G. Deleuze, «La littérature et la vie», in Critique et clinique
من المؤكد أن الكتابة ليست فرض شكل تعبير على محتوى معيش. يقع الأدب جهة الشكل أو عدم الاكتمال کما قال غومبرویش وفعل . الكتابة قضية صيرورة، هي دائما غير مكتملة، دائما بصدد التكون، وهي تتجاوز كل محتوى معيش ومعاني. إنها حركة، أي معبر حياة يخترق المعيش والمعاني. لا تنفصل الكتابة عن الصيرورة. عندما نكتب، نصیر امرأة، نصير حيوانا أو نباتا، نصير جزيئة إلى حد أن نتمتع عن الإدراك. تترابط هذه الصيرورات فيما بينها وفق خط معين، كما في قصة لوكلیزیو، أو هي تتواجد في جميع المستويات تبعا للأبواب والعتبات والمناطق التي تشكل العالم بأسره كما في الأعمال القوية للوفیكرافط . لا تتحرك الصيرورة في الاتجاه الآخر، ونحن لا نصير رجلا، لكون الرجل يمثل کشكل تعبير مهيمن يدعي فرض نفسه على كل محتوى، بينما المرأة والحيوان والجزيئة تتكون من خط هروب لا ينكشف حتى عندما تتخذ شكلها بذاتها. الخجل من كوننا بشر، هل هناك مبرر آخر أفضل من هذا للكتابة؟ حتى عندما تكون المرأة هي التي تصير، فسيكون عليها أن تصير امرأة، ولا علاقة لهذه الصيرورة بتاتا بحال قارة يمكن أن تدعي أنها عليها. ليست الصيرورة هي التوصل إلى اتخاذ شكل (تماهي، تقلید، محاكاة)، وإنما العثور على منطقة القرب، بلوغ درجة عدم التميز، حدود المطابقة، بحيث لا يمكننا أن نتميز عن امرأة، أو حيوان، أو جزيء: لا يتعلق الأمر بخلط وعدم دقة ولا بعموميات، وإنما بلا متوقع، بغير السابق في الوجود، وهو لا يتحدد في شكل، إلى حد أنه يجد فرادته في مجموع. بإمكاننا إقامة منطقة قرب مع أي شيء، شريطة توفير الأدوات الأدبية المناسبة لذلك، مثلما يتم مع النبات النجمي حسب أندري دوتيل شيء ما يمر بين الجنسين، وبين الأجناس. الصيرورة تكون دائما «بین» أو «وسط»: نصير امرأة بين النساء، حيوانا بين حيوانات أخرى. بيد أن الصيغة النكرة لا تفعل فعلها إلا إذا كان الطرف الذي يعمل على أن يصير قد نزعت عنه الخصائص الشكلية التي تعطيه صورة المعرف هذا الحيوان المشار إليه. عندما يصير لوكليزيو هنديا، فهو هندي غير مكتمل، لا يعرف «فلاحة الذرة ولا تهييء قطع زورق»: يدخل في منطقة قرب أكثر مما یکتسب مميزات شكلية. الأمر ذاته بالنسبة لكافكا وبطل السباحة الذي لا يعرف العوم. كل كتابة تحتوي على جانب رياضي، ولكن بعيدا عن أن أوفق بين الأدب والرياضة، أو أن أجعل الكتابة لعبة من الألعاب الأولمبية، فإن هذه الرياضة تتم في الهروب والخذلان العضوي: إنه رياضي فوق السرير کما كان يقول الشاعر میشو. إننا نصير حيوانا بقدر ما يموت الحيوان، وعلى عكس ما يذهب إليه حكم مسبق ذو نزعة روحية، فإن الحيوان هو الذي يعرف كيف يموت، وهو الذي يحس بذلك ويستشعره. يبدأ الأدب بموت الخنزير الملحمي، حسب تعبير لورانس، أو موت الفأرة حسب كافكا: « قوائمنا الصغيرة المسكينة الحمراء وقد امتدت في حركة استرحام». نكتب من أجل الثيران التي تموت، كما كان يقول موریتز . على اللغة أن تبلغ منعطفات نسوية، حيوانية وجزيئية، وكل منعطف هو