Christian Bobin is a French author and poet. He received the 1993 Prix des Deux Magots for the book Le Très-Bas (translated into English in 1997 by Michael H. Kohn and published under two titles: The Secret of Francis of Assisi: A Meditation and The Very Lowly
لا أعرف الطريقة التي يكتب بها كريستيان بوبان كتبه، ولكنني بتّ متأكدًا بعد ثالث كتابٍ أقرأه له، بأن لديه قوة سحرية تجعله قادرًا على تحويل كل كلمة يكتبها إلى نوتة موسيقية. بعبارة أخرى، مستعارة منه وبتصرف طفيف، لست مهتمًا بما يقوله ولكنني مهتم بالطريقة التي يقوله بها. الطريقة هي السحر .. هي الموسيقى .. هي كل شيء.
"إنني أبحث عن جملة لأتخذها بيتا لي" كتب الشاعر الفرنسي كريستيان بوبان الذي رحل في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر الفارط عن سن تناهز 71 عاما:" أمضيت حياتي بين الكتب، بعيدا عن العالم. وقد جعلت من كتبي من دون أن اعلم، ما تفعله العصافير غريزيا بأغصان الشجرة العارية. فهي تُحزّزثها وتَهْرسُها إلى أن تستخرج منها زُغُفا تلفّه حول زغف اخرى لصنع العش"... ** الذكاء ليس مسألة شهادات علميّة. ربّما بإمكانه أن يوجد معها، ولكنه ليس عنصرها الأساسي. الذكاء هو القوّة الفريدة التي تجعل المرء قادرا على أن يستخرج من ركام حياته حفنة الضوء الكافية ليوجّهها ولو قليلا إلى ما هو أبعد من ذاته. ** ليس للطفولة بداية ولا نهاية. إنها تسكن في قلب جميع الأشياء. ** إن ما يُجرحُ في هذه الساعات هو طعم الحياة، وحُبنا للحياة. الحبّ الذي في دواخلنا هو الذي يُجرح دوما. الحب هو جرحنا الأبدي الذي يؤلمنا حتى في اللحظات التي نعتقد فيها أنه لم يعد ثمة شيء يؤلمنا. لقد علّمني التأمّل المتجهم في أيام الطفولة المبكرة، لسقف غرفة أو حجارة في الرصيف، أشياء عن الجحيم أكثر مما تعلمته كتب الحكمة التي قرأتها لاحقا كلّها. الجحيم هو هذه الحياة عندما نتوقف عن حبها. إن الحياة بدون حبّ هي حياة مهجورة، بل إنها مهجورة أكثر بكثير من شخص ميت. لكن حتى في هذه الساعات لا أفقد تماما. إنك، يا حبيبتي، الفرح الذي يتبقى لي عندما لا يبقى أي فرح. سأخبرك يومًا مدى السرعة التي أنساك بها مع أوّل وجه يعترضني، ومدى السرعة التي أجدك بها فيه بمجرد مواصلة النظر إليه. إنني أبتسم بينما أكتب هذه الرسالة، وربّما لم أكتبها إلا من أجل هذه الابتسامة التي تمنحينني إياها. ماتزال لدي أشياء كثيرة لأخبرك بها. ربّما سأضعها في الكتب القادمة: لم أكتب في حياتي شيئا واحدًا لم يكن إليكِ. وها أنا أواصل الكتابة على أمل أن تنقذني حماقة الحب من غباء الأدب. ** . ثمة في داخلك اشمئزاز طفولي من أي مجتمع، وأي مجتمع يبدأ من شخصين يقرّران أن يقولا بعض العبارات الكارثية من قبيل: أنا وزوجي نعتقد أن.. أنا وزوجتي اعتدنا أن... في الواقع، النساء هن اللواتي يردن الزواج يردنه إرادة مطلقة ومجنونة. ويبدو أن الرجل يخضع إلى هذه الإرادة في النهاية. يدخل المؤسسة الزوجية كأنه يدخل وظيفة جديدة، يتعلم قواعدها مثل طفل يحفظ دروسه مُرغما وباكيا. ولأنه لا يتوقع الكثير من الزواج، لا يُصاب الرّجل باليأس ولا تتملكه أي رغبة في الخروج منه حتى وإن كان على حافة الإفلاس، كمن يتمسك بالبقاء في وظيفة لم تعد توفّر له أيّ متعة ولكنها مع ذلك تضمن له جرايته آخر كل شهر.
