هو كتاب ينتقل إليك حماس مؤلفه كالعدوى!، ففي هذه المقالات ينطلق على سجيته العلامة محمد فريد وجدي في الحديث عن أن الدين الإسلامي هو دين الفطرة، وأن الله شرع الإسلام ليكون دينا عالميًا للبشرية كلها، فبه كل الخصائص – التي أقرّها وأستنبطها أخيرا العلم الحديث في القرن التاسع عشر والعشرين – لكي تجعله مصدقًا لقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فتجلى في الإسلام الكمال الذي تندفع لبلوغه الفطرة الإنسانية، وأنه – تعالى – أقامه على المبادئ الإنسانية العامة والأصول العمرانية الخالدة، لا من أجمل المصلحة المادية الخاصة أو المنفعة المحلية القاصرة على جيل أو جنس أو زمان محدود ..
ولبيان تأثير الدعوة فقد أختار الله لهذه (الثورة العالمية العامة) – أي رسالة الإسلام – اختار الله أن يكون مصدرها جزيرة العرب حيث لا توجد حياة اجتمعاية ولا علوم عقلية ولا نقلية، ولا عمران ولا مدنية، فهي – والكلام له – زواية من الأرض قاحلة كانت قد استنفدت كل مواردها في تنازع البقاء، والتناحر على أحقر الأشياء ..
وأن الإسلام جاء ومعه مجموعة من (الحوافظ الاجتماعية) تحميه من العلل المختلفة التي قد يتعرض لها أي نظام ..
فمن ناحية العلل الاقتصادية، أرصد أصلين من لب العلم الاجتماعي وهما التعاون والزكاة، وأن المؤمنين أخوة، وأن يجب أن يكون بينهم من الترابط الاقتصادي ما تقتضيه هذه الصفة، فيحرم على كل واحد منهم أن يبيت شبعان وجاره جائع، ويوجب عليه أن يكون في ماله حق معلوم للسائل والمحروم ..
ومن ناحية العلل الاجتماعية التي تأتي من ناحية الطوائف والطبقات، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: المسلمون في تساويهم كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو بعمل صالح ..
ومن ناحية العلل المدنية التي تتسرب إلى المجتمع من تطور العادات والإخلاد إلى الترف والملذات، فأن الإسلام لا يحرم زينه الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق، ولكنه حرم منها ما لا يليق بكرامة الإنسانية من الإغراق فيها وما تدعو إليه الشهوة البهيمية الجامحة منها، وما يميت في نفوس الرجال صفات الرجولة، وما يخرج بالناس إلى حدود التهتك والعبادة، وما يعدو على الاموال والأعراض ويغري بالإسراف وإضاعة الوجود، ويعرض المجتمع لخطر الانحلال والتلاشي
ومن ناحية العلل البنيية – جمع بنية – فقد احتاط لها بإقامة بنية جماعته على المبادئ الإنسانية العامة التي لا يعتريها تبدل ولا تحول كطلب الخير المحض والتطلع إلى الكمال الخالد، وسن شرعة التجديد – أن الله يرسل على رأس كل مئة من يجدد لهذه الامة أمر دينها – وأباح الاجتهاد وأعلى سلطان العقل حتى على نصوص القرآن الكريم، إذ أباح للناس تأويلها إن عارض ظاهرها حكم العقل والعلم الصحيح!
فيقول في نهاية هذا فصل (أسباب تدهور الأمم الإسلامية وكيف يعود الإسلام إلى مجده؟):
فأنا لستُ أقول إن المسلمين مهما افتتنوا بالمدنية الحاضرة وعلومها، ومهما قطعوا صلتهم بالإسلام سيرجعون إليه فحسب، ولكني أقول إن العالم كله سينتهي إليه، لا مقودًا بتلمس دين يدين به، ولا جريًا وراء عقيدة ينتحلها لنفسه، ولكن حين يعلم أن كل الاصلاحات التي أهتدى إليها رجال العلم في تهذيب أساليب النظر، وكل النتائج التي تأدى إليها غطارفة الفلسفة في تقويم الطبيعية الإنسانية، وإقامتها على الجادة القيمة المؤدية إلى الخير المحض، قد سنّها الإسلام ودعا إليها بنصوص صريحة، كما بينّا ذلك تفصيلا، فيرى الناس كافة إذ ذاك أنهم في الإسلام وإن لم يعملوا للوصول إليه، لأنه صبغة الله التي لا تنصل، وفطرته التي لا تنسخ، وسنته التي لا تتبدل، فيقولون كما قال (جوث) الفيلسوف الألماني: إذا كان الإسلام هو هذا، فنحن إذن فيه!
ثم يتوقف هنيهة عن المتابعة في بيان عالمية الإسلام، لكي يصحبنا منذ البدء في بيان ما هو الدين على إطلاقه، وما هو الوحي، وعن نشأة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفجأة وهو منشغل بمعالجة هذه المباحث على ضوء العلوم الإجتماعية الحديثة يصيح كما صاح أرخميدس: أوريكا!، أوريكا!
أو كما صاح عالم النباتات في معمله بأعلى صوته عندما كان يرى تحت المجهر شريحة صغيرة من زهرة أدهشته براعة الصنع ودقة الوضع فيها، فصاح: لقد رأيت الله!
هذا عندما يقول الأستاذ محمد فريد وجدي في حماس طاغٍ:
وها أنا، وأنا مشتغل بهذه المباحث، أشعر بما شعر به المستكشفون قبلي من هزة العجب، فقد رأيت تحت نور العلم العصري الساطع، والفلسفة الوضعية الصارمة، أن الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، والأصول التي أصّلها باعتبار أنها الدين العام للإنسانية كلها، وآخر كلمة ينزل ملك إلى الأرض بها، يصح أن تكون دينًا وأصولا لا لبشرية نصف حيوانية كبشريتنا الحالية فحسب، ولكن لبشرية ارتفعت عن مستوى الأدناس النفسية والخلقية كلها، والتحقت بالملأ الأعلى، واستقبلت حياة فاضلة تعرج بها إلى الكمال الأقدس ..
وأنت خبير بأني إذا ذكرت العلم والفلسفة، فإنما أذكر النقد المر، والتمحيص المرهق، والتحليلات المدققة، والمقارانات الشاقة، وإن دينًا يمر من كل هذه الامتحانات ويترك كل وسائل الفحص عاجزة حياله، لهو أمر يعتبر في هذا القرن من الأمور التي تستهوي العقل، وخاصة إذا كان أهله يعتقدون عقيدة راسخة أن الأديان لا تحتمل أهون نقد، ولا تثبت أمام أقل تمحيص ..
فهل ألام وأنا أعرض كل هذه الآيات البينات على القارئين أن يزدهيني الإعجاب بها، فأعرب عن بعض ما أشعر به حيالها من الإكبار والتقدير؟
..
الكتاب جديرٌ بالقراءة
وكل عام وأنتم بخير وأثابكم الله خيرًا عميمًا