أعطي الكتاب هذا العنوان لأن المؤلف كتبه في هجرته بين لندن وباريس وكندا ويتميز هذا الكتاب أيضا بنكهة خاصة أو كما قال أمين معلوف صورة الشاعر نثرا وشعورا هي الأكثر بروزا في شخصية سمير عطا الله ويرى الشاعر محمود درويش أن سمير أسلوب متفرد في زمن الرمال السائدة كما أنه ركز على الإنسانية في طفولة وظرف وحنان وشاعرية .
سمير عطا الله هو كاتب لبناني ،ولــد في بيروت العــام 1941 يكتب في جريدة النهار وجريدة الشرق الأوسط. عرف بأنه يمــزج السياســة بالأدب والثقافــة بالحــدث.
يكتــب زاويــة يوميــة في "الشرق الأوسط" منذ 1987،
ومقــالاً في صفحـة الـرأي كل خميــس.
له عشــر مؤلفــات في التــاريخ والروايــة والسفـر.
عمل مراســلا لـ النهـار في أوروبــا والأمـم المتحدة،
وعمل في الكــويت مديــراً لتحريــر " الأنباء"،
وترأس تحريــر "الصياد" في لندن و"الأسبوع العـربي" في بيروت.
يحاضر كلمــا تسنى له الوقت، ويقســم يومــه إلى قــراءة وكتابة
وساعتــين من رياضــة المشي.
متزوج وله ولــدان وبكــره يدرس الاقتصــاد في الجامعــة الأميركيــة في بيــروت.
عــاد إلى لبنــان منـذ عامين بعد ربــع قــرن في كندا وباريس ولندن.
لم استطع الإنتظار لاقتناء هذا الكتاب، بعد أن سمعت منه مقتطفات في برنامج روافد على لسان مؤلفه. كنت متأكداً من الجوده الفنيه له، يكفي بأن مؤلفه سمير عطا الله.
لقد أعاد لي متعة القراءه. مسافات في أوطان الآخرين ، يا لهذا العنوان كم أذهلني.
حين قرأت لسمير عطا الله من قبل بناء على توصية من صديقة مقربة، لم أجد نفسي في كتاباته، لكن تشاء الأقدار أن يكون هذا الكتاب هو أول ما اشتريته من معرض الكتاب هذا العام، و لأقول إنني منبهر لن يكفي لوصف هذا الكتاب. مكتوب إن الكاتب كتبه في أثناء هجرته، لكني أعتقد إن قلبه ظل معلقا في وطنه. تشعر بين السطور بمرارة الكاتب في غربته رغم انبهاره بالتقدم و النظام الغربي لكنه لا يبدو مستعدا لمبادلة هذا بوطنه. يظهر هذا في مقالات مثل "صخور من شعر" و "سيدة في الصف الطويل" و "معليش و أخواتها". لكن سرده لا يخلو من المعلومات الخفيفة عن الأماكن التي زارها مثل "حليب و شوكولاتة و موتارد" عن سويسرا و "الجزار" عن الثورة الفرنسية و "في بلاد شكسبير" عن إنجلترا. حتى حين يتحدث عن تجارب شخصية لا تشعر بالملل، بل ربما تجد نفسك قد مررت بمواقف مشابهة لما مر به مثل "رجل يدعى بلوت" و "التهاب الجيوب" و "أف" و لا تملك نفسك من الابتسامة على تلك المواقف. يبدو أنه لا يُكن الكثير من الود للأطباء مثلما أرى من خلال "ماء و ملح" و "جمع مؤنث سالم" المقالات الثلاث الأخيرة مهداة إلى ولده نصري. لكن المقالات المفضلة لدي: المعذرة من الملح الحي اللاتيني و الخندق العميق المكان حيث يكونون عصير الحكمة درس في النقطة لماذا نكتب
أما اقتباسات الكتاب فتشمل و لكن لا تقتصر على
- كم هو كبير عدد الذين يسألونك، و كم هو ضئيل عدد الذين ترتاح إلى أن تطلعهم على ما بك.
- و إذا مررنا أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك عرفنا أن روكفلر تبرع بقطعة الأرض التي يقوم عليها لكي ... يرتفع سعر قطعة الأرض المقابلة.
- الخطيب الممتاز هو الخطيب الذي يعرف كيف يثير لا كيف يقنع. و أفضل الخطباء كما كان يقول دانتون هو ذلك الذي يبعث على الارتعاش في سامعيه.
- هذا الشاب سيصل إلى مراتب كبيرة. فهو يصدق حقاً ما يقول.
- يا عزيزتي لكِ علم التربية أما أنا فلي علم الحياة.
- الأصدقاء لا يشترون و لا يباعون، لا في سوق الماس، و لا في سوق الذهب.
- إن الطموح إلى الصداقة عمل سريع، أما الصداقة نفسها فثمرة ناضجة.
- الصداقة الحقة تزيل الضغط، لا تسببه.
- السعادة طائر منزلي أليف .. يغرد في الحديقة.
- هناك طبعاً هوة دائمة بين ما هو شعبي، و ما هو نخبوي. و هذه الهوة قائمة في كل زمان و في كل فن. لكن مصر لم تعانِ منها مثلاً.
- الذئاب لا تنقرض، بل المخلوقات الطيبة الكريمة وحدها معرضة للانقراض.
- فما هي لذة اللحظة التي لا تصبح ذكرى و ما هي حكمة الأ/س الذي لا يصبح أمثولة.
- سوف أفتقد ما عرفت لكنني سأعرف ما قد أفتقد.
- إن الفن في الصناعة ذروة الفنون.
- لكن الداعي لكم بطول العمر إنسان لا يتطور، و لا يتقدم، و لا يماشي العصر.
- إن أجمل المشاهد التي يمكن للمرء أن يراها هي احمرار ورق القيقب في مثل هذا الفصل[الخريف].
- إني أدعو لك إذا كتبت ألا تجعل الكتابة مثل حرفة تعيش بها و منها، بل أن تظل هواية أزلية تمنحها كل عبقرية ممكنة.
- إن أجمل ما في الحياة هو صديق و كتاب و وطن، و إني آمل أن يمن الله بها عليك ثلاثاً.
يكفيك العنوان لتقتني هذا الكتاب الذي ينبئك عن عمق الوجع الذي خلفه في نفس كاتبه, بعيداً عن وطنه, عن بيروت ولبنان, تنقل سمير كطائرة من وطن لآخر, ومن مدينة لأخرى, وهاهو يكتب لنا من الذاكرة الممتلئة صوراً وكلمات, يكتب عن تلك المسافات التي قطعها في "أوطان الآخرين"
عنوان الكتاب هو أفضل ما يصفه, فلن أجد كلمة أخرى لأصف بها محتواه, ففي الكتاب كتابات متنوعة من كل بلد, ومن كل موضوع, إنه ليس أدب رحلات, ولا كلام في السياسة, ولا ذكريات من الذاكرة, فهو يجمع كل هذا وأكثر, وقد تكون أشبه برحلة في ذاكرة الكاتب, هذا الكاتب الذي رغم كونه كان صحفياً يغطي الأحاث السياسية, إلا أنه أديباً ماتعاً, ولم تؤثر فيه كآبة تلك الأحداث و تقلبها, وأجمل وصف قرأته عنه كان قول "مودي بيطار سمعان" التي قالت أنه رغم تغطيت سمير للأحداث السياسية إلا أنه "نحى منحاً خاصاً, ركز على اللمسة الإنسانية في طفولة, وظرف, وحنان, وشاعرية".