صيرورة قاتلة. ليست هناك خطوط مستقيمة، لا في الأشياء ولا في اللغة التراكيب هي مجموع المنعطفات الضرورية التي تستحدث كل مرة للكشف الأشياء من حياة. ** في المفهوم مسلسل طويل من سوء التفاهم طبع المفهوم. صحيح أن المفهوم يتصف بالضبابية والتعويم، لكن، ليس لأنه من غير حدود: وإنما لأنه متشرد، غير استدلالي، في تنقل عبر بساط محايثة. إنه قصدي أو توجيهي، ليس لأنه يخضع لشروط مرجعية، وإنما لأنه يتكون من تغيرات مترابطة تمر عبر مناطق من عدم التميز، فتبدل حدودها. لا يحيل المفهوم إلى شيء بعينه، لا إلى المعيش، ولا إلى الأحوال القائمة، وإنما هو يتمتع بقوام يتحدد بمركباته الداخلية: لا إحالة إلى الأحوال القائمة، ولا إلى دلالات المعيش، المفهوم هو الحدث من حيث هو معنی خالص يعبر المركبات بكيفية مباشرة. لا يقابل المفهوم عدد، صحيح أو كسري، عن طريقه يعد الأشياء التي يمثل خصائصها، وإنما يقابله رقم يكثف ويراکم مركباته التي يمسحها ويعبرها. المفهوم شكل أو قوة، وليس إطلاقة دالة أو وظيفة. مجمل القول، فلا وجود للمفهوم إلا فلسفيا وعلى بساط محايثة، وليست الدوال العلمية ولا القضايا المنطقية بمفهومات. ** أود أن أقول ما هو الأسلوب. إنه میزة من نقول عنهم عادة « إنهم لا أسلوب لهم..». ليس الأسلوب بنية دالة، ولا ترتیبا وليد تفكير، ولا إلهاما عفويا، ولا تهييئا وتوزيع موسيقيا، ولا لحنا يتردد. إنه تولیف، توليف منطوقات. الأسلوب هو أن تتمكن من التأتأة في لغتك، أمر صعب، لأنه يلزم أن تكون هناك ضرورة لمثل هذه التأتأة. لا يتعلق الأمر بأن يكون المرء تمتاما عند الكلام، وإنما أن تكون لغتنا تأتأة. أن نكون أجانب في لغتنا ذاتها. [...].
علينا أن نكون مزدوجي اللغة حتى داخل لغة بذاتها، علينا أن نحوز لغة أقلية داخل لغتنا، علينا أن نستخدم لغتنا استخدام أقليا. ليست التعددية اللغوية حيازة نظم عديدة يكون كل واحد منها متجانسا في ذاته فحسب، بل هي أولا، خط الهروب الذي يمس كل نظام مانعا إياه من التجانس. لا أن نتكلم كإيرلندي أو روماني بلغة أخرى سوى لغتنا، بل بالعكس أن نتكلم لغتنا نفسها كأجنبي. يقول بروست: « إن المؤلفات الرائعة تبدو وكأنها كتبت بلغة أجنبية، فخلف كل كلمة، يضع كل منا المعنى الذي يراه، أو على الأقل، الصورة التي يراها، والتي غالبا ما تكون مضادة للمعني. بيد أن كل ما نفهمه من معان مضادة في المؤلفات الرائعة، هي معان رائعة.» هذه هي الطريقة الجيدة للقراءة: كل المعاني المضادة جيدة، شريطة ألا تكون تأويلات، وإنما أن تتعلق بكيفية استعمال الكتاب، وأن تعدد استعمالاته، وأن ترسم لغة أخرى في لغته. «الكتب الجيدة كتبت بنوع من اللغة الأجنبية ...» هذا هو تعريف الأسلوب. هنا أيضا المسألة مسألة صيرورة. يأمل الناس دوما في مستقبل أغلبي ( عندما سأكون أكبر سنا، عندما أتمكن من ...). في حين أن المسألة مسألة صيرورة -أقلية: لا يتعلق الأمر بالتشبه والتصنع، لا بمحاكاة الطفل والمجنون والمرأة والحيوان والتمتام أو الأجنبي، وإنما أن نصير كل هذا، كي نبتكر قوى جديدة أو أسلحة جديدة. [...].
