وأنا أقرأ هذا الكتاب (مبدأ حواء) تبادر إلى ذاكرتي صورة أستاذة اللغة الفرنسية في المدرسة الإعدادية في درس لها قائلة Nous allons créer un débat. Le thème : le travail des Femmes. Qui est pour ? Qui est contre? أتذكر جيدا أن جميع فتيات الصف رفعن أيديهن لتأييد عمل المرأة. بينما رفعتُ يدي إلى جانب الأولاد مقتنعة آنذاك بأنني ضد عمل المرأة (رغم أنني نشأت في أسرة متعلمة ووالدتي كانت متخرجة من الجامعة بامتياز وتعمل كأستاذة) ضحكت مني معلمة اللغة الفرنسية في ذلك الوقت مستغربة، كانت آنسة جميلة حديثة الزواج لم تجرب بعد معنى عمل الأم.. اليوم وقد رزقت بالأطفال وتكدست عليها المسؤوليات تخبرني أنها تلعن عمل المرأة! لقد بنيتُ تصوراتي وقناعاتي آنذاك ضد عمل المرأة وفق ماعشته ورأيته وقرأته ، رغم أنني كنت أخطط بأنني سأكون طبيبة يوم ما. رأيت أمي تركض في كل وقت، كان ذلك متعبا جدا ، لم تقصِّر في حقنا كنا نعيش ونأكل مانشتهي، طعاما لذيذا ساخنا وكان البيت مرتبا ونظيفا، وكانت في الأمسيات تقرأ لنا القصص، وتلعب معنا بالقصاصات والأشغال اليدوية ، وترسم لنا... اليوم أدرك أن أمي كانت سوبر وومن كانت أحسن من الماكثات في البيت تتعجب هيا نفسها اليوم من البركة في وقتها وأن الله فعلا أمددها بالعون لكن ماذا؟ اليوم أحس أنها متعبة جدا، وأنها عاشت متعبة ودائمة الركض، لن يفهم هذا الأمر إلا من جربت ذلك.. كطفلة كان بكاء أخي الصغير في كل صباح حين تغادرنا لعملها أمرا يدعوني للبكاء أيضا.. كرهت النهوض باكرا...كنت أريد أن أعود إلى البيت وأجد أمي مشرقة.. عادت بي هذه الكاتبة الالمانية التي كتبت كتابها هذا عام 2006 أقول عادت بي للوراء في حديثها عن الحضانات وعن مفهوم السوية النفسية لدى الأطفال وعن المجتمعات الغربية والشرقية، والكاتبة مذيعة إخبارية ناجحة ومتعلمة ومثقفة وحاصلة على شهادات.... مازلت اليوم أكره عمل المرأة أو عمل الأم بصفة خاصة وأرى كما ترى الكاتبة أنه سبب الكثير من المشاكل. الكتاب عظيم جدا، لا يمكنني الحديث عن المشاعر التي أثارها في نفسي، عن تلك الدراسات والإحصائيات التي أكدت كل ما كنت أحس به تجاه عمل المرأة، حديثها عن الكثير من المبادئ والأفكار المبنية على الفطرة السوية، ومحاربتها للأفكار النسوية (الفيمينيست) واصفة إياها معظم الوقت باضطرابات عقلية ونفسية ضد الفطرة...وطبعا كل ذلك كان بسبب الأفكار الشيوعية الماركسية التي أحدثت ما أحدثته آن ذاك، وما يتجرعه العالم اليوم من تبعات تلك الأفكار.. وكما تقول أمي: "عمل المرأة اليوم شرٌ لابد منه!" لكن هل فعلا لابد منه؟ هذا ما يتناوله الكتاب ويجيب عنه.. يجيب عن كمية الشر المترتب عن عمل بنات حواء اليوم. إنه تجربة حقا فريدة من نوعها، ودراسة تحليلية عميقة تنبأت فيها هذه الكاتبة الالمانية منذ 16 سنة عن وضعنا الحالي بسبب عمل المرأة.
كل ما قالته المؤلفة في وقت صدور الكتاب -عام 2006- تشهده ألمانيا اليوم! ليس وكأن الكاتبة تنبأت بل باستقرائها للواقع أدركت ذلك، وهو واقع كل دول الغرب، تلميع المرأة العاملة عبر وسائل الإعلام وتحقير ربة المنزل بوصفها (آلة إنجاب، مستعبدة من الرجل، تقليدية، حياتها روتينية.. إلخ)، ثم ظهور الحركة النسوية -الحمقاء- والتي تُطالب بأن تكون مساويةً للرجل ثم تتبع خطاه -بالرغم من أنها تمقته بشدة!-، فينتج عن هذا تفكك أُسري، وشتات، ووحدة، وفوضى، وحاجات فطرية لم ولن تُشبع، ثم؟ انهيار في النظام الاجتماعي والسكاني ليتناقص عدد الأفراد ومعه توأد كل المشاعر الطيبة والتي لا يمكن للإنسان أن يحيا بدونها، والنتيجة=دولة قاتمة يسكنها الأشباح وتتنفس الكآبة، ودور خاوية تصفق رياح الوحدة أبوابها والنوافذ.
