"احترق البيت، لم يبقَ غير جدران سوداء تفتح عيونَها على الفراغ، صار مثلَ جمجمة مُجوَّفة يملأها التراب وبيوض الديدان. واحترق دفتري، راح عُمري وذاكرتي، صرتُ كأنني لم أكن ولا مررتُ بهذه الحياة، كل ما أرجوه أن يتذكر كل من يقرأ روايتي حكاية زيزفون التي مرّت من هنا ومن هناك، زيزفون التي ناضلت أكثر من خمسين عامًا، منذ أن شغلها السؤال عن الرجعيّة، التي جاهدت من أجل أن تطمر جهيدة في تراب النسيان كي تكون ذاتها، زيزفون الاسم الذي أحبّتْه وشعرتْ أنه جدير بتمثيلها في الحياة، وبأن يكون رفيقها في سفرها الذي لم يغادر أحلامها، وراحت تدوّن تاريخها قبل أن يُنسى. احترق التاريخ وزحفت آلةٌ جبَّارةٌ على جدرانه السوداء لتهدمه وتغرز في الأرض وتدًا من الحديد يحمل لافتةً كُتِب عليها: المقصّ- مشروع دكان أُمّ جهيدة للبناء".
******** نص مُذهل، عميق، ملحمي. بين تعبٍ وراحة، جمالٍ وقبح، وكآبةٍ ولحظات فرحٍ مسروقة، روت زيزفون وبجرأة شديدة ما حدث لسوريا وما يحدث وما سيحدث، تاريخها لم يكن تاريخها وحدها أو تاريخ أسرتها وضَيْعتها، لكن تاريخ البلاد كلها. د. أمير تاج السر
القراءة الحادية عشرة ضمن قائمة الكتب التي ترشحت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربيّة 2023م.
"اسمي زيزفون" | حينما يواجه الإنسان كل شيء وحيداً ، دون أمل في النجاة.
في النهاية احترق منزل "جهيدة" كما احترقت سوريا.
اختصرت سوسن جميل في هذه الرواية ستون عاماً من التاريخ السوري ، بماضيه المحمل بالألآم ، وحاضره الواقع في درك الظلمة ، مروراً إلى مستقبله المفعم بالغموض.
زيزفون التي تمرّدت على كل شيء حتى اسمها الذي غيرته من جهيدة ، ولم تخضع له ، حاربت بكل قوتها رغم بساطتها، لتصنع الحرية وتفعل ما تشاء وقتما تشاء.
زيزفون الشاهدة على التاريخ حكت عن ماضي حاشد بكافة الصراعات السياسية ، والإجتماعية ، والطبقيّة ، والدينيّة ، عرّت الجميع ، عرضت حياة المجتمع السوري والظلم الذي مورس عليه ، وحلم الجميع بالهرب الى واقع أفضل ، ثم تدرّجت صعوداً في توضيح كافة التغيّرات التي طرأت على المجتمع السوري حتى وقت قريب ، حيث الدم ، والحرب ، والتفجيرات والتدمير الذي طال الجميع ، حتى انهزم المجتمع تماماً ، وأصبح كل فرد فيه يحلم بالنجاة نحو مستقبل غامض ، يهرب فيه من الموت الى الموت.
بدأت سوسن جميل روايتها بالإسترجاع بدأً من النهاية ، حين عادت زيزفون من الموت الكاذب ، في الوقت الذي غشيتها فيه غيبوبة مؤقته وظنها الجميع قد ماتت ، وبدؤا يجهزون لدفنها ، حتى إكتشف أبن أخيها أنها مازالت تتنفس ، لتقرّر بعد ذلك أت تدوّن ذكرياتها في دفتر يحكي عن الوطن ، والدين ، والهويّة ، والانتماء ، والحب ، والعفّة ، والموت.
زيزفون المتمرّدة للحصول على "حرّيتها" وبعد انتقامها المبكر لإنتهاك كرامتها ، حين أجبرت على إمتحان عفّتها ، أمام حشد من الناس في مزار "أبو طاقة" ، والذي قامت بحرقه فيما بعد ، أعلنت إنطلاق ثورتها الخاصة قبل أربعون عاماً من خروج الجميع في ثورتهم نحو الحريّة.
لم تكتفي النار التي حرقت منزل زيزفون بما أكلت ، بل أكملت معها حرق قلبها ، وحلمها ، ومدونتها ، والباقي من حياتها ، كما أحترقت سوريا بنيرانها التي لم تنطفئ بعد.
حقيقة ، أتمنى أن تفوز هذه الرواية بالبوكر لعلّ الغرب يقرأ ترجمتها ، ليعرفوا كيف أودت قذارتهم بحياة الملايين من القتلى ، والمشرّديّن ، والمهجرين على ألواح دسرها الموت.
اكتب هذه الكلمات وانا لم انهي الكتاب بعد، بقي لي حوالي الخمسين صفحة، لكن ذلك لن يؤثر على تقييمي فالعمل ممتاز على كل الأصعدة ويستحق الخمس نجوم وبجدارة وهو برأيي اول عمل سوري يستحق أن ينافس على جائزة البوكر منذ ان تم إطلاقها
لماذا فعلت ذلك وقيّمت الكتاب قبل ان انهيه؟ لأن هنالك جيش الكتروني بحسابات وهمية لا ادري لحساب من يعمل، أطلقوا حملة تقييمات إيجابية لرواية "حاكمة القلعتين" للكاتبة لينا هويان الحسن، وبالمقابل بدؤوا بتقييم هذا الكتاب بنجمة واحد ليخفضوا تقييماته حتى من دون نقد او شرح مسائل الضعف، لو انهم اكتفوا برفع تقييمات الكتاب السابق من دون ان يتدخلوا في كتب لكتاب آخرين لكان الامر لا يعنيني، لكن ان يصل بهم الحد إلى التسخيف في كتب أخرى، فهذا ما يجعلني غير قادر عن السكوت عنهم او لفت النظر إليهم بل يمكنني القول إن كاتبة رواية حاكمة القلعتين هي من جندتهم بطريقة مباشرة او غير مباشرة، مع العلم بأن واحدة من احلامها أن تكتب بربع جمال أسلوب وروعة الحكي في روايات سوسن حسن، ومع العلم أيضًا بأنني لا أعرف أيًّا من الكاتبتين إطلاقًا، ولا تربطني بهما سوى علاقة القارئ بالكتاب، حتى أنني لا اعرف أشكالهما وكيف تبدوان في الواقع، وحكمي حكم قارئ بحت!
