تستعرض هذه الترجمة سيرة موجزة للروائية البريطانية شارلوت برونتي (1816-1855) اعتمادًا على كتابين هما The Life of Charlotte Bronte لإليزابيث غاسكل الصادر عام 1857 وكتاب The Brontes in Brussels لهيلين ماكيوان الصادر عام 2018. كما تضم هذه الترجمة الرسائل الأربع الباقية التي كتبتها شارلوت إلى حبِّ حياتها المسيو قسطنطين هيغر.
قراءة ممتعة ودافئة على شدة قصرها ومحدودية عدد صفحات الكتاب الذي احتواها. فحياة الأخوات برونتي مادة ثرية بحكايات لا تقل في محتواها الدرامي عن محتوى الحكايات التي كتبتها الأخوات الثلاث في حياتهن القصيرة.
يسرد الكتاب حياة الأخوات برونتي منذ بداية زواج أبويهم، مرورا بوفاة أمهم وعيشهم حياة منعزلة في البراري كان لها عظيم الأثر على كتاباتهم الأدبية. ثم مأساة أخيهم "براونويل" الذي أدمن المخدرات وتُوفي في عمر مبكر وكانت وفاته بداية من سلسلة وفيات متتابعة لتلك الأسرة التعسة.
بالكتاب ثلاث رسائل خطتها شارلوت لأستاذها البلجيكي "هيجر" والتي تكشف عن مدى الألم الذي عاشته شارلوت نتيجة مشاعر حب غير مرغوب بها. ذلك الألم العميق كان أكبر ملهم لروايتها الخالدة "جين آير" والذي توجت نهايتها بنهاية أكثر سعادة من التي شهدتها شارلوت في الواقع.
أيضاً يكشف الكتاب عن عمق علاقة شارلوت بوالدها وخاصة عندما تقدم العمر به وطالته أمراض الشيخوخة. أصبح يجمع بينهما الخوف من الفقد بعدما أصبح كلا منهما هو الرفيق الوحيد للأخر. تلاحق شارلوت التعاسة حتى بعد زواجها المتأخر وحملها، إذ لا يتحمل جسدها الضعيف عبء الحمل وثقله، فتتوفى قبل أن تتم الأربعين.
تخيل لحظةً بأنَّ أحد أطفالك بعيد عنك مسافة 160 فرسخ ، وعليك انتظار ستة أشهر بدون الكتابة إليه ، وبدون استلام خبر منه ، بدون مضي...سماعه أو محادثته ، أو معرفة أحواله ، ستفهم حينها بسهولة مقدار صعوبة في التزام مثل هذا . سأخبرك صراحةً بأنني خلال هذا الوقت من الانتظار حاولت نسيانك . إنَّ ذاكرة الإنسان عندما يعتقد بأنه لن يرى امرأ بعينه مجددا ويكن له الاحترام رغم ذلك تُعذب العقل بما يفوق الحد وحين يُعاني الإنسان هذا النوع من القلق سنة أو سنتين سيكون مستعداً لفعل أي شيء ليسترد سلامه العقلي . لقد فعلت كل شيء . سعيت وراء ما أشغل به نفسي ، ومنعتها تماما من متعة الحديث عنك حتى لإيميلي لكني لم أتمكن من قهر حسرتي أو نفاد صبري وهذا مهين حقا- من عدم معرفتي كيفية السيطرة على أفكاري ، أو أن أكون عبدة الأسى ، والذاكرة ، عبدة فكرة راسخة ومُهيمنة أضحت مستبدة على عقلي . لم لا يُمكنني أن أحظى منك بمقدار الصداقة التي تحظى بها مني لا أكثر ولا أقل؟ سأكون حينها في منتهى الطمأنينة ، وحرة لأحفظ لساني وألتزم الصمت عشر سنين دون جهد يذكر.
يتضح لي يا ميسيو بأن أقسى ما يُوجع بمرارة في المحن الجسدية الجسيمة يكمن حين نكره كل من حولنا على مقاسمتنا معاناتنا ؛ بمستطاعنا إخفاء آلام النفس لكن العذابات التي تهاجم الجسد وتدمر قواه لا يُمكن إخفاؤئها . تركني والدي هذه الأيام أقرأ له وأكتب ، ويبدي ثقته في كما لم يبدها من قبل قط ، وفي هذا مواساة جليلة