قراءتي للكتاب تزامنت مع ما انتشر مؤخرًا حول الأُسر المُسلمة التي تُسلب منها أطفالها في ألمانيا! ويدرك القارئ لكتاب (إيفا) أن ألمانيا تحتاج لهؤلاء الأطفال بشدة، وها هُم جاؤوها على طبقٍ من ذهب، لتشكلهم كما تريد ألآت عمل لا تفكر إلا في رفع اقتصاد الدولة... والأمر انسحب على دولنا العربية، وها نحن نرى اتباعنا لآثارهم دون إدراكٍ للعواقب.. تركنا ما فُضلنا به عن كل الناس (تعاليم ديننا) واخترنا تعاليم ما جعل الله الحيوان خيرًا منهم، وهذه والله الذلة. اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا.
أمقت النسويات اللاتي ينادين بحرية القرار ويحتقرن ربات المنازل، وأمقت ربات المنازل اللاتي يحتقرن النساء العاملات. كان هذا الكتاب مرهقًا، فالكاتبة مستميتة لتثبت وجهة نظرها، وأن تجعل من كل أم عاملة مخلوقًا شرير. ما لا تدركه الكاتبة أن الاستقلالية اصبحت في هذا الوقت ضرورة لا رفاهية في اغلب الاحيان. وبرغم أن الكاتبة ترى أن "مبدأ حواء" الخاص بها يتقدم بنا كنساء إلى الامام، إلا أنه يعيدنا في الواقع الى الوراء. فهي وبكل وقاحة تخبر النساء أن يحملن أثقال الحياة المنزلية ووضع الدولة الاقتصادي وزيادة عدد الشواذ جنسيًا. فهي ترفع كل أثقال الأعمال المنزلية عن كاهل الرجل، وتنصح النساء بأن يتركن أزواجهن يلهون بـ"كاميراتهم" في عطلة نهاية الاسبوع عوضًا عن القيام بأعمال المنزل. ثم تستمر لتخبرنا أن محاولة النساء لرفع معاييرهن وجعل الرجل منخرط في أعمال المنزل هو سبب تحول الرجال الى اولاد عديمي المسؤولية. التناقض عظيم! ثم تستمر الى ذكر أننا سنتجاهل كل الرجال الذين يسيؤون الى النساء في حياتهم لأنهم ليسوا قضيتنا. أليسوا هؤلاء الرجال هم السبب في تطرف الحركة النسوية؟ فكيف لنا أن نتجاهلهم؟ تركز الكاتبة على النسبة القليلة من الرجال ضعيفي الشخصية الذين تزوجوا نساءً قويات الشخصية لتجعل هذا الثنائي الحالة الاكثر انتشارًا في العالم وتعزو اسباب هذه الحالة"المنتشرة" لمطالبة النساء بحقوقهن. ثم تعزو كل مصائب العالم لهذا النوع من الازواج. من وجهة نظر الكاتبة، علينا أن نعود الى القرن السابق حيث للرجل السيطرة الاقتصادية وتقوم النساء بكافة اعمال المنزل وتربية الاطفال بغض النظر عن عددهم. هذا السيناريو سيعيد جميع الامور الى نصابها، وبعد ٢٥٠ صفحة من ذم النساء اللواتي لسن بأمهات، تذكرنا الكاتبة بأهمية هؤلاء النساء للمساعدة في تربية الاطفال الباقين في سطر واحد.
لم أستطع اتمامه رغم أن مواضيع المرأة عامة من أكثر اهتماماتي، لكن الكاتبة مستميتة لإثبات رأيها- الصحيح غالبا- و الذي أوافقه تماما لكنني أتحفظ و أؤمن أنه غير صالح لكل حال و مآل و لكل امرأة واسرة أو مجتمع و ظروف..