لكن من المعيب أن ننزلق إلى تلك المستنقعات الفكرية، ونحن من المفترض أننا في موقع يحوي القراء الذين من المفترض ان يكونوا على درجة قليلة أو كثيرة من الثقافة تمنعهم من ارتكاب فعل أخلاقي فاضح بهذه الطريقة
موعد آخر مع رواية من سوريا، ولاحظت انها تتفق مع المرشحة الأخرى 'حاكمة القلعتين' في فكرة توثيق سوريا التي كانت، لكن بينما كانت 'حاكمة القلعتين' توثق لتاريخ تراثي، فهذه المرة تأخذنا زيزفون (بطلة القصة و راوية الأحداث) في رحلة خلال الخمسين سنة الأخيرة لتحكي لنا كيف كانت الحياة في الضيعة، بعاداتها وتقاليدها منذ كانت طفلة، لنكبر معها ونشهد اعتلاء حزب البعث والطائفة العلوية لسدة الحكم وما تبعها من صعود للشيعة كنخبة مميزة 'واصلين' كما وصف لها في الرواية على لسان أحد الشخصيات، ولكن زيزفون كانت واضحة في اظهار ان هذه لم تكن حقيقة مطلقة، فهي و عائلتها كانوا مثال لوجود علويين في سوريا يطالهم ما يطال باقي فئات الشعب من قحط ومعاناة. تمر الأيام وينتقل الحكم الى النظام الحالي لتبدأ مرحلة من الحداثة التي لم تكن في حقيقتها أكثر من اتاحة لسبل وأدوات الحياة العصرية كالموبايل والانترنت والسلع، ولكن بدون تحديث حقيقي لفكر ووعي الأمة، لتمضي هذه الفترة القصيرة من التطوير الزائف ثم تبدأ الحرب والصراعات التي لا تزال تعاني منها سوريا حتى يومنا هذا. أحداث الرواية ليست سردية مباشرة لهذه الأحداث، ولكنها تقوم بدور الخلفية التي تبني عليها زيزفون قصة حياتها بأحداثها المتداخلة مع كل محطة من هذه المحطات. كتبت الرواية في ٢٠٢٠، لذلك فهي تنتهي بانحسار الضوء عن المشكلة السورية بظهور وباء كورونا، ولكن ما لم يدركه الكتاب هو أن تدور الأيام وتعود انظار العالم الى سوريا مرة أخرى بسبب كارثة الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في مستهل ٢٠٢٣
وانتظر أن يشرح لي ما معنى أن يموت سعيد ، ما معنى أن يموت والألغاز كلها في صدره لم تُحل ، وهموم الدنيا وخيباتها مجتمعة ؟ أن يموت من خسر حياته قبل أن يموت ، من أجل الحق والبحث عن الحقيقة ؟
تدور أحداث الرواية حول قصة زيزفون منذ ولادتها في خمسينيات القرن الماضي حتى سنة ٢٠١٩ ، زيزفون التي أفنت حياتها في خدمة والدها لمدة خمسين عامًا بسبب حادث حصل له فلم تتزوج ..زيزفون الثائرة التي تمردت منذ صباها على اسمها "جهيدة " .. زيزفون التي اقتربت من الموت وعادت مرة أخرى .. قررت أن تكتب مذكراتها أو المفاصل الأساسية في حياتها وتدونها في دفتر ، خاصةً بعد وفاة صديقها المقرب سعيد الذي لم تكتشف مدى حبها له وتعلقها به إلا بعد وفاته ، وهو الذي ساهم بتشكيل وعيها السياسي واتجاهها الوطني رغم عزلته وتنسكه بعيدًا عن كل الناس ..
كما تحدثت في الرواية عن الكثير من القضايا الشائكة مثل الفساد والمحسوبيات وسطوة النظام وهيمنته حتى على تفكير الشعب السوري ، كما تطرقت إلى موضوع شائك ما زالت تعاني منه النساء في المجتمعات المتخلفة حيث تحرم الأنثى من الإرث كما حصل مع زيزفون التي استولى أخويها على إرث أبوها الذي خدمته خمسين عامًا ..
شدتني الرواية إلى آخرها رغم التكرار في بعض المواضع ، ورغم اختلاط السرد مع الحوار ، والعامية السورية مع الفصحى ولم استطع أن أكبح دموعي مع نهايتها وأنا أتأمل مع زيزفون بيتها الصغير يحترق ...
غلاف غني بالألوان وبه وجه فتاة -معتم بصورة ما- باللون الأخضر، وجزء من جسدها ويداها تحمل باقة من الزهر معتمة هي الأخرى فتضفي على القارىء فضول قوي..
تعود جهيدة أو زيزفون-فهي لا تحب أن نناديها باسم جهيدة- من الغيبوبة للساعات وتستيقظ في بيت أخوها .. استيقظت وهي من كانت تتسائل دومًا: "❞ وماذا بعد؟ هذا السؤال كان مثل ملل وشعور بأن حياة خاوية وخالية من أي مُتعة ليست جديرة بأن تُعاش. ❝
زيزفون تخطت عتبة الستين، تراعي والدها العجوز مع منير رجل البرية الذي كان يتفقد والدها عشرات المرات لأنه لا يتحمل المكوث في دار ما لمدة طويلة.. قررت زيزفون كتابة مذكراتها فهي تعيش في عدم ولا تهتم الآن سوى بتسجيل لحظات حياتها: ❞ قدحت الشرارة في بالي وعزمتُ على الكتابة، لا لشيء، وإنما للإمساك بالذاكرة قبل أن تذوي وتغور كما الماء في رمال العمر، ولأبحث عن سؤالي المؤجّل ربّما ألاقي جوابًا متأخّرًا له. المهم أن أكتب ❝ ❞ قرّرت أن أذهب أنا إلى الماضي بدلًا من دعوته إليّ، سأسجّل حكاياتي، وبعد أن أنتهي منها سأحرق دفاتري وأذرو رمادها❝ ❞ ولتذهب الحرب إلى الجحيم هي الأخرى، إنها حكايتي، حتى لو لم يبق زمن إلّا للحكايات الكبرى. ❝
ثورية هي زيزفون ترفض الخزعبلات والأفكار البالية التي يقتنع بها أهل بلدتها وها هي تشعل مراز أبو طاقة خلسة، ولا تبالي أو تخاف لعنته وانتقام حارساته من الجنيات كما يدعون..