**
ليس للكتاب موضوع، ولا ذات فاعلة من ورائه. إنه مؤلف من محتويات شكلت بطرق متنوعة، وفي تواريخ وبسرعات شديدة الاختلاف. ما إن ننسب الكتاب إلى ذات فاعلة، حتى نهمل فعل المحتويات وبرانية العلائق بينها. كأننا نعمل على اختراع إله رحيم يرعی حرکات جيولوجية. في الكتاب، كما في باقي الأشياء، هناك خطوط تمفصل، واقتطاعات وطبقات ومواطن. لكن، هناك أيضا خطوط هروب، وحرکات ترحال عن المواطن وتسوية بين الطبقات. وإن سرعات الجريان المقارنة من خلال هذه الخطوط تؤدي إلى ظواهر تأخر نسبي، وظواهر لزوجة، أو، على العكس من ذلك، ظواهر التعجل والانقطاع. الخطوط والسرعات القابلة للقياس، كل هذا يشكل توليفة. الكتاب هو هذا التوليف، ومن حيث هو كذلك، فلا يمكن أن يعزى إلى فاعل. إنه تعدد - إلا أننا لا نعرف بعد ما يستلزمه المتعدد عندما يكف عن أن ينسب، أعني عندما يرتفع إلى مستوى الاسم. إن التوليف الآلي يلتفت صوب طبقاته المكونة التي ما من شك أنها تجعل منه نوعا من المنظومة العضوية، أو من الكل الدال، أو التعيين القابل لأن يعزى إلى ذات فاعلة، إلا أنه يظل يلتفت كذلك صوب جسم من غير أعضاء ما ينفك يعمل على تفكيك المنظومة العضوية، ويعمل على تمرير الجزيئات الدالة، والشدة الخالصة، وتبني ذوات فاعلة لا يترك لها إلا الاسم كأثر يبقى شاهدة على شدة. ما هو الجسم بلا أعضاء الكتاب ما؟ هناك أجسام عديدة، بحسب طبيعة الخطوط التي نعتبرها، وبحسب قوتها وشدتها الخاصة، وإمكانية تلاقيها عند «بساط» يتكفل بانتقائها. هنا، كما في مجالات أخرى، ما يهم، هو وحدات القياس: تكميم الكتابة. ليس هناك فرق بين ما يتحدث عنه كتاب وبين الشكل الذي يؤلف به. لا غلبة إذا للموضوع في الكتاب. من حيث إن الكتاب توليف، فهو فحسب يدخل في ارتباط مع توليفات أخرى، بالنسبة لأجسام أخرى بلا أعضاء. ** عن الحدث أحيانا كثيرة، نتردد في أن ننعت بنعت الرواقية أي طريقة قد تبدو لنا ملموسة أو شاعرية في العيش، كما لو أن النعوت بأسماء المذاهب هي أكثر حكائية وتجریدا من أن يصح إضفاؤها على أي علاقة تبدو شخصية جدا مع جرح ما. لكن من أين تأتي المذاهب إن لم تكن من الجراح والحكم الحية، حكم وجراح تكون، في الآن نفسه، حکایات تأملية مشبعة بعناصر الإثارة النموذجية؟ [ إن تجاوزنا هذا المانع فيبدو لي أنه ينبغي أن ننعت جو بوسكي بالرواقي، لأن الجرح الذي كان يسكنه، في جسمه، بشكل عميق، كان لا يدرکه هو، رغم كونه متعلقا به، بل وبسبب من كونه متعلقا به في جسمه، إلا في حقيقته الأبدية كجرح، أي كحدث خالص. ما يميز الأحداث هي أنها بقدر ما تتحقق بنا، فإنها تنتظرنا، وتأخذنا في لجتها وتشير إلينا «جرحي هذا كان موجودة قبلي، أنا الذي وجدت لأجسده». وأن نصل إلى هذه الإرادة، التي هي إرادة في ما يصنعه الحدث؛ أي أن نصبح تقريبا علة ما يحصل فينا؛ أن نصير الوسطاء فيها؛ أن ننتج نحن الوجه والواجهة المقابلة التي ينعكس عليها الحدث، هذا ما يجعل البهاء الخاص للحدث؛ البهاء الذي لا انتماء خاصا له، ينعكس، كشيء غير شخصي وسابق على كل عنصر ذاتي، فيما وراء العام والخاص، والجمعي والفردي - ويجعل منا مواطنين عالميين. يقول جو بوسكي: «كل شيء في أحداث حياتي، كان حيث ينبغي أن يكون قبل أن أتملك أنا هذه الأحداث وأجعل منها شيئا خاصا بي، وأن أحياها كما هي؛ أن أجد نفسي مدفوعا بأن أطاوعها، كما لو أن ما يحصل فيها لم يكن يتعلق إلا بما أريده أنا، كما لو أن الأفضل والأكمل، الذي كانت تحمله فيها، لم يكن متعلقا إلا بي». (عند هذا المستوى يصير المعنى العميق للأخلاق هو: لا تكن دون مستوى وقيمة ما تكابده، أن نعتبر ما يحدث لنا هو ظلم لا نستحقه ( بأن نتهم الآخرين بكونهم السبب)، هذا هو ما يجعل جراحاتنا تتعفن، وهذا ما يجسد الضغينة في ذاتها؛ لأننا حينها نعمد إلى أن نقابل الحدث بالضغينة، ولا شيء أمعن في سوء النية من سلوك مثل هذا. إن ما يجسد العنصر غير الأخلاقي بالفعل، إزاء الحدث، هو هذا الاستناد إلى المفاهيم الأخلاقية: العدل والظلم، الاستحقاق والذنب. ما الذي يظهر لنا من معنى الحدث حينما نراه کما هو؟ هل يصير معناه الخضوع للحرب [ في حالة بوسكي حين تنادي، والقبول بالجرح والموت حين يتحققان؟ ليس الأمر كذلك إذا إن الخضوع، وفي أحيان كثيرة، لا يكون إلا وجها آخر للضغينة، من حيث إن من طبيعة الضغينة أن تمتلك أقنعة كثيرة. وإذا كانت إرادة الحدث هي أن نمسك بحقيقته الأبدية، باعتبارها النار التي تستعر في عمقه وتحفظ له استمراريته، فإن هذه الإرادة في الحدث، ستبلغ حد تصير معه الحرب شيئا نعلنه ضد الحرب ذاتها، ويصير معها الجرح، هذا الأثر الحي الذي يجسد في ما يظهر منه كل الجراحات، هو الموت الذي نقلبه، بإرادتنا، على كل أشكال الموت الأخرى. إنه الحدس الإرادي أو الانتقال. يقول بوسكي: «في مقابل الاستلذاذ بالموت، الذي لم يكن إلا هزيمة الإرادة، سأشد أنا شهوة في الموت ستمثل اكتمال وذروة الإرادة عينها». من هذا التلذذ إلى هذه الشهوة، يبدو الا شيء يتغير إلا التغير الذي يلحق بالإرادة، التغير الذي يتقدم كقفزة في نفس المكان، قفزة يبادل بها الجسم، في كليته، إرادته العضوية، بإرادته الروحية؛ إرادة لا تظل متعلقة بما يحصل تماما، بل بشيء في ما يحصل، شيء سيأتي وسيكون مناسبا لما ما سيأتي، شيء متوافق مع محددات تناسب معتم وساخر في نفس الآن، شيء هو الحدث. بهذا المعنى ستصير قناعة «أحب قدرك» متطابقة تماما مع ما يصارع لأجله الأحرار. أن يكون في الحدث معاناة خاصة بي أنا، لكن أن يكون فيه أيضا بهاء وقبس يجفف هذه المعاناة، ويجعل الحدث، من حيث هو شيء نريده، يتحقق من وجهه الأكثر شحذا، في حدة طرف فعل ما، هذا هو أثر التكوين الساكن، أو الفهم الناصع البياض. إن قبس وبهاء الحدث هو المعنى، أي الحدث من حيث إنه ليس شيئا يأتي (عرضا - حادثا)، بل من حيث هو ما يجسد ذلك التعبير الخالص الذي يشير إلينا نحن، والذي يتربص بنا. يبدو الحدث، تبعا لهذه التحديدات الثلاث السابقة، في صورة ما ينبغي علينا أن نفهمه، وأن نريده، وأن نتمثله في هذا الذي يأتي، يقول بوسكي: «كن إنسان مكابداتك، تعلم كيف تجسد في معاناتك كمالها وقبسها ...» يبدو أننا لن نستطيع أن نضيف شيئا آخر لهذه العبارة، بل لعله لم يسبق أن قيل شيء أفضل من هذه العبارة، أن نصير جديرين بما يحصل لنا، وأن نريده ونستخلص منه الحدث؛ أن نصير أبناء أحداثنا عينها، وبهذا نولد من جديد، أي أن نصطنع لأنفسنا ولادة جديدة، نقطع بها مع ولادتنا العضوية الأولى، [...]. لماذا غالبا ما يأتي الحدث في صورة طاعون أو جرح أو موت؟ هل مرد ذلك هو كون الأحداث الحزينة تتحقق، بطبيعتها، أكثر من الأحداث السعيدة؟ الجواب هو بالنفي، إذ إن كل حدث هو على الحقيقة مزدوج في ترکيبته، إذ إننا مع كل حدث نجد الزمن الحاضر الذي يتحقق فيه الحدث، الزمن الذي يتجسد فيه هذا الحدث في وضع معين للأشياء مع فرد أو شخص، وهذا هو الزمن الذي نشير إليه بقولنا قد آن الأوان، ها قد جاءت لحظة الحقيقة، والمستقبل والماضي لا يكون لهما من دلالة عند هذا الشخص الذي تجسد معه الحدث إلا قياسا لهذا الحاضر المتناهي، لكننا مع كل حدث نجد جانبا ثانيا هو مستقبل الحدث وماضيه مأخوذین قیاسا للحدث ذاته، الحدث وهو ينفلت من كل حاضر، بما أن من طبيعة الحدث أن يكون متحررة من كل التحدیدات ومن كل أوضاع الأشياء الآنية التي نمسك به فيها، على اعتبار أن الحدث [ في طبيعته هو غير ذاتي وقبل فردي، غير دال وغير عام ولا خاص eventum tantum..... الحدث الذي هو بالأحرى، ما لا يملك حاضرا يتحقق فيه إلا حاضر اللحظة المتحركة، هذا الذي دائما لا يأتي إلا مزدوجا في ماض۔ مستقبل؛ وما يجسد ما ينبغي أن يسميه بالتحقق المضاد. هكذا ستبدو لي حياتي، في وضعية أولى، واهية وضعيفة، قياسا إلي، ستبدو مجرد شيء ينفلت عند طرف معين ليتجسد معي. لكن في وضعية ثانية، أناي أنا هو الذي سيبدو أضعف قياسا إلى هذه الحياة التي تحضر في صورة تتجاوزني، حياة ترمي في كل مكان بتفرداتها التي لن تتعالق معي ولا مع أي لحظة تحضر كحاضر، إلا في لحظة ستكون غير شخصية، لحظة تنعكس في شيء ما يزال مستقبلا، ولكنه أيضا وفي نفس الآن، شيء حصل - ماضيا. وأن يكون هذا الغموض هو بالأساس غموض الجرح والموت، غموض الجرح المميت، لا أحد بين هذا أفضل من موريس بلانشو: إن الموت هو ما يكون في علاقة جذرية وحصرية معي ومع جسدي، أي ما هو قائم في أنا، لكنه في الآن نفسه ما لا تكون له من علاقة معي. إنه غير الجسمي، إنه المصدري الذي لا يقبل التصريف، أي ما لا يتأسس إلا في ذاته. هنا نجد، من جهة جانب الحدث الذي يتحقق ویکتمل، ثم من جهة أخرى، «جانب الحدث الذي لا يمكن لاكتماله أن يحققه». هناك إذن نوعان من الاكتمال [في الحدث تحققه وتحققه المضاد في الآن نفسه. بهذا لن يكون الموت وجرحه مجرد حدث من بين أحداث أخرى، إذ إن كل حدث هو كالموت، مزدوج وغير ذاتي [لا يصرف في ازدواجيته. «إنه هوة الحاضر، الزمن المفتقد للحاضر الذي لا يمكن أن أبني معه أي علاقة، إنه ما لا يمكن أن أمتد نحوه، إذ فيه أنا لا أموت؛ فيه أفقد قدرتي على الموت، إنه ما فيه نموت، إذ إننا لا نتوقف ولا ننفك نموت». ** "عندما نفتح نصا لنيتشه کیفما اتفق، فتلك واحدة من المرات الأولى التي لن نمر فيها عبر الدواخل، سواء تعلق الأمر بداخل النفس أم داخل الشعور، داخل الماهية أو داخل المفهوم، أعني كل ما شكل مبدأ الفلسفة على الدوام. ما يحدد أسلوب الفلسفة التقليدية، هو أن العلاقة مع الخارج فيها لا بد وأن تمر عبر وساطة وتذوب عن طريق داخل، أو في داخل من الدواخل. أما نيتشه، فإنه، على العكس من ذلك، يقيم الفكر والكتابة في علاقة مباشرة مع الخارج.. إن النداء نحو الخارج تيمة ثابتة عند فوکو، وهي تعني أن التفكير ليس فقط ممارسة فطرية لملكة من الملكات، وإنما أمر يحصل للفكر ويداهمه. التفكير لا يتوقف على باطن طاهر يلتقي عنده المرئي والمعبر عنه، وإنما يتم بفعل تدخل خارجي يحفر البون الفاصل، ويسلط قوته على الباطن فيخلخله". لوكریس وهیوم وسبينوزا ونيتشه، يبدو لي أن هناك رابطة خفية تتكون من نقد السلب، وتمجيد الغبطة، والنفور من الدواخل، والإيمان ببرانية القوى والعلائق، وفضح السلط... إلخ. إنه نيتشه، الذي قرأته فيما بعد، هو الذي أخرجني من هذه الورطة. لأنه لا يمكن أن يعامل هو كذلك مثل هذه المعاملة. أبناء من خلف الظهر، هو الذي يولدك إياهم. إنه يغرس فيك ميلا لا يخلو من انحراف (لم يستطع لا مارکس ولا فرويد أن يغرساه في أحد، العكس هو الصحيح): إنه الميل لأن يقول كل منا باسمه الخاص أشياء بسيطة، أن