من يومين بشتري الجرائد لقيت الكتاب ده ولأن كنت لسه شايف حلقة برنامج اليوتيوب في الحضارة عن محمود درويش و ياسر العرفات فاشتريت الكتاب مع الجرائد ، ولكني لم أكن اعلم أني سأعيش مع الكتاب في توحد تام طوال يومين ، اتحرك والكتاب في يدي ، أعيد احياناً قراءة بعض المقاطع و أردد أشعار درويش المختلطة بالحكي المتزامن عن مراحل حياته فافهم ما كنت أجهله و يظهر ما بين السطور وتكشف الإستعارات عن نفسها من خلف جدران الجُمل الأبيات الشعرية. كم قاسى هذا الشاعر الذي حين عرف انتهاء طفولته في السادسة ببداية رحلة لجوئه ، وجده الذي ساله عن معنى كلمة لاجئ فرد قائلاً أن لا تعود طفلاً بعد اليوم. عن وجوده بدون اوراق أو هوية في دولة لا تعترف به ، ليقول في قصيدته بطاقة هوية في قلب الكيان عام ١٩٦٤م التي صدرت في ديوان أوراق الزيتون ...
سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألف وأطفالي ثمانية وتاسعهم.. سيأتي بعد صيف فهل تغصب؟ ..... ّسجل أنا عربي ولون الشعر .. فحمىّ ولون العين .. بنيّ ميزاتي: على رأسي عقال فوق كوفية وكفي صلبة كالصخر تخمش من يلامسها وعنواني: أنا من قرية عزلاء .. منسية شوارعها بلا أسماء وكل رجالها .. في الحقل و المحجر فهل تغضب؟
عن قريته العزلاء (البروة) التي اصبحت مستوطنة ، عن لقاء مع أحد المستطونين فيها من جانب صحفي كان يعرف درويش ، فسأل المستوطن عن درويش لم يعرفه ، قال له شاعر كان يحيى هنا ، رد المستوطن لم يكن هنا شئ سوى الأطلال والأشجار ، قال الصحفي ، هل ما زال هناك بعض أشجار الفاكهة؟! رد المستوطن نعم ، حين كنا لا نزال اطفال اعتشنا علي ثمارها ، تين و توت وكل ما خلق الله ، انها طفولتي هذه الأشجار. فرد الصحفي ، وطفولته أيضاً.
في كتابه حيرة العائد يقول درويش ( لم تكن الصحراء إذاً ، ولا خالية من السكان ، يولد طفل في سرير طفل آخر ، يشرب حليبه ويأكل توته وتينه ، ويواصل عمره بدلاً منه ، خائفاً من عودته ، وخالياً أيضاً من الإحساس بالإثم ، لأن الجريمة من صنع أيدٍ أخرى ومن صناعة القدر ، فعل يتسع المكان الواحد لحياة مشتركة؟! وهل يقوى حلمان على الحركة الحرة تحت سماء واحدة ، أم أن على الطفل الأول أن يكبر بعيداً وحيداً بلا وطن وبلا منفى ، لا هو هنا ولا هو هناك ، سيموت جدي كمداً وهو يطل علي حياته التي يعيشها آخرون ، وعلي أرضه التي سقاها بدموع جلده ليورثها لأبنائه ، أما أنا فسأبحث عن أخوة الشعوب في حوار لا ينتهي ، عبر باب الزنزانة ، مع سجان لا يكف عن الإيمان بأني غائب)
هذا الرجل الذي سيرتحل بين موسكو والقاهرة وبيروت وتونس و باريس وامريكا ولكن لن يعود أبداً لفلسطينه ، سَيُكتب علي شاهد قبره ..
علي هذه الأرض سيدة الأرض 🇵🇸 علي هذه الأرض ما يستحق الحياه 💔
برغم أن أشعار محمود درويش رفيقة دائمة إلا أن القصائد وهي موزعة عن مراحل حياته معبرة عنها في معرفة تامة لأحواله وقت الكتابة تضيف بُعداً واقعياً أكثر.. ولأن الواقع مؤلم فتضيف بُعداً مؤلمٌ أكثر..