تجيد الأديبة كتابة التفاصيل الصغيرة فها هي تستفيض بشرح عن حبقات أم زيزفون قائلة: ❞ الآن بعد أن داعبني الموت انتعشت في خاطري مثل حبقات أمي التي كانت ترشرشها بكفّيها بعد أن تسقيها فتغرف بخفة حفنة من السطل وتنفض يدها فوق الحبقة وتداعبها فتفوح الرائحة لتختلط مع رائحة العبيتران والقرنفل والفلّ البلدي، ثم ترشرش الماء فوق الأرضية المتربة تحت العريشة وأمام البيت أو الدكان ❝
لغة الأديبة العربية سهلة وشاعرية تهيم في روح القارىء بجمل جميلة مثل: ❞ لكن الحياة مشت، أو أنا سرت في أدغالها، أو إن عمري تراكم في ظلال الوعود. ❝ ❞ لازمني شعور دبق راح يلعب بوجداني ويحرق أحلامي ويزيدني توترًا أمام الأسئلة الكثيرة التي راحت تتناسل من بعضها بعضًا من دون إجابات. ❝ ❞ لكن السفر كان ما زال يختبئ كحلم جميل في داخ��ي تبرعم على صوت الراديو هنا دمشق، هنا لندن، هنا القاهرة، وعلى حكايات المسافرين الذين يعبرون الدكان ويتركون خلفهم بعض الغوايات الصغيرة وأنا أرتّبها في خزائني السرّية. ❝
كما أنها تتسم بخفة الظل وصدق أحدهم حينما قال: خفة الدم أنثى .. فها هي زيزفون تحدث نفسها عن الأسرار التي خبأها الناس حتى عن الجآن فتقول: ❞ أنا تلك الجنية، نعم، أنا زيزفون يا ولاد الخايبة. ❝
وما أقسى ويلات الحروب خاصة حينما يتحدث عنها من عاشها في بلاده، تصفها الأديبة بكل عنفوان قلب يأسى ويحزن على حال موطنها سوريا، وتصف لنا مشاعر الناس بدقة ما بين مذبوح وبين لا مبال وغيرهما: ❞ صار الناس متخندقين في الماضي، ومع كل مجزرة جديدة تزداد اللهفة إليه والعيش فيه، الماضي هو الملاذ الآمن يا زيزفون، هو البقعة الوحيدة الواضحة بالنسبة إلى عقول الناس وقلوبهم المتعبة، ❝ ❞هذه البلاد ليست لنا، إنها لمن يمجّدون الحرب وأنا لا أطيقها❝ ❞بلى كنا الأسياد، إنما على عروش من الجماجم❝ ❞ التحديث أبدًا ما بيعني أنو دخلنا بالحداثة، نحن غرقنا بالمنتجات العصرية والحديثة بس بقيت عقولنا متكلّسة وما طلعنا من الماضي ❝
ما بال كل دولنا العربية تعامل الأراض الزراعية هذه المعاملة المجحفة فها هي الأديبة تحكي مآس مشابهة لمآسينا قائلة: ❞ المعامل التي أنشئت في السهل على مشارف جبلة وقريبًا من الضيعة والتهمت أراضي زراعية شاسعة قبل أن تجثم كالوحوش في ذلك الفضاء ❝
تقوم الدكتورة سوسن بشق صدر المجتمع السوري في الريف- على مستوى عدة عقود- وتشريحه وتصف لنا بقلمها هذا المجتمع بمميزاته وعيوبه الاجتماعية والعقائدية والعسكرية والمواريث المجحفة ومظاهر الحداثة والانترنت، وغيرهم، فها هي سكينة عايبة لأنها أرملة أحبت وأرادت أن تتزوج برجل يكون لها ولأولادها سترًا، فوسمت بلقب العايبة وحرمت من التواجد في مجتمعاتهم حتى وإن أرسلوا لها الصدقات والطعام.. وما أبشع التجربة التي مرت بها زيزفون كل تنفي عن نفسها كلمة عايبة وهي في الخامسة عشر من عمرها..
الزمن لدى اسمي زيزفون يتأرجح بين الحاضر والماضي حيث الذكريات .. والمكان هو قرية صغيرة سورية تتأرجح هي الأخرى بين القرى والمدن .. والأديبة تراوغنا مرة بحديث مباشر ومرة من الدفتر كما تقول ، أي دفتر زيزفون..
وفي النهاية وظفت الكاتبة الكورونا مع أحلام زيزفون بالسفر بصورة ممتازة.. كما جاءت نهاية الرواية -وخاصة السطور الأخيرة-رائعة تثبت لنا جميعًا بكل أسى أن يد البطش أصبحت عالية..
كنت أتمنى ان تضع الكاتبة هوامش لكلمات مثل: السليقة، الدست وغيرهما إذ أنها غير مفهومة لدى القارىء الغير سوري بل لربما السوري الذي يعيش في المدينة..
شكرًا للأديبة على هذه الرواية الدسمة التي علمتنا خفايا سوريا الحبيبة .. مع تمنياتي لك بمزيد من التألق ..