مشاهدات من كواليس مسرح الحياة؛ مواقف وتجارب، صراعات وتساؤلات، وفاتورة أخطاء مؤجلة الدفع.
---
مراجعة:-
باقة من نصوص نثرية، تحتضن قصص قصيرة ذات مغزى، حول عناوين إنسانية واجتماعية وسيكولوجية، عبر رؤية نقدية، تمزج بين عمق الفكرة وبساطة المعنى، إذ يسهل استيعابه، مع القراءة المتأنية. نسيج لغوي بديع متجانس، من حيث توظيف التشبيهات والاستعارات؛ (المؤلف)، وصياغة تراكيب الجمل؛ (المترجم).
---
إحصائيات:- عن "صفحة سبعة للنشر والتوزيع"، صدر باللغة العربية، الطبعة الأولى، سنة 2021. يقع في 91 صفحة.
---
اقتباسات:-
"الذكاء هو القوة الفريدة التي تجعل المرء قادرا على أن يستخرج من ركام حياته حفنة الضوء الكافية ليوجهها ولو قليلا إلى ما هو أبعد من ذاته، إلى الآخر التائه هناك". (17).
"إن الحزن الوحيد الذي يعترضنا في هذه الحياة يأتي من عدم قدرتنا على تقبله دون أن نجعله أشد قتامة بشعورنا بأن شيئا ما فيه يعود إلينا". (20).
"مهما كانت حياتنا معزولة عن الآخرين وضائعة في الأعالي التي تعبث بها الريح، لن تكون جد قريبة منا إلا في حفنة من الوجوه التي نحبها، وفي تفكيرنا المتجه نحوها، وفي هذه النفحة الدافئة التي يرسلونها إلينا ونرسلها إليهم من خلال التذكر". (38).
"عندما يخيم الخوف على الطفولة، يتبخر فورا. وعندما يخيم على الكبار يبقى، ويتراكم، كما لو كان ثلجا. ثلج لا يتساقط على العالم بل على أرواح الناس". (53).
"ليس للشر سبب آخر غير لا مبالاتنا، ولا يمكن أن ينشأ الخير إلا من مقاومة هذا السبات، ومن أرق يصيب الروح ويأخذ انتباهنا إلى أبعد نقطة متوهجة فيه، حتى وإن كان هذا النوع من الاهتمام الخالص مستحيلا بالنسبة إلينا". (87)
" نحن لا نبحث في هذه الحياة جميعا الا عن شيء واحد:نمتلئ به- ان نحظى بقبلة ضوء على قلوبنا الرمادية ، ان نعرف عذوبة الحب الذي لا ينضب. ان تكون حياً هو ان تكون مرئياُ.إننا نرى النور بمجرد ان ينظر الينا أحدهم بحب."
"ثمة في الألم نقاء دؤوب ، كما في السعادة ، وهذا النقاء يسلك طريقه تحت اطنان من الخيال المتجمد."
" الذكاء هو القوة الفريدة التي تجعل المرء قادرا على ان يستخرج من ركام حياته حفنة الضوء الكافية ليوجهها و لو قليلا الى ماهو ابعد من ذاته ، إلى الآخر التائه هناك، مثلنا، في الظلام."
" إن الحزن الوحيد الذي يعترضنا في هذه الحياة يأتي من عدم قدرتنا على تقبله دون أن نجعله أشد قتامة بشعورنا بأن شيئا ما يعود الينا:لا شىء في هذه الحياة يعود الينا و لا حتى براءة سماء زرقاء."
" ماهو هذا الحب الذي لا يحتاج إلى أي كلمة حتى ينادينا؟ما الذي نكونه حتى نفرح كل هذا الفرح بلوحه بسيطة:مربع من الضوء على جدار اسود؟"
"الجحيم هو هذه الحياة عندما نتوقف عن حبها.ان الحياة بدون حب هي حياة مهجورة.بل انها مهجورة أكثر بكثير من شخص ميت"
يغرقني هذا الكاتب بالشاعرية الرقيقة التي ترقص بين كلماته بنصوص يصعب تصنيفها في عالم الكتابة لكنها تحتوي على عذوبة الشعر و ثراء القصص القصيرة . تتحول كل كلمة من كلماته الى لوحة براقة و موسيقى عذبة تجمل هذا العالم الغارق في القبح و الرثاثة..
