What do you think?
Rate this book


270 pages, Paperback
First published January 1, 1992
يلتقط الكتاب الارتباط الوثيق بين التغيرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية السائدة في المجتمع المصري و بين الأشكال الأساسية للثقافة الروحية لهذا المجتمع و من بينها الفن. و بالتحديد فن السينما.
ذلك أن الأفلام يمكن أن نطلق عليها الضمير الجمعي للمجتمع. و هي حساسة جدا للمزاج القومي. بسبب أنها نتاج مجموعة من الأفراد و ليس لفرد واحد. و هذه المجموعة بدورها تعكس مفاهيمها للمادة المقدمة و تبني بداخلها مفاهيمها عن الجمهور الذي تحاول الوصول إليه و تحاول في نفس الوقت أن تكيف القرارات الإبداعية التي اتخذتها للوصول لهذا الجمهور.
هادنت السينما المصرية ثورة يوليو و نجحت في الإيحاء لقادتها بانطوائها تحت الشعارات التي جاءوا بها. فما أن قامت الثورة إلا و سارع حسين صدقي بتقديم فيلمه (يسقط الاستعمار) ثم مر موسم 1953 البالغ عدد أفلامه 62 فيلم دون ظهور فيلم واحد يؤيد أو يبارك الثورة أو حتى يشير إلى مجرد قيامها. و ظلت السينما في موقف المتريث و المترقب تحسبا لأي مفاجأة.
لقد كان الاعتقاد السائد بين الحكم الجدد أن الشعب ليس مهيأ بعد للديموقراطية و كانت مرحلة هيئة التحرير هي المرحلة الانتقالية في حياة ثورة يوليو. أو مرحلة إقرار القانون و النظام. و التي كانت هدفها تثبيت دعائم النظام في مواجهة معارضة متعددة المصادر و الاتجاهات.
ظهر الصدام ما بين الثورة و فئات متعددة من القوى الوطنية بعد أشهر قليلة فقط من قيامها. و لطبيعة القائمين عليها كعسكريين و لتضخم مفهوم الأمن في ذهنهم كحركة حافظت على سرية تنظيمها و تحركاتها لسنوات عديدة. كان من المحتم وقوع هذا الصدام.
و كانت المحصلة أن جانبا كبيرا من صفوة المجتمع المصري من المثقفين كان قد بدأ التعرض لها بالقمع و التنكيل و الاعتقال.
أدى ذلك إلى غياب المناخ الملائم لحرية الاجتماع و حرية الرأي على الرغم من النص على ذلك فعليا في الدستور. و أدت ممارسات النظام إلى عزل المثقفين و إبعاد ذوي الرأي و الخبرة عن مسئولية الحكم. و جعلتها حكرا على العسكريين. مما كزن بعد سنوات ما أسمته القيادة السياسية أزمة المثقفين.
و للعسكريين في العالم كله طبيعة و تكوين خاص بحكم خضوعهم للتقاليد الصارمة للحياة العسكرية. و لقدر كبير من العزلة. لارتباطهم غالبا بحياة المعسكرات مما يجعل منهم فئة تتعامل مع الحياة بالأسلوب الذي اعتادته في الجيش و الذي يغلق دائرة التفكير غالبا في حدود إعطاء الأوامر و تنفيذها و تجنب المناقشة.
فكما تحرك التنظيم منفردا ليلة الثالث و العشرين من يوليو عام 1952 ساد الاعتقاد أنه يمكن للنظام أن يبقى قائما بل و قويا أيضا. دون حاجة حقيقية لتلك الجماهير حتى و إن رفعت الشعارات باسمها و من أجلها. بل و يجب على تلك الجماهير أن تتلقى الأوامر و أن تقوم بتنفيذها دون مناقشة أو مراجعة كثكنة عسكرية كبيرة يسود فيها أسلوب التعامل العسكري المستند إلى مبدأ الطاعة العمياء و إلا وقع العقاب على من يجرؤ على الاعتراض. هذا العقاب الذي يتراوح بين العزل السياسي أو التعرض للسجن و التنكيل.
لكل ذلك و لغيره ظهر اتجاه في المجال السينمائي هدفه الحقيقي معاونة الجماهير على تحمل مآسي الهزيمة و وقعها القاسي على النفس بأعمال سينمائية تحقق التسلية و تثير الابتسامة و تلهي الناس عن الواقع الأليم الذي يعيشونه. و استغلت السينما المصرية ذلك بالأساليب التي درجت عليها السينما التجارية. باحثة فقط عن الربح المادي عن طريق أفلام متردية القيمة و موجة من أفلام الكوميديا الهابطة.
أما عن فترة السبعينات التي اتسمت بالهجرة الكثيفة للعمالة إلى دول الخليج فلم تستطع الدولة أن تتنبه إلى النتائج السلبة لعمليات الهجرة و التي لا تتوازى على الإطلاق مع نتائجها الإيجابية المتمثلة في تحويلات العاملين بالخارج.
فمع غياب رب الأسرة و تسيد الأمل و الرجاء في النزوح و سيطرة عوامل الجذب المادي و نشأة أنماط استهلاكية مدمرة مع العائدين و مع الفئات الطفيلية الجديدة. في مواجهة العجز المادي لدى الذين لم يغادروا مصر نشأ الحل الفردي. و اتسم بنوع من الأنانية. فإما النزوح للخارج كغاية لا تدانيها أي غاية أخرى و إما الانسحاب من المجتمع لتجمعات خارج حدود الشرعية. كالتجمعات الشيوعية أو الإسلامية أو اختيار القناعة كحل ظاهري يخفي تحته بركانا من اليأس و القنوط و الإحساس بالعجز كان من نتائجها أن طفت على السطح في المجتمع المصري ممارسات تقترب من حد الظاهرة كالاختلاس و الرشوة و الغش و التزوير و تزايد حالات الاغتصاب و الانحراف في بيئات لم تعرفها من قبل.
تنبه السينمائيون أيضا كقطاع من هذا الشعب لرسالة النظام الدائمة و المحذرة لكل خروج عن الإطار العام الذي رسمه النظام الذي رفع شعار الديموقراطية و مارس ضربا من الديكتاتورية. و كان حصاره لنشاط المعارضة التي سمح بوجودها تأكيدا لذلك. و اتهام المعارضة بالعمالة و الخيانة و الإلحاد. و إشاعة جو من الإرهاب الفكري و الانتهاكات المتكررة للدستور و القانون و القبض من حين لأخر على عناصر إعلامية أو نقلها من مؤسساتها إلى أماكن أخرى لا تستطيع ن تمارس نشاطها من خلالها. و التعديل الدستوري بأبدية رئيس الجمهورية. كانت تلك ممارسات النظام الحقيقية التي توافقت مع قوانينه الرسمية لتمثل عائقا و تحذيرا للسينمائيين لمغبة الصدام مع النظام.