الحركي رواية للكاتب الجزائري عواد بن جبار صدرت عن منشورات القرن 21 سنة 2016
في رواية الحركي حاول بن جبار مقاربة واحداً من المواضيع الحسّاسة، في البلد، يروي قصّة حرْكي، ومن خلاله يستعيد تاريخ المغضوب عليهم في الجزائر، أول ما يثير الإنتباه هو عنوان الرواية المباشر المحدد الذي لا يحتاج لقراءات أو تأويل، أصل كلمة: الحرْكي فيعود إلى أنها صفة أُطلقت على مَن انضمَّ إلى الحركة الوطنية الجزائرية التي أسَّسها مصالي الحاج، وكانت مناوئة لجبهة التحرير يومئذ، فنشأت في البدء بفتح الراء «حَرَكي» ثم مع مرور الزّمن وكثرة الاستعمال سُكِّنت الراء للتخفيف فصارت الحرْكي..
لكنها لم تبْقَ محصورة في أتباع الحركة الوطنية، بل انسحبت – فيما بعد – على كل خائن عميل.
رواية الحركي سرد لمرحلة ما قبل الإستقلال من جانفي 1960 إلى ماي 1960 قسم بن جبار رواية إلى اثني عشر فصلا، خصص الأول منها لمقدمة تأثيثية للبناء الروائي. حيث يخبرنا هذا الحركي باسمه وعن السّبب الذي جعله يلتحق بالحرْكَى أو المخازنية، وأنَّ امرأة ترعاه في الدّيوان الوطني لقدماء المحاربين وتساعده على كتابة مذكراته، فهو مريض مُصاب بالزهايمر، لأن في ذلك ما يخفِّف عنه القلق، ولعلَّه يجعله يُفْرغ حمولة تاريخية عانى منها طويلاً، أتى في رواية الحركي: {{ أنا أحمد بن شارف، من مواليد 1936. متقاعد من الجيش الفرنسي، مقيم بدنكيرك بشمال فرنسا…
أتواجد يوميًا في نهج الجيش الذي ينتهي عند الميناء التّاريخي، تقاعدت بصفتي شبه عسكري سنة 1988، بطلب مني، وضعت حدًا للجندية. رحلت مثل آلاف الجزائريين الحركى والفرنسيين واليهود إلى فرنسا، اخترت الرّحيل، لم يكن لي خيار آخـر، لم أتردّد لحظـة في توديع هذا البلـد، لـولا أمي التي جعلتني أفكّر قليلا وأتريّث في قرار الرّحيل وألتفت قليلا إلى الوراء…سجلت وقائع الأشهر سبعة عشر الأخيرة للنقيب مونتوري وهي نفسها وقائع الكتيبة بعين الحلوف وهذه المخطوطة التي اقدمها بين أيديكم هي ثمرة جهدي في تدوين تفاصيل المرحلة بكرونولوجية ذاكرة الرجل الحريص}}
بعد هذه المقدمة المُكثفة التي تلخص قصة حياة الحركي أحمد بن شارف يبدأ السرد المفصل لحياة البطل في ثكنة لاصاص و يضع مقاربات بينه وبين شخصيات أخرى، أحمد بن شارف انتقم من عمه، الذي سلبهم أرضهم عُنوة و«حقرة» ولم يجد من مَخْرج لينجو بنفسه من القتْل إلا بأنْ يلتحق بلاصاص (sas) الفرنسية. ولكنه اشتغل طيلة وجوده فيها سائقاً، ولم يحمل السّلاح، وحتى حين أُجبر على حمله فترة قصيرة لم يقتل أحداً ولم يُبلِّغ عن أحد، وفي الجهة المقابلة اختار ولد عايشة، اتجاهاً معاكساً للسّبب نفسه، فاختار الإنضمام إلى جيش التحرير الوطني بعد أن افتكتْ منه أرضه من قبل وهاب الذي دفع رشاوي لأحد أعوان دار التّراب بمستغانم لاستصدار مستندات الأرض، وأيضا قارن اختيار أحد بن شارف للخيانة بحذاء الفرنسي الشيوعي الذي دافع عن القضية الجزائرية؛ وجد حذاءه الجميل مرميا في قبو التعذيب فوصفه بالأشرف من الشرف…
اختار الكاتب – كما في كثير من الروايات الجديدة – ضمير المتكلِّم ليحمل المتلقّي على أنْ يصبح راوياً كما هو الكاتب ومروياً له. حينئذ تمحي الحدود بين هذه الطرفيْن لننغمس في حالة من الحرب والخوف، ولكنَّنا نعيش أكثر حالة نفسية من التأزُّم لدى هذا الحركي، الذي ساقه القَدَر يوماً إلى أن يسلك هذا الطّريق حتى صار منبوذاً يشتاق إلى رؤية والدته فلا يراها إلا مرَّة واحدة متخفِّياً، يجعلنا بن عواد نتعاطف معه نحبه أحيانا و نلعنه أحيانا أخرى، بهذا التناقض النفسي بين عديد المفاهيم: الشرف والخيانة، النضال والجبن وباستنطاق الشّخصية المحورية من خلال المذكرات، تمكَّن الكاتب من لمْلمَة شتات الأحداث وحكايات الشّخصيات المختلفة، منها: النّقيب مونتروي، والمُدرِّسة ماسي، وبيير أليغري، وولد عايشة، وسي وهاب الباديسي، وقويدر بن عصمان، وحبيب الشامبيط، وجوزيفين اليهودية.
في رواية الحركي محمد بن جبار استفز ذاكرتنا الجماعية و أبان عن وجه ظل محتجبا خلف الغيوم السوسيوثقافية التي شكلت رهبة لدى هذه الفئة .
يكشف كذلك البحث عن التعدد الأيديولوجي في رواية الحركي، الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالصراع بين الأنا و الأخر، ليجعل من الرواية فضاء تتناطح فيه أصوات مختلفة تناقض بعضها بعضا ، فالصراع هنا يتسم بشيء من الفرادة كونه على ثلاث جبهات :
الجبهة الأولى : تشكل صراع الأنا و الآخر، ممثلا في الصراع بين الحركي و المستعمر بين القبول و الرفض .
الجبهة الثانية : تشمل صراع الحركي مع أبناء جلدته، الأنا المنقسمة المتصارعة .
الجبهة الثالثة : صراع الحركي مع ذاته، يتم استبطان هذا الصراع عبر تيار الوعي الذي يكشف عن هشاشة الحركي، و ضياع أناه ،و تضارب رؤاه ،الذي يتجسد في شخصية البطل أحمد بن شارف . يتكيء البحث على بعض أليات المنهج السوسيوبنيوي للإجابة عن جملة من الإشكالات تتمثل في : كيف ينظر التابع للآخر ؟ كيف يعيد أدب الهامش قراءة الواقع ؟ هل الخوض في المسكوت عنه يعد ثورة ضد الكتابة ؟ ما مدى نجاعة الراوي في كتابة التاريخ و ملء فجواته ؟
أتى في الصفحة : “لا تهم الأحداث التاريخية التي سوف أسردها بدقة بافتراض علمي بها بقدر ما اريد تجسيد تلك العواطف الجياشة بطبيعتها وهي اضعف من صوت الرصاص و دوي المدافع و فرقعات الجزمات وصفير الإنذارات….فأنا يتيم الحرب والتاريخ والوطن، من موقع الهوان والمرض أحدثكم” سمعنا صوتك يا أحمد بن شارف الحركي و حركت فينا شيئا ما ظل منبوذا وغير مفكر فيه، حركت فينا مشاعر الإنسان ودفعتنا للتساؤل: ما الوطن؟ وما الإنتماء؟ وما معنى الشرف والخيانة؟ وهل يلتقيان ؟