إننا نرى النور بمجرد أن ينظر إلينا احدهم بحب. يحب ان نترك القاع في انحداره المستمر إلى القاع إننا لم نصنع إلا من حب أولئك الذين نحبهم ولا شيء آخر..
غارق كريستيان بوبان في حب الحياة رغم كآبته وحزنه على فراق زوجته التي ماتت فجأة دون سابق إنذار، ولا مرض.. ينحت بوبان كلماته من الشجر من المحبة من الصدق من اللطف والرقة، وخاصة من العزلة التي فرضها على نفسه بعد أن فارقته حبيبته وشريكة عمره.. مؤلمة كلمات بوبان وممتعة.
اعوم في حزن لأغرق في حزن آخر بشكل آخر، إنه الحزن الساحر.. شكرا كريستيان بوبان حتى وأنت في عالم آخر غير عالمنا ، شكرا لك..
عندما تمتلىء الكلمات بالأفكار.. وتبحر بنا الكلمات في الحياة بشكل عذب.. وعندما يتلاقى الأدب بفلسفة الحياة. تقف أمام السطور كمن يقف أمام لوحة رسام.. ذكرتني صفحات هذا الكتاب بلوحات "إدوارد هوبر" وتلك الدهشة التي تملأ روحي عند مشاهدتها. رسم بوبان في هذا الكتاب مجموعة من اللوحات عن الحياة اليومية ومعاناة الإنسان ورحلة البحث عن معنى الحياة.. هو ليس كتاب عن الحب.. بل تأملات في لحظات عميقة في الحياة.. تلك التي تمتلىء بالحب والشر والخوف والصمت.. عن الشجر الراسخ عن الأحلام ودهشة الأطفال.. كم كنت محظوظة أن أبدأ هذا العام بذلك الكتاب.
ذهول ذهول ذهول!!! أول كتاب اقرأ للكاتب ولا أعرف الطريقة التي يكتب بها كريستيان بوبان كتبه، لكنني بتّ متأكدة إنه لن يكون آخر كتاب اقرأه له و راح أتعمق أكثر بكتاباته لا زلتُ منذهلة جدًا، غرق الشاعرية و الحب و العذوبة المتفردة، "بالمعنى الحرفي ساااااااحر "
يقول كرستيان بوبن: ثمة الشيء الذي نرويه، وثمة الطريقة التي نرويه بها. الطريقة هي ما تصنع الفارق.
وهذا الكتاب تطبيق فعلي لهذه المقولة!
يكتب بوبن مشاهدات عن الحياة، الحب، المرأة، الطفولة، الذكريات، العالم، والله. قد لا نلتفت لها ولا تخطر ببالنا إطلاقًا. لكن كريستيان يجرها، يؤطّرها في إطار جميل ليكتب عنها بإسلوبه الفريد الشاعري ويعطيها بعدًا يحمل كل المنطقية المتوافقة تمامًا مع اعتقاداتنا وأهوائنا. هذا السحر مارسه هذا الكاتب الفرنسي -ولأول مرة أقرأ له- ليس فقط كي يجذبنا إلى نصوصه البديعة وأفكاره الفريدة في هذا الكتاب، وانما يدعونا سحره إلى البحث ما استطعنا وقراءة المزيد من أعماله.
هذا العمل يرفض التصنيف الأدبي فما ستقرأه ليس مجموعة قصصية بل مجموعة من القطع السردية حيث لا توجد حبكة ولا أحداث لكنك سترى و تسمع وتشعر كما يحدث للراوي .. متمرداً بوبان عن النسق الأدبي للقصة يحكي لنا مشاهد و مواقف يكثف فيها المعاني .
"الحياة في المجتمع هي أن يكون الجميع موجودين دون ان يوجد أحد حقا . الحياة في المجتمع هي عندما يرضخ الجميع لما لا يريده أحد."
سيدفعك اسلوب بوبان الشاعري و مزاجه التأملي إلى قراءة الكتاب حتى آخر صفحة ، عباراته رقيقة الشكل ثقيلة الوزن .