احترق البيت، لم يبقَ غير جدران سوداء تفتح عيونَها على الفراغ، صار مثلَ جمجمة مُجوَّفة يملأها التراب وبيوض الديدان. واحترق دفتري، راح عُمري وذاكرتي، صرتُ كأنني لم أكن ولا مررتُ بهذه الحياة، كل ما أرجوه أن يتذكر كل من يقرأ روايتي حكاية زيزفون التي مرّت من هنا ومن هناك، زيزفون التي ناضلت أكثر من خمسين عامًا، منذ أن شغلها السؤال عن الرجعيّة، التي جاهدت من أجل أن تطمر جهيدة في تراب النسيان كي تكون ذاتها، زيزفون الاسم الذي أحبّتْه وشعرتْ أنه جدير بتمثيلها في الحياة، وبأن يكون رفيقها في سفرها الذي لم يغادر أحلامها، وراحت تدوّن تاريخها قبل أن يُنسى. احترق التاريخ وزحفت آلةٌ جبَّارةٌ على جدرانه السوداء لتهدمه وتغرز في الأرض وتدًا من الحديد يحمل لافتةً كُتِب عليها: المقصّ- مشروع دكان أُمّ جهيدة للبناء
( القائمة الطويلة للبوكر العربية ٢٠٢٣). تدخل الكاتبة مباشرة في الرواية وتشد القارئ من أول جملة ماتت زيزفون بسلامة راسكم . زيزفون امرأة ستينية متقاعدة حديثاً ، من سكان قرية المقص في ريف جبلة، يغمى عليها مدة ساعتين وهي في زيارة لبيت أخيها فيظنون أنها توفيت، لكن بعد استيقاظها في المشفى ومناداة الطبيب لها باسم جهيدة وهو الاسم الذي تكره و المسجل في البطاقة وقداختاره لها والدها دون رغبة والدتها جعل ذاكرتها تتدفق ، وهذا الموت الغشاش الذي عايشته لساعات كان كإنذار أو دافع للتفكير ، فتقرر تسجيل ذكرياتها كمحاولة لفهم الحياة. تسير الرواية في خطين زمنيين الأول طويل منذ مولد جهيدة _ زيزفون عام ١٩٥٨ وهي الابنة البكر لأب خرج من محيط قريته فتعلم ورأى الكثير فأصبحت عادات الطائفة ومفاهيمها بعيدة عنه وأم من ضيعة أخرى بقيت متأصلة فيها العادات تقبل يد الشيخ وتقوم بالنذر والاحتفال بعيد الغدير وتؤمن بمزار أبي طاقة الذي يحكم على الناس فيبرئ من يستطيع الخروج من الطاقة ويجرّم من لا يستطيع، أما المسار الزمني الثاني فقصير يمتد حوالي السنة منذ إغمائها وحتى عام ٢٠٢٠ وتفشي وباء كورونا. خلال هذين المسارين وهذه السنوات الطوال تورد الكاتبة بانوراما سياسية واجتماعية لسوريا بأكملها ولمنطقة الساحل بشكل خاص، وطريقة تفكير سكانها طوال الخمسين سنة الماضيةو خلال الحرب. نعاصر كيف تغيرت الضيعة وفقدت هويتها كضيعة ولم تصبح مدينة، نتعرف على عائلة زيزفون كلها الأم والأب وأخويها برهوم وشعبان، وأختها عواطف، وقصة كل منهم، وخيبة أمل زيزفون في الحب خلال السنين، وانتقالهم إلى اللاذقية واضطرارها للعمل . هناك شخصيتان رئيستان في الضيعة نبذهما أهلها واعتبروهما مجنونين كل على طريقته: مْنيّر، وسْعيّد، و كان لهما الأثر الكبير في حياة زيزفون. الرواية مليئة بالقصص الاجتماعية الفرعية المؤثرة لبعض النساء لبيان صعوبة عيش المرأة في مجتمع ذكوري مثل الامرأة المنبوذة في الضيعة سكينة الأرملة التي حاولت أن تحب وتتزوج بعد موت زوجها لحاجتها لرجل يربي أطفالها معها ولأنها ماتزال شابة فاتهمت بأنها عايبة لا يجوز مشاركتها لهم بصناعة السليقة ولكن تعطى حصتها، والمرأة ملعونة الذكر التي أحبت القرباطي وأنجبت منه وفضلت العمل بتبييض النحاس لكسب قوتها على تلقي الصدقات. كما أوردت الكاتبة أفكاراً مهمة منها سهولة انتشار الإشاعات المغرضة التي تودي بسمعة الأنثى، وحرمان الأنثى من الميراث رغم أنها هي التي يعتمد عليها لرعاية الأهل في الكبر. لاحظت أن الكاتبة أوردت في أكثر من موضع أن الأب كانت تسكن قلبه ميمونة ولم يرد ذكر هذه الميمونة أو قصتها أبداً. الروابة مليئة بالكلمات العامية الخاصة بالضيع والتي سيصعب على سكان المدن أو القرّاء من غير سوريا فهمها كان من الأفضل أن توضع معانيها في حواشيَ أسفل الصفحات مثل رعْش ( الجدار القصير المبني من الحجر الذي يفصل الأراضي عن بعضها) ، جقل ( ابن آوى) . ومع ذلك الرواية رائعة آسرة سلسة السرد مؤلمة فيها الكثير والكثير ليقال. وهي الرواية السادسة للكاتبة الدكتورة سوسن. د.نسرين درّاج
حكت لنا الدكتورة سوسن قصة زيزفون منذ ولادتها في خمسينيات القرن الماضي في احدى القرى العلوية المتاخمة لمدينة جبلة والقريبة من السواحل السورية حتى سنة ٢٠١٩. حكاية تعانق فيها الشجن الخاص بالشجن العام، حزن زيزفون التي افنت حياتها في خدمة والدها الذي اقعده حادث لمدة خمسين عاما فلم تتزوج وحزن سوريا التي مزقتها حرب عبثية تآمر فيها العالم كله عليها. زيزفون الثائرة التي تمردت منذ صباها اولا على اسمها في الهوية "جهيدة" ثم على قواعد الطائفة واحرقت مزار ابو طاقة التي وجدت في الانصياع لتبعيته وتبعية مشايخ الطائفة هدرا لكرامتها التي اهدرها اهل الضيعة بعد ان شككوا بعذريتها وربطوها بعلاقة باستاذ المدرسة الشامي الذي ينتمي لطائفة أخرى، ثم بوقوفها في خريف حياتها مع الثورة منذ بدايتها رغم اتهام المقربين لها وابناء طائفتها بالخيانة لأن العصب الطائفي كان يفرض عليها ان تكون مع النظام حتى لو هو من اوصل البلد الى نقطة اللا عودة. زيزفون التي اقتربت من الموت وعادت قررت ان تكتب مذكراتها او المفاصل الاساسية في حياتها وتدونها في دفتر، خاصة بعد وفاة صديقها المقرب سعيد الذي لم تكتشف مدى حبها له وتعلقها به الا بعد وفاته، وهو الذي ساهم بتشكيل وعيها السياسي واتجاهها الوطني رغم عزلته وتنسكه بعيدا عن كل الناس. في قصة زيزفون الكثير من القضايا الشائكة والتي عايشناها بحكم قربنا من سوريا مثل الفساد والمحسوبيات وسطوة النظام وهيمنته حتى على تفكير الشعب السوري، اذكر منها قصة وفاة اختها عواطف التي انتحرت من سطح مبنى كلية التمريض وهي في الخامسة عشر من عمرها دفاعا عن شرفها الذي حاول مدير المعهد المدعوم اغتصابه، والاعتقالات العشوائية التي كانت ترمي الشباب في غياهب السجون لمجرد شك او وشاية كيدية وتطرقها لقضية وفاة القائد والحزن الهستيري الذي اصاب الناس ليليه بعد ايام فرح هستيري لتولي ابنه الحكم. كما تطرقت الى موضوع شائك ما زالت تعاني منه النساء في المجتمعات المتخلفة حيث تحرم الانثى من الارث كما حصل مع زيزفون التي استولى اخويها على ارث ابوها الذي خدمته خمسين عاما. شدتني الرواية لآخرها رغم التكرار في بعض المواضع، ورغم اختلاط السرد مع الحوار، والعامية السورية مع الفصحى ولم استطيع ان اكبح دموعي مع نهايتها وانا أتأمل مع زيزفون بيتها الصغير يحترق. رواية رائعة ومكتوبة بشجن كبير يلامس شغاف القلب وتؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الثورة السورية وتأثيرها على السوريين المحسوبين على النظام والذين لم يغادروا قراهم واولئك الذين تشتتوا في كل العالم.