يتكلم عن طريق الانفعالات والشدة والخبرات والتجريب. أن تقول شيئا باسمك الخاص، هذا أمر نادر. لأنه ليس حينما تحس أنك « أنا»، أنك شخص أو ذات فاعلة، هو، على الإطلاق، الوقت الذي تتكلم فيه باسمك. بالعکس، یکتسب الفرد اسما خاصا بحق، عقب تمرین شاق صارم كي يتحرر من شخصه، وينفتح على التعدد الذي يخترقه من كل ناحية، وعلى عناصر الشدة التي تسري فيه. الاسم كإدراك لحظي لهذا التعدد في شدته هو النقيض المقابل للتحرر من الشخصية الذي يقوم به تاريخ الفلسفة. هناك يكون التحرر من الشخصية محبة وليس خضوعا. ويتم الكلام انطلاقا من أعماق ما لا نعرفه، انطلاقا من عدم نضجنا الخاص. آنئذ نغدو جماعة لتفردات متحررة، جماعة الأسماء، وصفات، وأشياء وحيوانات، وأحداث صغيرة ** ليس المرض حركة، وإنما هو توقف عن الحركة، مثلما هي «حالة نيتشه». وهكذا فالكاتب من حيث هو كذلك، ليس مريضا، هو بالأحرى طبيب، طبيب نفسه، وطبيب العالم. العالم هو مجموع أعراض مرض يمتزج مع الإنسان. يبدو العالم حينئذ كمشروع صحة: لا لأن الكاتب بالضرورة يتمتع بصحة جيدة، وإنما كونه يتمتع بقليل لا يقهر من الصحة مبعثه کونه رأی وسمع أشياء تفوقه عظمة وقوة، يضنية المرور بها، فتفتحه على مصائر لا تقوى عليها صحة وعافية تامة. یخرج الكاتب من جراء ما رآه وسمعه محمر العينين، مثقوب طبلتي الأذنين. ما هي الصحة التي تكفي لتحرير الحياة حيثما كانت سجينة عند الإنسان وبواسطته، عند العضويات والأجناس؟ إنها الصحة الأقلية كما هي عند سبينوزا، مادامت مستمرة، شاهدة حتى النهاية على رؤية جديدة تنفتح عليها عند عبورها.
الصحة كأدب وكتابة، تقتضي ابتکار شعب تكون الحاجة ماسة إليه. من مهام الخيال الأدبي ابتكار شعب. لا نكتب عن ذكرياتنا، اللهم إلا إذا جعلنا منها مصدرا أو قدرا جماعيا لمستقبل شعب مازال غارقا تحت خياناته وإنکاراته. يتمتع الأدب الأمريكي بالقدرة الرائعة على إنتاج كتاب بإمكانهم أن يحكوا عن ذكرياتهم الخاصة، لكن كما لو أنها كانت ذكريات شعب كوني يتكون من مهاجري جميع البلدان. «بدون توماس فولف كل أمریکا من حيث يمكنها أن توجد في تجربة إنسان واحد بعينه». أكيد أن الأمر لا يتعلق بشعب مدعو إلى السيطرة على العالم، بل بشعب أقلي شعب ضعيف على الدوام، مأخوذ في صيرورة ثورية. ربما لا وجود له إلا في دماغ الكاتب، شعب هجين، أقلي، لا حول له ولا قوة، دائما في صيرورة، دائما غير مكتمل. لا تعني الهجانة هنا وضعية عائلية، وإنما حركة الأعراق وانسياقها. أنا حيوان، زنجي من العرق الأقلي وهذا منذ الأزل. هذه صيرورة الكاتب. کافکا بالنسبة لأوروبا الوسطى، میلفیل Melville بالنسبة لأمریکا، كلاهما يقدم الأدب كتعبير جماعي لشعب أقلي، أو لجميع الشعوب الأقلية، التي لا تجد التعبير عنها إلا عند الكاتب وعن طريقه.(45)[...].
قلب الأفلاطونية
ماذا يعني « قلب الأفلاطونية»؟ يحدد نیتشه على هذا النحو مهمة الفلسفة عنده، أو مهمة فلسفة المستقبل بصفة أعم. يظهر أن العبارة تعني القضاء على الماهيات، وكذا على عالم المظاهر. إلا أن المشروع لا يخض نيتشه وحده. فالإقصاء المزدوج للماهيات والمظاهر يرجع إلى هيجل، بل إلى كانط قبله. ومن المشكوك فيه أن يعني نيتشه ما يعنيه هذان الفيلسوفان. وفضلا عن ذلك، فإن صيغة القلب هاته تشكو من كونها صيغة مجردة. وهي لا تسلط الأضواء على الدافع المحرك للأفلاطونية. هذا في حين أن قلب الأفلاطونية ينبغي أن يبرز، على العكس من ذلك، هذا الدافع، وأن «يترصده» كما يترصد أفلاطون السفسطائي.
