جميع مرو ياته في درجة واحدة أو تقبل مباشرة، وإنما قد تكون روايته عن فلان صحيحة، وروايته عن فلان آخر فيها ضعف...وهكذا، فيحتاج إلى تحديث الحكم المستمر على كل رواية، ولا
__ 14 __
يكتفون بإطلاق الحكم العام على الراوي، فمثلا: البخاري لم يحتج برواية معمر عن ثابت، واحتج برواية معمر عن الزهري، مع أن معمر ثقة. وإذا أطلقوا على راوٍ أنه ضعيف، فهذا لا يعني أن جميع مروياته خاطئة، فقد يكون أصاب في بعضها، فينظرون هل وافقه غيره من الثقات في روايته تلك.
العنصر السادس: أقسام منكري السنة:
القسم الأول: المنكرون إنكارا كليا، ويسمون أنفسهم القرآنيون. القسم الثاني: المنكرون إنكارا جزئيا: فمنهم من ينكر السنة القولية ويأخذون بالسنة الفعلية، ومنهم من ينكر أخبار الآحاد فقط، ومنهم من ينكر ما يتوهم تعارضه مع
القرآن والعقل، ومنهم من ينكر ما يتعارض مع الثقافة الغالبة.
العنصر السابع: تاريخ منكري السنة: بدأ الإنكار الكلي للسنة بعد الاستعمار البريطاني على الهند، ومن هناك بدأت مدرسة الإنكار، ورد عليهم وعلى شبهاتهم كثير من علماء الهند أيضا.
__ 15 __
ثم انتقلت مدرسة الإنكار بعد ذلك إلى مصر، ومن مشاهيرهم محمد أبو ر ية الذي كان يتغذى على مائدة المستشرقين، ورد عليه كبار علماء عصره كمصطفى السباعي وعبد الرحمن المعلمي.
العنصر الثامن: البوابات التي يلج منها المشككون في السنة:
البوابة الأولى: بوابة الاستغناء بالقرآن.
البوابة الثانية: بوابة عدم الثقة بطريقة النقل واتهام المحدثين بالتجوزات وعدم التحفظ في النقل.
البوابة الثالثة: بوابة عدم تدوين السنة، بأنها لم تدون مبكرا وربما دخلها الوهم.
البوابة الرابعة: بوابة استنكار الأحاديث بسبب تأثير الثقافة الغالبة.
البوابة الخامسة: بوابة الطعن في النقلة، كأبي هريرة رضي الله عنه.
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين