تبدأ أحداث الكتاب الأول (( وميض النار )) في سنة ١١٩هـ، وتحديداً في قصر الرصافة الذي اتخذه الخليفة " هاشم بن عبد الملك " مقراً لهُ، عندما يلتقي الخليفة شيخاً كبيراً "محمد بن علي بن عبدالله بن العباس وولده إبراهيم " وسط أجواء من الانقباض والريبة بسبب تفشي ما سميت بذلك العصر بـ" النبوءة"، حيث شاع بين الناس أن رجلاً من بني العباس سينتزع الملك من بنو اُمية، وأنه يقتل بني اُمية مقتلة عظيمة حتى لا يبقى عليها أموي .
في الوقت الذي كان الشيخ يدعو سراً لهذه " النبوءة " حيث اجتمع النقباء في خرسان والعراق من بني العباس للثورة على بني اُمية تحت راية آل بيت محمد " الرايات السود" ولأخذ الثأر للطالبيون، وقد وقع الاختيار على بلاد فارس لتنطلق منها الدعوة خصوصاً أن كثير من الفرس كانوا لا يزالون يدفعون الجزية رغم إعلانهم للإسلام وأنهم يرون العرب ما هم الا قوماً من الأعراب الجفاة الحفاة، فقد وجدوا من هذا الانقلاب المخرج من هذهِ المفارقة في دعوة لا تخرجهم من الإسلام ولكنها تخرجهم من هيمنة العرب، حتى وأن كان بني العباس من العرب الا إن مكانتهم ستكون مؤثرة في مفاصل الدولة الجديدة ويصبحون أصحاب قرار بعد أن كانوا مهمشين فهم قادة الدعوة الجديدة .
وسط أجواء التوتر والمؤامرات والانقسامات في البيت الأموي وظهور شوكة العباسيين، كلها أحداث تشد القارئ لمعرفة ماذا سيحدث، ليتفاجئ الأخير ببحثهِ عما ستؤول عنها الحياة بالغلام " إبراهيم بن ختكان السراج" ؟ يأخذك الكاتب إلى ارض المؤامرات والدسائس " خرسان " ليقص عليك قصة شاب سراج فقير واعجابه لأميرة من أميرات بلاد فارس وهو العبد الفقير!!، يأخذك " وليد سيف " إلى أغوار النفس البشرية الرافضة للخنوع والخضوع بلغة جميلة وقصة أجمل بطلها مدافع عن حقيقة كونه إنسان ومن حقهِ أن يطمح بعيداً عن حظوظ اليوم…. " نعم يا سيدي…. أنا سراج …. وهي مهنة أعتاشُ منها… الآن …. ولكن غلام السراجين لا يبقى غلاماً ولا سراجاً، أن كانت له همة عالية، وكان يطلب الغاية البعيدة، وأنا رجل قارئ".
_لا تنظر إلى من هم فوقك فتشقى، ولا تتمنَ ما لا تطول، فلا تغنم غير الحسرة، وارضَ بما قسم الله لكَ.
_وما لذي قسمهُ الله لي؟ هل تعرف يا سيدي ؟
كان لدهائهِ وفطنتهِ وكلامهِ المعسول الأثر الكبير في قربهِ من النقباء في سعيهم لنشر أخبار ظهور " الإمام المهدي"، الأمر الذي مكنهُ من مجالسة كبار الثائرين وعلى رأسهم " محمد بن علي بن العباس "، لتجد نفسك متسائلاً عن حقيقة هذا الغلام ؟ هل يعمل في خدمة بني العباس في صراعهم مع بني اُمية؟ أم في خدمة نفسه لخطةً نذر نفسه لها؟ ولكن من طلب أمراً تجهز له بِعدتهِ، ليُمنح اسم جديد من قبل الإمام إبراهيم بن محمد بن علي، " عبدالرحمن بن مسلم " أبو مسلم الخرساني "" ومن بعدها أصبح رئيس الدعوة في خرسان.
بعد أن تصدع البيت الأموي بل وتقعرت جدرانه، وصل الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى الحكم وحقق مسعاه في التنكيل بأبناء هشام وبني القعقاع " يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ "، تاركاً بيت الخلافة ومنساقاً خلف شهوته ومجونهُ وقد فاته أن الرعية تتقلب كتقلب الماء في القدر، لعل القطرة التي أفاضت الكأس هو قرارهُ بتسليم " خالد القسري " الذي جاءهُ ناصحاً بتغيير حاله إلى والي العراق لقتلهٍ، الأمر الذي دفع العديد من القبائل الموالية للقسري وشيوخ بني القعقاع لدخول دمشق وعزل الوليد وتنصيب أبن عمه خليفة للمسلمين بعد أن حكم الوليد ما يقل عن سنة واحدة فقط!! فقد امسى حال الدولة الأموية من القوة والعزة إلى الضعف والهوان فأصبح حالهم كمن يرقع الثوب من الثوب نفسهِ…. ربما الضوء الوحيد في هذهِ العتمة هو نضوج شاي اسمهُ " عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان "، فمن هو ولماذا سمي بالداخل ؟
يبدأ الكتاب الثاني (( إعصار النار )) في العام ١٢٩هـ وهو التاريخ الذي أعلن فيه الإمام للجميع ان الغلام السراج أصبح أسمهُ " عبد الرحمن أبي مسلم الخرساني " هو قائد الدعوة في خرسان ورئيساً لاصحابهِ، الأمر الذي لم يعجب الكثيرين وعلى رأسهم " بن كثير" قائد الدعوة المُنحى، فكيف لسراج أن يصبح قائداً على أسيادهِ !! نعم يا سيدي… انا سراج… ولكن غلام السراجين لا يبقى غلاماً ولا سراجاً. إن كانت له همة عالية.." هل تذكرتني ؟؟؟, ولأنهُ كبير الدعاة في خرسان واليد اليمنى للإمام في بلاد فارس، فقد ارسل الإمام إلى أبي نجم والد " جلنار " أبنة الأمراء من رفضتهُ سابقاً لفقرهُ المُدقع وحالتُ الرثة حيث يقول الإمام " اما بعد, فبعد الولاية التي لي عليكم وأهل بيتكم، فأني اخطب ابنتكم لصاحبنا وكبير دعوتنا في خرسان، أبي مسلم، عبد الرحمن بن مسلم وقد سقت معهُ صداقها". فهل حقق السراج ما يصبوا اليه؟ ام ان النفس البشرية لا تكف عن المطامع؟ أما هناك مآرب أخرى؟ أم هي عجائب تصاريف الأيام؟ أم هو ثأر مقيم منذ القادسية؟
كان هذا حال البيت الأموي المُتداعي في المشرق كما كان مسلمة بن عبد الملك يتنبأ، ليأخذنا وليد سيف بقلمهِ إلى المغرب حيث الأندلس التي تعيش واقع أمر وأدهى من المشرق، حيث سادت الطبقية وانقسم الناس إلى طوائف " قيسي، يمنية،…." وانتشر القتل والثأر في ربوع الاندلس، فهل ستتحقق النبوءة. " أهلاً بالأموي الذي يحيي دولة بني اُمية في المغرب، بعد زوالها في المشرق".
عندما تقرأ لـ" وليد سيف" فكن على بينة من أنك ستذهب بروحك إلى زمن ليس بزمنك لتعيش حياة هي تاريخك وذخيرتك وذُخرِكَ، لكن من يأخذك إلى أغوار تلك الحياة قادر بجملة واحدة أن يغير جلستك وسكونك بل وقادر على نفضك بكل قوة، فالجملة التي هزت كياني هي تلك المحادثة التي دارت بين زوجة " يوسف الفهري" بعد أن رفض إمارة الأندلس وقصورها وفضل عبادة الله وقراءة القرآن، حيث تقول زوجتهُ:
_ فمن أولى منك أن يطهرها من تلك المصائب والذنوب، ويعيدها سيرة الراشدين؟
_ فيجيب الفهري :" أين هم الصحابة ليكون أميرهم من الراشدين؟".
هي جملة واحدة كفيلة بصفعك بل وجعلك في حيرة من أمرك….
على الرغم من فشل كبار الأندلس من إقناع الفهري إلا أن في بيت الفهري كان هناك حليفاً أكثر إلحاحاً وإقناعاً…." أريدهم على الجنة، ويريدونني على النار"…. تأتي الحمى من القدمين، حل يوسف الفهري في دار الإمارة في قرطبة!!!
◦ في المشرق :
أرى بين الرماد وميضَ جمرٍ
ويوشك أن يكون لها ضرامُ
فإن النار بالعودين تذكى
وإن الحرب مبدؤها الكلامُ
فإن لم تطفئوها تجِن حرباً
مشمرةً يشيبُ لها الغلامُ
فقلتُ من التعجب ليتَ شعري
أأيقاظ اُمية أم نيامُ
فإن يقظت فذاك بقاء ملكِ
وإن رقدت فأني لا اُلامُ
ارتفت الرايات السود ووميض النار قد امسى اعصارٌ مهدداً مُلك بني اُمية ومتوعداً بمحوهِ وفناؤه….
فراخ عامين إلا أنها كبرت
لما يطرن وقد سُربلن بالزغبِ
فإن يطرن ولم ويُحتل لهن بها
يُلهبن نيران حربٍ أيما لهب
وفي السادس والعشرون من نيسان لسنة ٧٥٠م _ ١٣٢هـ دخل العباسيون دمشق لتبدأ عمليات البحث والاقتحام والإعدام والسحل والصلب على الخشب ورفعت الرؤوس المقطوعة على الرماح لكل من لهُ صلة باُمية…. " ولا تزر وازرة وزر أخرى ؟" هكذا تؤول الأرض عدلاً بعد أن ملأها بني أُمية جوراً؟
ينتهي هذا الجزء بقتل بني أمية وملاحقة " عبد الرحمن بن معاوية " خوفاً من تحقق النبوءة بعد أن تحقق شقها الأول بأنهُ الفتى الذي يحيي ملك بني أمية في المغرب بعد زوالها في المشرق .... تمت
بانتظار المطاردة الكبيرة
#محمد_وليد
#الرايات_السود