ربما نشعر بين الحين والآخر بالملل من "موجة" الحنين إلى الماضي. فبفضل التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي في العشر سنوات الأخيرة، ظهرت إلى النور اوراقاً وصوراً ومواد فيلمية أنشأت جسرا دائماً بين الماضي والحاضر لم يكن من المتاح له الوجود من قبل. أغرقتنا تلك "الموجة" كما قلت، حتى أصبح ذلك الغرق بمثابة واحدة من "الشماعات" العديدة التي نعلق عليها ذنب خطواتنا التي ثبتت في مكان في واحد دون حركة.
ربما كان هناك خطاً فاصلا بين الحديث عن الماضي باعتباره ركيزة اساس للحاضر والمستقبل، وبين مجرد استخدامه كموضة أو ترند رابح يضمن لمستخدمه الانتشار السريع.
أدرك عمر طاهر بذكاء شديد مع الوقت حدود تلك الخط الفاصل. ربما يكتفي مستهلكي النوستالجيا بنشر صورة أو مقطعا مرئيا قديم مع العبارات المكررة عن الماضي وروعته وجماله. ولكن هناك من يحاول أن يبحث عن الحياة التي كانت وراء تلك الصورة ليحكي لنا حكاية-قد تصدق كل تفاصيلها أو تكذب بعضها-تعطي لنا معنى أو تفسير لحوادث الحاضر الذي نعيشه.
كنت أمر بالأمس بشوارع وسط البلد واتأمل بناياتها القديمة بحب كالمعتاد. كنت اقرأ اللافتات التي نجت من المحو وأشكر من يحاول بجهد أن "ينقذ" كل معلم من تلك المعالم من ضياع النسيان.
مجهود مميز ومثابر ومخلص يُشكر عليه مؤلف هذا الكتاب والفريق الذي صاحبه في إخراجه، ولا أجد ما أزيده على ما قيل وكُتب عنه من مراجعات تثني عليه.
لا أجد هذا الكتاب مجرد مرجعا تاريخيا أو "صحبة حنين حلوة للماضي"، بل هو بمثابة قاعدة انطلاق لمن يريد أن يتعرف على الأسس الاقتصادية التي قام عليها هذا البلد. أجد به دافعا قويا ومُحمسا لمن يريد أن يبدأ رحلة بناء لحلم ما يخصه، سيدرك أن طريق الحلم وإن كان صعباً، فإنه في النهاية ممكنا. "مش مصدقة نفسي اني بكتب الكلام ده، بس ده اللي حسيته وانا بقرأ الكتاب حقيقي".
هناك الكثير من القصص التي كانت تحتاج لتفاصيل أكبر، ستفهم من بين السطور أن الكثير والكثير تم تخطيه لأسباب شخصية تخص أبطال حكايات الكتاب أو تخص بعض من تعرض لهم بالأذى أو ببساطة "لأنها حكايات لسة مش مصرح لها بالنشر".
أشكر للكاتب عدم تحيزه لزمن حاكم ما كما يحدث في معظم الكتب التي تماثل هذا الكتاب. كان محايدا الى درجة معقولة ونقل الصورة كما كانت دون تزويق لهذا أو تنكيل بتلك. كان الكاتب عالماُ بحدود مهمته وهى نقل حكايات نجاح كبار رواد الاعمال في مصر، وليس محاكمة التاريخ.
القصة الأخيرة، درة الكتاب، حكاية سيدات السويس هى حكاية من أجمل حكايا الكتاب. لم أسمع عنها من قبل ولم أعرفها وهذا عار عليَّ أحسسته وأنا اقرأ بتأثر كيف وقف أهل محافظة السويس بشجاعة وبسالة أمام حصار طال لأشهر. حكاية أظن أنها يجب أن يخصص لها كتابا كاملا وليس مجرد فصلا في كتاب.
انتظر من سلسلة صنايعية مصر كتابا ثالثا ورابعا وعاشراً...وأرجو من عمر طاهر-أو غيره حتى-أن يُسرع في انقاذ الحكايات التي لم تُروى من النسيان قبل أن يذهب اصحابها بلا عودة.