** قلب الأفلاطونية
ماذا يعني « قلب الأفلاطونية»؟ يحدد نیتشه على هذا النحو مهمة الفلسفة عنده، أو مهمة فلسفة المستقبل بصفة أعم. يظهر أن العبارة تعني القضاء على الماهيات، وكذا على عالم المظاهر. إلا أن المشروع لا يخض نيتشه وحده. فالإقصاء المزدوج للماهيات والمظاهر يرجع إلى هيجل، بل إلى كانط قبله. ومن المشكوك فيه أن يعني نيتشه ما يعنيه هذان الفيلسوفان. وفضلا عن ذلك، فإن صيغة القلب هاته تشكو من كونها صيغة مجردة. وهي لا تسلط الأضواء على الدافع المحرك للأفلاطونية. هذا في حين أن قلب الأفلاطونية ينبغي أن يبرز، على العكس من ذلك، هذا الدافع، وأن «يترصده» كما يترصد أفلاطون السفسطائي. كان أفلاطون يعيب على الديمقراطية الأثينية، كون أي شخص بها، وكيفما كان، يمكنه أن يدعي أي ميزة، وهذا النقد هو الذي يفسر الجهد الذي بذله لإيجاد معايير للتمييز بين هؤلاء المدعين، لقد كان عليه لكي يحقق هذه الغاية أن يشيد صنفا جديدا من التعالي، صنفا مختلفا عن التعالي الإمبراطوري وعن ذلك الذي كانت تقدمه الأساطير (حتى ولو أن أفلاطون توسل بالأسطورة وحدد لها وظيفة جديدة)؛ لقد كان عليه أن ينشئ تعالية يتحقق ويقوم في مجال المحايثة نفسه، وفي هذا بالضبط تجسد وتحدد معنى ودلالة نظرية المثل. لن تكف الفلسفة الحديثة، بدورها، عن اتباع آثار أفلاطون هذه، أي لن تكف عن السعي لإقامة معیار متعال في قلب المحايثة نفسها. هكذا يمكن أن نقول إن الهدية المسمومة التي قدمتها الأفلاطونية للفلسفة، لم تكن إلا فعل إنشائها للتعالي كمعيار، ومنحها، لهذا التعالي، حجية وقيمة فلسفية ([ما سيمثل انتصارا لنظام الحكم الإلهي jugement de Dieu))، هذا على الرغم من أن هذه المحاولة ستظل مسكونة بقدر غير يسير من صور الحرج والمفارقة، حرج ومفارقة تعلقا أولا بالدور والقيمة التي كان ينبغي أن نمنحهما للرأي (محاورة تیاتیتوس)، ثم بطبيعة الصداقة والحب ( محاورة المأدبة)، ثم استعصاء جعل المحايثة الأرضية حتوى في غيرها (محاورة طيماووس). تعذر الاستغناء عن المحايثة الأرضية.
من الكتب المُهمة التي تشير إلى ما يتجاوز الفلسفة ويتخطاها، تحدث فيها جيل دولوز عن بعض أفكاره الجديرة والمتعالقة في آن مع أفكار غيره من الشعراء والأدباء والفلاسفة. تحدث دولوز أولاً عن نوعٍ من القراءة تقف على التيار والدفق والشعور الخاص بالكتاب، وعلى العاطفة التي كُتب فيها، في محاولة لتبني الشعور من دون محاولة تحليل النص، أي أن يدرك القارئ منا "شدَّة" النص قبل موضوعه، وذلك تبعاً لنظرة فلسفية ترى بأن اقتناص الشعور أو الدفق يُمكِّننا من خلق الحقيقة مقارنة بالتمسك بالتحليل النصي الذي يوصلنا إلى المُمكنات فقط، لذلك يرى دولوز أنَّ الفلسفة كيانٌ مُستقل مهمته توليد المفاهيم وإبداعها عبر سلسلة من "الوسطاء"، ينفي كلٌّ منهم ما سبقه من مقولات ويضع مكانها مفاهيم جديدة تبعاً لضرورة تفرضها الحياة الخارجية، وذلك في مقابل النظرة التي يرفضها الكاتب، والتي ترى بأن الفلسفة هي "تفكيرٌ في" المواضيع والمُثل. من الأفكار الجميلة التي عرضها دولوز على لسان بوسكي هي أسبقية الحدث للإنسان، وكون الإنسان يعيش الحدث المقرر أصلاً فيشعر به، وهكذا يولد الإنسان من جديد عند كلِّ حدث فيسعى إلى الرقي بمستواه ليكون جديراً بالمأساة أو اللذة فيه: "جرحي هذا كان موجوداً قبلي، أنا الذي وجدتُّ لأجسده"، فالأحداث قد تكون مُستقلة