كان ذلك أول حبّ في حياتي، لوجهٍ لم أحفظ سواه. ضحكتها تقودني إلى فكّ التفاصيل بعضها عن بعض، واستياؤها يقودني إلى ربطها، والنوم بجانبها يمنح الليل سكينة، والنظر إلى وجهها في لحظات ما قبل النوم يفتح باباً لشمس الصباح، والمكان الذي تكون فيه يملأ قلبي بالفرح. كانت، حين تركض إلى المطبخ لإطفاء البوتوغاز، يسبقها قلبي إلى ذلك، وأثناء ارتشاف الشاي كنتُ ألمح وجهها بعينين أتركهما فوق حافة الكوب، وأحياناً تتوافق نظرتانا من فوق حافة الكوبين ونحن نتقابل على طعام الإفطار. كنتُ أرتشف عينيها، وكنتُ أهتمّ بمكان جلوسها، فإمّا أنْ أجلس بجانبها فأشعر بكثافتي، أو أنْ أجلس في الجهة المقابلة لها فأشعر بامتدادي. وحين يقرع أحد جرس باب البيت وتسبقني في فتحه لا أنظر في وجه الزائر، بل في وجهها حين تستدير، وكأنّها هي الزائرة بعد فراقٍ طويل.
استطاعت هذه الرواية أن تأتي بما هو جديد من خلال حصر الاهتمام السردي بالحاضر والحياد، الحاضر من خلال سرد ما يدور من أحداث مع الشخصيات التي يقابلها نديم ، دون العودة او الاستسلام للحنين أو للذكريات بالإضافة الى حصر هذا الحاضر بمكان واحد هو فرن الشباك ، وقد نجح الكاتب في استدراج المتلقي للبحث عن الحدث أو ما يشبه البنية الكلاسيكية النصيّة للرواية العربية ليصطدم المتلقي بحقيقة أن الشخصية الأساس (نديم ) وما تعانيه من فتور وحياد ولامبالاة اكسبتها الكثير من الحكمة ومقاربة هذه الحالة الشخصية بحالة الأفراد الاخرين تشكل بحد ذاتها قصدية النص وغايته. لم يركز راهيم حسّاوي على النواة أو الموضوعة بقدر ما ركز على الهالة الفردية لكل شخصية في هذه الرواية، وقد جاذف حين جعل السرد هو عكاز النص الوحيد دون دعمه بتقنية الوصف والحوار المكثفين مما أفقد النص ايقاعه السريع وجعلنا أمام احتمالين إمّا الصبر والمغامرة والركض خلف قصدية الكاتب او الهروب من هذا النص نحو نص آخر.
هي رواية بعيدة من كل زمن وقريبة من كل الأمكنة...رواية من صاروا شريحة شبه معدومة ...شريحة اللامبالين بصمتهم السائمين من صخب الأفراد وقلقهم.
رواية تنبض بالنوستالجيا و الحنين. الشخصيات مصورة بشاعرية مفرطة احيانا لكنها تعلق في الذاكرة. ما ان تدخل الحارة حتى تكون شخصية فيها تبتسم حين ترى مقهى الست ايناس وتتطاير نظراتك حين تقطع سلمى الشارع. أما ريا الأخت الحنون ستصنع منك اسطورة حين تطلق النار عليك بمسدس ورقي.