"هكذا تمشي الأمور، لا بد من البكاء أخيرًا، البكاء الحاضر في حياتنا كل لحظة، ونكابر لأننا لا نملك ما نتحدّى به أسباب بكائنا، فنكابر وندعي القوة والبأس، بينما نحن كائنات ضعيفة شاردة مثل قطيع لا يعرف إلى أين يسير، الأمر الوحيد المؤكد بالنسبة إلينا أن لدينا فائضًا من الدموع ومن أسباب البكاء."
ذات ليلة، قررت زيزفون، المتمردة منذ الصغر، كتابة سيرتها الذاتية ورحلة حياتها خلال 60 عامًا من الشقاء والبؤس، لتسرد لنا الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال تلك الفترات من تاريخ سوريا. لن أستطع أبدًا وصف المشاعر التي انتابتني خلال قراءتي لمذكراتها هذه؛ شعور الألم والفقد والفجيعة الذي ابتدأ حين فقدانها لأمها منذ صغرها والمسؤولية الكبيرة التي تزامنت مع ذلك، ثم انتحار عواطف الذي وضعها وجهًا لوجه أمام عجزها وقلة حيلتها، ومن ثم فقدانها لسعيد. سعيد الذي لطالما كان رفيق دربها والكتف الذي اتكأت عليه كلما قست عليها الدنيا والأحوال. تتالت الخسارات وزيزفون تواجه أقدارها بقلمها وكتيبها وتدون وتدون...
بعض الإقتباسات:
"فوق كل الأصوات لا تسأليني بعد اليوم لماذا كل هذا التسليح، إنه الخوف، خوف الجاهل يا زيزفون الجاهل بالأمر يخاف منه ويلوذ بجماعته درءًا للخطر القادم، ويطيع الأوامر مهما كانت فهو يقدّم الولاء مقابل الحماية، وهذا ليس في مناطقنا فقط، بل في كل المناطق حيث تستنسخ الظروف نفسها والسيطرة بالطرق نفسها. وكنت إذ أسأله يعني ماذا؟ هل ستبقى البلاد تنحدر نحو الهاوية ؟ كان يزفر ويقول لي شبه غائب عن الواقع ليت الأمور بيدي، لقد صار الأمر أعقد مما نتصور، لم يعد بيدنا أي قدرة على المبادرة."
"ما يؤلمني يا زيزفون أن الحلم الجميل الذي لامس أعماقي بسحره وغسل سنوات الخذلان والإحباط التي عشتها تبدّد، سرقوا حلمي كما سرقوا أحلام كل الشباب الذين غضبوا وثاروا وانطلقوا ينادون للحرية وينشدون وطنًا يليق بطموحاتهم ويجسر الهوة بينهم وبين واقعهم التعيس ماتت الأحلام وسرقها تجار الحرب والدم والثورات، أفهم خوف معظم سكان مناطقنا من المستقبل وانتعاش طائفيتهم بشراسة لقد أيقنوا أنهم المستهدفون خاصة بعد استعار الثأرية والوحشية والقتل بأبشع صورها وأكثرها إجرامًا. إن كانت الجهود في البداية صعبة لإقناع الناس بأن انتفاضة بقية المدن ليس بسبب الطائفية،"
اسمي زيزفون من الروايات التي وصلت للقائمة الطويلة للبوكر، و هي أولى قراءاتي لسوسن جميل حسن. الرواية تسير في خطين زمنيين، الأول عام ٢٠١٩ و الثاني شذرات من ذكريات زيزفون لأزمنة غابرة تخطها في دفترها. عَتبي على الكاتبة في أكثر من موضع، الأول أنها تسرد حقائق و وقائع عن حروب أهلية و نزاعات قبلية دون تفسير؛ فأنا لا أعلم عن أي حرب تتحدث و أي قبائل أو حتى في أي زمن، قرأت بعض مراجعات للرواية ففوجئت أن ما تقصده الكاتبة هي الطائفة العلوية و التي لا أعلم تاريخها أيضًا؛ فأعتقد أن سوسن جميل كتبت رواية باعتبار أن جميع القراء ضليعون في تاريخ سوريا أو يستطيعون قراءة الأفكار - أفكار الكاتبة بالطبع- أما العَتب الثاني فهو التكرار الممل، منذ أولى صفحات الرواية و الكاتبة ترثي و تندب زمنًا مضى و ولّى، و يستمر الرثاء على طول الرواية بنفس العبارات و نفس المشاعر حتى مللت و فقدت تعاطفي معها و مع القضية. فالرواية تحولت لمرثية طويلة دون أحداث تُذكر! حتى في المواضع التي أحببت أن أعرف المزيد عن حياة زيزفون و أسرتها اقتضبت الكاتبة و شحّت في السرد لتتابع الرثاء! و عَتبي الأخير كان على شخصية سعيد، فهذه الشخصية تُجسد أفكار الكاتبة و قناعاتها، و تستمر زيزفون طوال الرواية في سرد أفكار سعيد و وجهة نظره تجاه الأمور و الأحداث - التي هي بالطبع أفكار الكاتبة و وجهات نظرها- ليس أمرًا سيئًا أن يُضمّن الكاتب آراؤه داخل كتابه، بل بالعكس، و لكن تكمن المشكلة في طريقة عرضه لتلك الآراء، لو أن الكاتبة جعلت سعيد شخصية مستقلة لها حوارها و دورها من القصة و من الأحداث لكان الأمر مستساغًا، لكن ما حدث أن زيزفون من كانت تسرد الحكاية، تسرد الأحداث و الوضع المُتردّي للبلاد و الناس، و تسرد آراء سعيد التنويرية و المتحضرة و الرافضة لكل الثوابت و التابوهات مما جعل الأمر يبدو في حقيقته أن الكاتبة تودُّ تلقين المتلقي وجهة نظرها للأمور!
