ما بين النص المكتوب كتعبير لغوي، ومابين الصورة التى تُنتج فى نهاية صراع كبير يضع المُخرج فى معضلة حقيقية.بين لحظة التجلى و التدفق الحُر للفكرة ،و الإصطدام بالسوق و رأس المال و الرقابة و الإنتاج، يظل المُخرج يحتفط بيوتوبيا غامضة تتمثل فى نص السيناريو الذى يجري اضفاء طابع من القداسة عليه بعد إتمام عملية الإخراج، يظل السيناريو أشبة بفردوس مفقود دائمًا ما يبحث عنه المُبدع.لكن هُناك فارق كبير بين أن تُعبر بالكلمة و ان تُعبر بالصورة، هُناك شروط قد تُمليها الصورة لا تفرضها الكلمة و اللغة، يقف فى وسط تلك الثنائية قدرة المُخرج على إظهار الإستعارات اللغوية بصريًا، وأعتقد أن وظيفة المُخرج الحقيقية تتمثل فى الإهتمام باللغة المجازية لكُي يستبصر المشاهدون المجاز و الإستعارة و الكناية وكل مفردات اللغة المجازية...قد يصنع المجاز حُبًا، أو حربًا.
بالنسبة للفيلم نفسه،بعيدًا عن السيناريو الذي وصفه رضوان الكاشف بأنه تم "ترويضه ليُناسب الظروف العملية للإنتاج"، فأعتقد أن "سينما الهوامش" الذي تحدث عنها، فى مقابلة "سينما المدينة" التى إعتادت عليها السينما المصرية منذ بداياتها لم يكُن من السهل إنتاجها و تصوريها على الشاشه لأن الخبرة السينمائية المصرية بصريًا لم تستوعب بعد وجود هوامش، حالها كمِزاج "الحداثة الغير مكتملة" التى تمر بها مصر منذ مائتي عام تقريبًا، وبالتالى ظلت المدينة/المركز فى مواجهة الريف و الصعيد/الهامش حتى فى مُخيلة و بصر السينمائيين، والأفلام التى تحدثت عن هذا الهامش تأتى على استحياء كل فترة لتُعيد من جديد تذكير الوعي البصري المصري بمصر أخري لم تظهر فى معالجات كثير من السينمائيين. (الطوق و الأسورة لخيري بشارة، والأرض ليوشف شاهين أبرز نموذجين)..أعتقد أن الأفلام من نوعية عرق البلح تعالج بشكل أو بآخر حالة "الإنتقال من البراءة إلى الخبرة" التى تمثل فى وجه منها حالة "الإنتقال من المُجتمع التقليدي إلى مجتمع حديث (متعلق بالحداثة)" ، هى نفسها حالة "الإنتقال من سينما المدينة إلى سينما الهوامش"... يُمثل فيلم "ابن النيل" ليوسف شاهين المعالجة الأقرب للإنتقال بين المركز و الهامش ،وان تم بشكل حاد بصريًا حيث يُشعرك أنك إنتقلت من عالم إلى عالم آخر بشكل حاد غير مُمتع بصريًا على الأقل.
و بناءًا على السابق، فأعتقد أن شريهان هى الوجه الأقدر فى التعبير عن حالة البراءة تلك الاولي،و يقابلها حنان تُرك بنت المدينة المتمرسة..ربما!
كل الأبعاد وعدة إسقاطات في الإنسانية والتاريخ .. خيال محايد , بل والأروع نزع الأقنعة الحضارية التي تبعد عن البراءة الأصيلة الإنسانية التي كادت أن تنقرض ..