عنا، تنتظرنا لأن نكونها، وهي من حيث تكوينها منطوية على ازدواجية زمانية، فهي تقع في الحاضر وترتبط بحيثياتها في الماضي والمستقبل، فتتمثل بهذه الصورة أو الكيفية عندما يعيشها الإنسان. ويتناول دولوز قلب الأفلاطونية اليوم على يد الكلبيين وغيرهم ليكون الفيلسوف محايثاً للمواضيع والتجربة الإنسانية لا منفصلاً عن الواقع ومتجهاً إلى عالم المثل السماوي، لذلك فإنه يرى بأن التجربة هي الأكثر دقة من الحقيقة، فهي ما تُثقل التاريخ وتمنحه أهميته، أما الفلسفة فتظل قيمتها مرهونة بمحايثة الحاضر وتناول مشكلاته لا بالبحث في العناصر المتعالية أو المثالية، إنها تُبدع اللغة والمفاهيم إثر ضرورات الحياة الراهنة. وفي حديثه عن الأصل الأفلاطوني فإنه ينفي تفوق الأصل على النسخ أو السيمولاكرات اللاحقة، بل يُقيم لكل سيمولاكر أو ترجمة للنص قيمة خاصة قائمة بذاتها من حيث أنها محاولة إنسانية لقول الشيء ذاته في لغة مختلفة، لذلك يرى دولوز بأن الكاتب يملك، من دون بد، لغة غريبة داخل لغته الأم، يكتب بها الأدب وتُشكل له إطاراً ذهنياً لغوياً خاصاً به.
وفي حديثه عن التجربة الفكرية فإنه يتناول تعنيف الفكرة لمَلَكة الفكر واستفزازها، لتكون الأخيرة فعلاً تأويلياً للعلامة الخارجية، إثر ذلك يتولى المُبدع مهمة إنتاج المعنى من المحفزات الخارجية في حركة فكرية لا إرادية أجبِر عليها، وهذا عكس العملية الفكرية الإرادية التي يصل فيها إلى المُمكنات فحسب، في حين يخرج بالتأويل إلى اختراع الحقيقة وخلقها من جديد في كل مرة. ثم يتحدث عن مجتمعات المراقبة اليوم والتي حلَّت محل مجتمعات الانضباط، فصار نظام السوق يُدجن الجميع بالطريقة ذاتها التي كانت بها السلطات الدينية من قبل تستعبدهم، ويصف ذلك "بالخبر الأكثر بعثاً للفزع في العالم"، إذ يقول: "فالتسويق هو وسيلة الضبط الاجتماعي المعتمدة اليوم، إنه ما يُنشئ لنا هذه الفصيلة الوقحة من السادة الجدد. تمثل المراقبة الدورة السريعة في المدى القصير، لكنها أيضاً الدورة المستمرة التي لا تنقطع، في وقت كان الضبط يُمثل المسار الطويل، النظام اللامتناهي والمفكك. لم يعد الإنسان معتقلاً، بل صار مثقلاً بالديون" غير أن هناك دائماً فرصة للعقلنة والحركة ضد تدمير النفس والآخر، لاسيما في الأعمال الفنية التي قد لا تكون مقاوِمة في اللحظة والآن ولكنها مقاوِمة أبداً في القيمة التي تحملها. ويتحدث دولوز أخيراً عن كون الكتابة صيرورة للمرء من حيث اتجاهه إلى العنصر الأنثوي أو الحيواني أو الجزيئي، أي الهارب من هيمنة التأويل الثابت للعنصر الذكوري ، بمعنى أنَّ الأدب يبدأ صيرورة تُبعد الكاتب عن نفسه وتتجه به إلى نكرة، فالكتابة لغة مختلفة تحدث شرخاً في اللغة الأم وتجدِّدها ضمن إطار أدبي خاص، وذلك في محاولة الكاتب الانتقال من الحياة إلى اللغة لفهم الأولى بالأخيرة.
هي نصوص مختارة لجيل دولوز، ترجمها للعربية الأستاذان عبد السلام بنبعبد العالي وعادل حدجامي، لهما جزيل الشكر. نصوص تختلف من حيث الموضوع، لكنها تجتمع في كونها دراسة للمجتمع الحالي بكل اختلافاته، في الفلسفة كما في الآدب. لعل نص الوسطاء كان أروع نص، خصوصا في مؤامرة المقلدين، حيث أصبح كل شيء تقليدا، خاصعا لقواعد السوق والبيست سيللر. ترجمة متميزة وأسلوب حاول تبسيط الفلسفة، بعيدا عن تعقيدات المفاهيم
This entire review has been hidden because of spoilers.