في النهاية، لم أحب الرواية و شعررت بالملل أثناء القراءة، و كنت سأستمتع بها بشكل أكبر لو كانت زيزفون تسرد حكايتها دون الكثير من الرثاء و الكثير من آراء سعيد التنويرية.
"لكنني اسال نفسي اليوم هل اشكرهما ام ارمي عليهم العتب لأنهما جعلا مني تلك المرأة الرافضة الباحثة عن حريتها حد تأليب الآخرين ضدها ، لا يا زيزفون انت امتلكت نفسك بالرغم من كل ما مررت به في رحلة العمر ، ما صار قد صار لأن واقع البلد هو العفن و ليس انت ، الهذه الدرجة كنا نصارع طواحين الهواء ؟ الهذه الردجة كنا نعيش بالوهم حتي صفعنا الواقع بجبروته ؟"
رواية مؤلمة عن تمزق الوطن و شتات أهله ، عن الحلم الذي صار حرب وموت للحالمين بوطن الحرية والكرامة ، عن سوريا التي مزقت ما بين سلطة غاشمة فاسدة و سلطة دينية متطرفة ، و فقراء ضاعت حياتهم و ازدادوا فقرا بينهم و ذاقوا مرارة الموت و الوجع.
ما يسيء الرواية في نظري أن راي سوسن جميل كان ظاهر جدا في الرواية حتي اني اعتقد انها كتبت الرواية متأثرة بسيرتها و اطالت كثيرا في حالات السوداوية كان افضل لو كانت الرواية أقل حجما.
عمل متكرر ومستهلك سبق الكاتبة كاتبات وكتاب غيرها من الذين تمردوا على الطائفة العلوية التي غدت مدانة اجتماعيًا لأسباب سياسية، لم تتغير الثيمة عما جاء في روايات لسمر يزبك وروزا ياسين حسن وديمة ونوس حيث كتبن لانتشال الطائفة العلوية من الاتهامات ومحاولة جادة لتبرئة النفس. رواية اسمي زيزفون أقل بكثير من روايات مشابهة تماما مثل رواية صلصال لسمر يزبك أو روايتها لها مرايا الصادرة عن دار الآداب، كل شيء رتيب وممل ومكرر في هذه الرواية التي تتحدث عن مقام ( أبو طاقة) الذي كلنا نعرف الى ماذا يرمز. واعتقد ان روايات روزا ياسين حسن اكثر ذكاءا في كتابة الألم الطائفي. نجمة واحدة كثيرة على رواية، لاتضيف شيئًا لما تقوله نشرات الأخبار. ! لا ابداع بل حتى معظم الحكم ؛ التي تمر في بعض مفاصل الرواية مكررة عن حكم شهيرة تتداولها صفحات السوشيال ميديا تقارب الاختلاس المباشر. د. عيسى الرحال
رواية تحكي عن ما جرى في سورية للطائفة العلوية. على الكاتب أن يتحرر من انتمائه ويكتب . الكاتبة كتبت تجربتها الشخصية وقصتها هي . . واعتبرتها قصة كل سورية . كأن سورية ينقصها تطاول تاريخي على صورتها العامة. . ونقلت الكاتبة اوجاع الطائفة الضيقة والتي لاتعني قارئ غير سوري ولا اعتقد ان السوريين متشوقين لقراءة رواية عن الطائفة التي يحاول دائما كتابها التمرد ونزع جلدهم للتخلص من التهمة التي توجه للطائفة. الحبكة غير موجودة وسرد احداث وقصص لمكان بعينه لايختزل تاريخ سوريا العظيم. وارى ان الكاتب السوداني القدير ! امير تاج السر وقع بخطأ كبير بتقديمه لهكذا نص ضيق الرؤية.
القراءة الأولى للكاتبة وهي بلا شك صاحبة فلم ممتاز يجيد التعبير عن المشاعر، الرواية كلها تحكي مآسي متوالية ، حياة زيزفون الثائرة بطبعها على القولبة والرجعية بلا بوصلة قم يأتيها سعيد (البطل الحقيقي للرواية من وجهة نظري) يمنحها الفهم والبوصلة و يشاركها حلمها الأزلي حلم السفر .. الرواية ناعمة رغم مأساوياتها، مليئة بالجمل المؤثرة، كنت أخطط بالقلم تحت الفقرات والجمل من شد ما أثرت في، إلا إنها ومع ثلثها الأخير تتحول لمرثية طويلة بلا هدف، الكثير من التأسي والكثير من الندب عما يمضي ويتسلل ، هي مرثية تليق بالمأساة السورية لكن أصابني بعض الملل مع الثلث الأخبر وهذا ما أنقصها نجمة أو نجمة ونصف، إجمالاً تجربة قرائية عالية المستوى من الحس.
منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها قراءة رواية "اسمي زيزفون" للأديبة سوسن حسن، وأنا أبحث في طيّاتها عن نداء التي عاشت في دمشق وارتوت من حكاياتها، ومن رحلاتها على الأرض السورية، حتى صارت تعرف أنَّ حقيقتها العربية واحدة رغم كل الأوطان، والبشر الذين أحاطوا بها. الرواية التي تدور في فلك زمنين بينهما قرابة الـ 50 عامًا، بنسق الفلاش باك الذي يأتي تحت عبارة "من الدفتر"، إلى أن يلتقيا في الحاضر الذي وصلت إليه سورية، وما تعيشه اليوم من دمار للحجر والبشر، وأنا قاصدة أن أضع الحجر أولاً. وهي ليست رواية عادية، بل هي رواية تحاول الولوج إلى حياة طائفة تعيش في سورية، في محاولة لنزع التمييز عنها، على الرغم من أنها مميزة ومنذ زمن بعيد في الواقع، ونفي هذا روائيًا لن يغير من حقيقة ما يعتقده ويعيشه الشعب السوري. على مستوى الحبكة والسرد أختارت الكاتبة طريقها بصورة جيدة؛ إلا أنَّ ما استفزني خلال القراءة كان مزج العامية بالفصحى دون إشارة إلى أنَّ هذا حوار بين اثنين، وعلى الرغم من قلة الشخصيات المرسومة، فالبطلة جهيدة/زيزفون تحكي عن عالمها الخاص جدًا، والذي تعتقد فيه بمظلومية طائفتها، وفي الوقت نفسه جهل أفراد الطائفة وتمسكهم برداء الدين على حساب العقل في معتقداتهم التي تعتبرها زيزفون غير صحيحة. الرواية ليست شافية بالنسبة لي على مستوى توثيق حياة الشعب السوري في الـ 50 عامًا الماضية، وفي الحقيقة هي تفتقر إلى الكثير من الحقيقة، والكثير من الموضوعية في سرد أحداث تلك الحقبة، فالانسلاخ عن طائفة ما لا يعني بالضرورة الانتماء إلى أخرى، بمقدار ما أن هناك حاجة حقيقية لمواجهة الفساد الذي تعيشه هذه ال��ائفة على مستويات عدة. زيزفون نفسها كانت شريكة في الفساد الذي مارسته طائفتها، فقد استسهلت أن تمضي حياتها قدمًا بعلاقات عدة خالية من الحب قائمة على المصلحة، شريطة الحفاظ على البكارة، وكأنها تعترف بأنَّ هذا الغشاء وحده هو المرادف للشرف، وكأن المبادئ والضمير ليسا أساسيان في تحديد شرف المرء من عدمه. صاحب المبادئ الوحيد في الرواية يموت مقتولاً، هو الذي لم يتخل عن اتّحاده بالكون والحقيقة لكنّه عاش منبوذًا عن مجتمعه، أما الأسرة فقد فككتها السلطة، والمال، وهنا كانت لدي مشكلة في رسم الشخصيات، فالجميع بلا استثناء لم تتضح معالمهم بصورة كافية تؤدي بهم إلى المصير الذي آلوا إليه، بداية من الأم التي ماتت مبكرًا بالسرطان، وصولاً إلى الشقيق الذي حرم أخته زيزفون ميراثها وبيتها. الموت القابع خلف الستار، الشباب الهارب من الوطن، الحرب التي دارت بين أفراد الشعب الواحد، كلها مرّت عليها الأديبة سوسن حسن مرور الكرام، فلم نجد بدًا من المضي قدمًا في الرواية بحثًا عن إجابات حقيقة للسؤال الأساسي الذي تطرحه في البدايات: "ماذا بعد؟"، وعلى الرغم من كل السرد والتفاصيل الكثيرة التي تم تضمينها الرواية، لم نصل إلى إجابة تنصف الإنسان السوري. الحقيقة أنني رأيت السوري في هذه الرواية على غير حقيقته، ولذا لم يعد باستطاعتي اعتبارها رواية توثيقية، لعلها خصّت طائفة بعينها لتوجه لها النقد؛ ولكن حتى النقد هنا لم يكن موجهًا للطائفة بمقدار ما كان استدراج العطف على أفرادها المغلوبين على أمرهم ما لم ينتموا إلى فريق السلطة.
ما الذي يتبقى منا بعدما يأتي الموت؟، هل نحكي الحكاية لأننا نود طرح الأسئلة أم أننا نثرثر لنتخفف من الأعباء الثقيلة؟ هنا سوريا الحقيقية، لسنا من سكانها، ولم نشاهد جحيم حربها إلا من خلال الشاشات، ولكن زيزفون امرأة تخطت الستين وقررت أن تحكي من خلال عدة مسارات لا يمكن إغفال المسار التأريخي ضمنها. زيزفون التي عاصرت موت الزعيم وشهدت على توريث ابنه الحكم، وشهدت على الصراعات الطائفية بين سكان ضيعتها وسكان وطنها تستخدم الدفتر لإسعاف ذاكرة تكاد أن تنسحق تحت وطأة السنوات الطويلة.
"لا خلاص لبلدنا طالما هو محكوم بالآليات نفسها من الخوف والقمع والفساد، صار الناس متخندقين في الماضي، ومع كل مجزرة تزداد اللهفة إليه والعيش فيه".
بدون إمكانية للجدال تحكي زيزفون فقط من خلال الدفتر الشاهد على أيام حالكة ومن خلال النص المكتوب بالتوازي بعد الاستيقاظ من الغيبوبة. لا يبدو المشهد السوري خلفية درامية للحكاية، لأن القصة ليست قصة زيزفون وحدها، ولكن "سوسن جميل حسن" في رأيي أرادت أن تحكي عن وطنها بتحرر، وبدون تنظير أو مزايدة على أحد جعلت الخالة زيزفون ناقل حي لما حدث ولما يحدث على أرض مهما بدت قريبة منا فإنها بعيدة بفعل الحرب وبفعل الشتات التي تعاني منه.
يتجرد النص من التعقيدات اللغوية ويغوص في محليته، تمنحه المحلية قدرة أكبر على التوغل في الوجدان الإنساني والعربي بشكل أعمق، وتمنحه زيزفون كراوي وحيد يحكي ما يعرفه وشاهده هذه الرهافة الشديدة الموترة في أشد اللحظات عبثية وحزن.
"لماذا كل هذا الحنين يا زيزفون؟ أنتِ قلتِ إنك ستدونين كل ما تجود به الذاكرة من الآن فصاعدًا، أنسيتِ؟ لا، لم أنسَ، الحنين سيجرفني بعيدًا إلى دوامات قد أغرق فيها، وأنا لا أريد ذلك، أريد أن أفرد حياتي أمامي وألعب".
