ينتهي إدغار موران في دراسته الرائدة حول الوضعية الانثروبولجية للموت إلى أن فكرة الموت بلا مُحتوى ، أو بطريقة أخرى الموت: أكثر الأفكار الفارغة فراغاً . ومن ثم فأن محتواها ليس مُفكراً فيه وليس قابلًا للتفسير ، محتوى مجهول نظرياً . فالرعب من الموت هو خوف من الفراغ ، من الغياب المُطلق ، رعب من عدم الوجود ، وضمير الموت هو ضمير صادم ، ويظل كذلك .
"ما الوطن؟" سؤال طرحه موریس باريز، وأجاب: "إنه الأرض والموتى". من السهل أن نجد في العنصرين المكونين للوطن شيئاً مشتركاً واحداً: وهو أنهما ليسا نتاج الاختيار. لا يمكن اختيارهما بحرية ، فقبل أن يفكر الإنسان في أي خيار يختارهُ ، يجد نفسه وقد ولد على أرض بعينها وينتسب إلى سلسلة من الأسلاف والأجيال القادمة. ويمكن له أن ينتقل من أرض لأخرى، لكنه لا يستطيع أن يأخذ الأرض معه، ولا يستطيع أن يصنع أرضاً أخرى له. ويمكن له أن يغيّر رفاقه، ولكنه لا يستطيع أن يغير أحد أمواته، أسلافه الأموات الذين يخصونه ولا يخصون غيره ، فلا يجوز لهُ أن يحول موتى الآخرين إلى أسلاف له .
عن مساعي الثقافة وسلوك المجتمعات البشرية حيال الموت والخلود المتمثلة في عزل الموت وإنكاره، عزله من خلال استبعاد الموتى جسديا بل وإخفائهم حتى عن العقول والأفهام، وإنكار جوهر الموت بجعله أشكال متغيرة من الوجود الأبدي كما في تناسخ الأرواح في الديانات الشرقية او من خلال خلود الروح في الأديان السماوية. وقد ساهمت طقوس التعامل مع الموتى في تعزيز هذا الإنكار من خلال وضع الطعام في القبور بل والتحف وغيرها. تميزت هذه الطقوس بالطبقية من خلال مقدار الحداد وكثافة مظاهره وسرعة دفن الميت او تأخيره وعرضه . اما الخلود فقد كان حكرا على النخب السياسية والدينية بينما كان أمام عامة الناس طريق وحيد وهو التضحية من أجل خلود الأمه فهم مجرد ارقام في كتلة الخلود الجماعي. مع بزوغ فجر الحداثة ، تلاشت قدرة الدين على الإجابة عن سؤال معنى الحياة إذ لم يعد الموت هو الدخول الى مرحلة اخرى من الوجود با اختزل الى مخرج خالص وبسيط ولحظة توقف فأصبح ينظر له كفضيحة كبرى للمغامرة البشرية التي لم تتمكن من هزيمته وتحول الموت الى امر مخز ومقيت ويجب تفكيكه الى أحداث متنوعة يمكن محاربتها كالأمراض ولكننا مهما فعلنا لا نهزمه وبذا تحول الموت من افق مطلق للحياة الى كابوس يومي . وفيما يخص الخلود سعت النخب للحفاظ على مكاسبها في وجود منافسة مفتوحة مع أصحاب الامتيازات والموهوبين ، أما الطبقية فما زالت تعمل من خلال التكاليف الباهظة للخدمات الطبية التي يراد استخدامها لهزيمة الموت وذلك ساهم في التقسيم الطبقي للمستفيدين من هذه الخدمات حسب قدراتهم المالية. وكما قامت الحداثة بتفكيك الموت قامت بتفكيك الخلود وتحويله من هدف كبير وبعيد المنال الى مكاسب صغيرة ومؤقتة في متناول اليد