تستمد الكاتبة الألمانية إيفا قناعاتها من تجربتها كامرأة إعلامية كرّست أكثر من 17 سنة من حياتها في العمل الجاد و الشاق و من تجارب من حولها من اصدقاء و معارف و من الدراسات العلمية التي تؤكد سياق آرائها و تحميها بشراسة.. مع ذلك فإنني أرى أن موضوع المرأة، عملها، استقلالها، أنوثتها و أولوياتها موضوع مطوّل و عميق لا يُحصر في زوج و أولاد و لا يُحصر في فترة أمومتها التي ركزت عليها إيفا دون غيرها من المراحل- و ان كانت هذه تحديدا أهمها-
مشوار الحياة طويل يستوجب المرور بمحطات كثيرة و يتطلب السعي للاستقلالية كضرورة لا كرفاهية، و للاسف فإننا لا نملك عصيّ سحرية لموافقة المتغيرات التي تطرأ من الاستقلالية للمشاركة و من الحياة الفردانية للزوجية.. مع ذلك هنالك دائما حلول وسطية و هناك فعلين أساسيين للمواصلة (المرونة و التأقلم) إن الحركات النسوية عقدت المفاهيم و أقامة حروب لا فائدة منها ضد الفطرة و ضد الرجل و كل ما وجّهته إيفا من اتهمات و أسلحة منطقي و مستحق.. لكنني دائما مع الوسطية ..كامرأة تؤمن بالعمل و الاستقلالية و تؤمن أيضا بأولوياتها المتغيرة حسب فترتها العمرية و حسب أهدافها الذاتية.
في زيارتي للمكتبة بحثًا عن كتب محددة، وجدته في طريقي واقتنيته من غير نية مسبقة، وكان أهم مما ذهبت أبحث عنه في الأساس. الكاتبة كانت تصف حال النساء في ألمانيا عام ٢٠٠٦ كيف رغبن بشدة في العمل وأصبحن يمقتن أدوارهن الأساسية في الحياة. يؤسفني أن هذا الحال أصبح موجودًا في بلادنا العربية ولم أكن ببعيدة عنه، تأثرت تأثرًا شديدًا بالأفكار الرائجة وأن المرأة لا بد أن تعمل قبل أن تفكر في الإنجاب والارتباط وأنها أمور قابلة للتأجيل. جاء الكتاب ليصحح مفاهيم مغلوطة ويوقظ ضمائرنا الغافية على أحلام وهمية قبل فوات الأوان كما حدث للكثير من النساء اللواتي اتبعن هذه السبيل ولم تكن نهايتهن سوى الندم والحسرة (كما ذكرت الكاتبة). أنا قبل الكتاب امرأة، وبعد قراءته امرأة أخرى كليًا.. يجعلك الكتاب تراجعين أولوياتك في الحياة وترتبينها ترتيبًا منطقيًا صحيحًا. أوصي بقراءته بشدة خصوصًا للمراهقات والشابات بداية العشرين.
•تتناول الكاتبة قضية مركزية تتعلق بالمرأة ودورها المحوري في الحياة وكيف أن الحضارة الغربية زورت وشكلت تصورات المرأة وأخرجتها من فطرتها الأنثوية. المؤلفة هي إيفا هيرمان من ألمانيا.
•إيفا انخرطت في الحياة المهنية كصحفية لسنوات عديدة مكنتها من ملاحظة الصراعات التي تعانيها المرأة في سعيها القهري خلف ما يسمى "تحقيق الذات". وتصف هذه الحالة بقولها "أصبحت فكرة تحقيق الذات وحب الشعور بالتحرر سلاحًا منذ زمن طويل لأن الفكرة تعني للعديد من النساء: حقيقي نفسك، وتحدي الآخرين، طوري نفسك، وقاومي أولئك الذين يرونكِ إمرأة. ودون أن نلاحظ نقصد الأنانية دائمًا عندما نتحدث عن تحقيق الذات. لا نقصد الحب والتضحية والرحمة وروح المشاركة."
•تناولت في فصول عديدة من الكتاب قضية الأسرة والأمومة والزواج وكيف أن الحضارة المادية فككت الأسر وشوهت الأمومة ومفهوم ربات البيوت حيث "أن المرأة التي لا تذهب إلى العمل تحمل الطابع المعادي للمجتمع، لأنها لم تشارك في العمل الجماعي." وعن ترابط الأسرة " إذا نظرنا إلى تاريخ الحياة الأسرية، نلاحظ أن المسافة المكانية والعاطفية بين الوالدين والأطفال أصبحت أبعد."
•الكتاب محاولة جادة لإعادة المرأة لفطرتها ومكانتها الأساسية "مبدأ حواء" وتوضيح الواضحات للفرق بين الرجل والمرأة في حضارة تدعي المساواة وأنه لا فرق بينهم.ولهذا كان عنوان الكتاب "المرأة الجديدة" التي تدرك وتعيد فهم دورها وفطرتها وأهمية حياتها بنظرة جديدة.