هل تساءلت يوما مثلما تساءل برهان حبيب بطل هذه الرواية: العالم يسير بين دم هابيل وندم قابيل. هل سأغيّره أنا الآن؟ مدفوعا بأسئلة الوجود الحرجة، مستعينا بالآلهة والغربان والعنف المتأصّل في الطبيعة البشرية؛ يمضي الرّوائي سفيان رجب في مغامرته السردية "مصنع الأحذية الأمريكيّة"، غير آبه بحقل الألغام الذي زرعه بيديه، وتداخلت فيه المسالك بين وعد الجنّة الواهم، وجحيم الواقع. وهنا، تنطلق الأحداث من مقالة يتم توظيفها وكاتبها في مشروع أمريكي، يوهم الجهاديين الإسلاميين الذين عادوا من سورية إلى تونس، بموت مزيّف يفتح لهم أبواب الجنة التي تقدّم كماركة أمريكية نيوليبرالية خالصة! ماعاشته تونس، وعدد من بلدان العالم العربيّ من تطرف ديني، وتمّ استغلاله من النظام العالمي الجديد لتمرير مشاريعه في السيطرة على ثروات الشعوب، واللعب بمصائرها وأحلامها؛ يضعه الرّوائي بين يديك في نص سردي ساخر، يعبر حدود النوع وينشغل بالذوات الممزقة، في سيرتها الأسطورية والرّمزية، وكيف يمكن التحكّم فيها، بتجريدها من العقل والحرّية والحبّ، الذي يبقى، في هذه الكوميديا السوداء التي تسمّى حياة ، "أوّل وآخر دين الإنسان"
يسوّق النظام العالمي لنفسه على أنه الجنة الموعودة، يدرس عن قرب كل التفاصيل المؤثرة و الحساسة في حياة الشعوب عواطفهم معتقداتهم و عقلياتهم.. يتلاعب بكل تلك التفاصيل بخبث و دهاء كي يستغل كل تلك الطاقات و الموارد و يقدّم لك ذلك في شكل حل جذري للأزمات و الصراعات.. و حين يظن أحدهم أنه كشف المخطط و عزم على المواجهة، يجد نفسه قد أُدخل عنوة في اللعبة و أصبح جزءً منها
لم يدر بخلد أستاذ الفلسفة التونسي أن مقاله الذي يحمل عنوان "لعبة الإله العاطل" سيتحول إلى مشروع حقيقي ملموس من هندسة الأمريكيين، أسياد النظام العالمي.. هذا المشروع هو عبارة عن جنة اصطناعية يتم فيها إيداع كل الإرهابيين العائدين من سوريا و إيهامهم بأنهم فعلا عبروا بوابة الموت و كان جزاؤهم جنة دنيوية -كمرحلة أولى- على ما قاموا به ..طبعا مع كل التفاصيل التي قد تصوروها، الأنهار و الثمار و الحور العين.. هذا المشروع قدمه أسياد النظام العالمي كحل جذري لتونس في التعامل مع العائدين من بؤر التوتر .. و لكن هل هو فعلا كذلك؟
و هل أن برهان حبيب، الذي يشبهه طلابه بالفيلسوف ميشال فوكو، قادر فعلا على تغيير هذا العالم كما أقنعه رعاة النيوليبيرالية؟
تجذبني تلك الروايات القصيرة التي تحمل قصصا من وحي الخيال المرتبط جدا بالواقع .. الروايات المثقلة بالرمزية التي تستفزك و تخلق في عقلك آلاف الأسئلة.. تلك الروايات التي ما إن تنتهي منها حتى تعود إلى الصفحة الأولى.. لعلك أهملت تفصيلا ما.
كتاب جميل جدا في عمقه الممزوج بسخرية الكاتب اللذيذة، منذ مدة طويلة جدا لم أكمل رواية في نفس اليوم الذي بدأتها فيه، فشكرا لسفيان رجب، الذي اكتشفت قلمه مع هذا الكتاب، لجمال ما كتبه...