- فلسفة زيزفون
تظهر تعقيدات النص من لحظة أولى نعرف فيه أن زيزفون طفلة قرر والدها منحها اسم "جهيدة"، اسم لم تقبل به لأنها لم تختره لذلك تلجأ لاسم بديل تشعر فيه بذاتها. ومن ثم تنكشف تعقيدات الراوية التي لا تكف عن توجيه الأسئلة الفلسفية في حكايتها التي تحكيها كي تُسلي نفسها من قبضة الحزن وقبضة قطار العمر الذي يمر بلا أي رحمة داهسًا في طريقه الأحباب والأهل والوطن. تحمل زيزفون الهم الشخصي الخاص بها، وبوطنها الممزق ويشاركها في ذلك سعيد الذي لا نعرف حكايته أو موته بدقة لأن زيزفون توزع الحكايات كيفما تهب على ذاكرتها. تتنوع الفصول المروية وتتوزع بين ما حدث وبين ما يحدث، لا تضع الكاتبة حد معين لفلسفة زيزفون العدمية المبنية على القراءات الحرة أو المناقشات المفتوحة مع سعيد الذي منحته الحياة في العزلة حكمتها، ولا تتقيد بفخاخ اللغة أو اللهجة فينساب النص في لغة خاصة بنت بيئتها وضيعتها. هنا حكاية شديدة الخصوصية. عن الموت والقتل والذنب، عن العقد العربية المتأصلة والأزمات الاجتماعية والسياسية المختلفة، حكاية تفتقر لقصة حب كاملة أو مشهد حياتيّ عادي. لأن الحياة في ذاتها ليست إلا حفنة من أشياء غير مرتبة شديدة القسوة وعديمة الجدوى. #سيد_عبدالحميد
لفتني ما قاله الاعلامي أنس ازرق عن رؤيته أن تستطيع الكاتبة سوسن جميل حسن استطاعت ( ان تغوص في البنية الطائفية دون ان تتلوث بها، استطاعت سوسن وبحذاقة ان تميز بين الناس الطيبين في الطائفة العلوية وهم الاكثرية ومن ساهم بتجهيل وفقر وعسكرة وامننة الطائفة وبالشراكة مع الطائفة الاكبر في سوريا وكل ذلك دون تذكر اسم اي طائفة.) لكن الرواية مكتوبة بلغة مكشوفة . الابداع يفترض الغموض والتشويق والمعرفة الجديدة وكل مافي الرواية امرأة نمطية ومكررة في الادب النسوي الكلاسيكي أي المرأة الضحية. لا أعرف لماذا تذكرت الكاتب المخضرم نبيل سليمان أظنه كتب رواية هزائم مبكرةأو ما شابه ورغم انه ناقد جيد لكنه روائي لم يتحرر من سطوة الطائفة بل يتماهى مع خصوصيتها ومظلوميتها التاريخية. سبق وأن قرأت روايات لابنة الطائفة البارة الكاتبة سمر يزبك وهي صاحبة أعمال جريئة ومأزومة وفائضة بالاحساس الديني الخاص. بينما بدت سوسن حسن أكثر استرخاء وأقل تشنجا، حالما قرأت اسم مقام أبو طاقة فهمت كل الحكاية. يقول أنس ازرق: (معجب بهذا العمل واتمنى ان يصل للقائمة القصيرة لجائزة الجوكر.) يبدو مضحك هذا الخطأ المطبعي أم المقصود!؟ خطأ فيه كثير من الذكاء!
اسمي زيزفون.. رواية تحكي عن تاريخ سوريا خلال ٦٠ عاماً من خلال السيرة الذاتية لزيزفون المتمردة.. تمردت علي إسمها فأصبح من جهيدة إلي زيزفون.. تمردت علي واقعها ومصيرها.. ولن تجد من يساندها سوي سعيد ..وتستعرض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية السائدة في البلاد حين ذاك وتحديداً في جبلة ( الريف السوري).. زيزفون المناضلة التي تحارب الرجعية بكل صورها ... تستعرض ملامح البلاد والحرب والمحاولات لنيل الحرية.. في هذه الرواية ازدواجية الحياة .. الكذب والصراحة.. الجبن والشجاعة.. الحب والكراهية .. التنوير والرجعية .. تسرد من خلال صفحات قليلة حياتها وماضيها وحبها وكيف تمردت علي السلطة المتمثلة في العرف .. وكيف كان مصيرها أمام أهل القرية ... كيف كانت حياتها التي كانت عبارة عن صراع مستمر.. ثم كفاحها من أجل ذاتها ومن أجل أسرتها .. جراءة وشجاعة غير طبيعية.. وحال الشباب ما بين شهيد أو مهاجر غير شرعي.. تتوقف بنا في أهم محطات حياتها .. وتقنية السرد الروائي هو التنقل ما بين مذكراتها في الماضي وأهم احداث حياتها.. والحاضر والوضع في البلاد.. احببت غلاف الرواية والسرد ونهاية الرواية
عجبتُ كيف أخذتني المتعة في قراءة رواية "اسمي زيزفون" رغم الألم الإنساني العميق المستبطن في طيات عمر زيزفون، بنت الساحل السوريّ الحلوة مثله، والطموحة مثله، والطيبة مثله ومثل مئات الألاف من أهله الصابرين على ألمهم وهو يقيمون في بطن الحوت.. إنها الخفة والقدرة على روي الألم المبرّح بجمالٍ رفيع. نظنها للوهلة الأولى مستحيلة، لكنها تنصاع لقلم الروائية الأديبة سوسن جميل حسن وهي ترسم حياة امرأةٍ غشها العمر والحلم والواقع والحكومة، ووصلت إلى الهزيع الأخير من عمرها، ولم تستكن، منذ أعلنت العصيان أولا على اسمها (جهيدة) الذي قيّدوها به رسمياً في خانة العائلة، ثم ثارت في وجه التمييز بين الصبي والبنت وفي وجه المنافقين وفي وجه الكسولين وفي وجه النكران للعائلة كقيمة وفي وجه إهمال الأهل متى كبروا وشاخوا أو أقعدهم حادث. لزيزفون شرف أنها حاولت ولم تيأس، ولحكايتها شرف أنها تعلمنا كيف لا نيأس من الحلم حتى وإن لم نملك منه سوى نقره على صدورنا
كتاب رائع، مدهش، ساحر.. أسلوبه سلس وأفكاره مرتبة بطريقة يسيرة على القارئ، التنقل بين الماضي والحاضر لا يسبب الشتات بل على العكس يخلق داخل القارئ رغبة قوية بالاستمرار في القراءة، والتهام المزيد.
تصف الرواية سوريا المكلومة، سوريا الحزينة، سوريا الخضراء التي تلوثت بالدم على مدى ثلاثة عشر عامًا، تصفها بطريقة شفافية وميّالة للحق، بلا تزوير أو أقنعة، الجاني هو الجاني، والضحية هي الضحية، والجوع يقرص الجميع بلا استثناء.
أعجبني جدًا، وأقول أنه ساحر وبملء فمي، لأنني لم أشهد كتابًا يشرح ويشرّح ما حدث مثله، خاصة من وجهة نظر كانت على الدوام باعتقادنا أن لها دورًا فاعلًا فيما يحدث، لكنه الخوف، الخوف الذي يحمل المرء على الصمت والكذب والهجرة وربما القتل لو استدعى الأمر. أتمنى أن يقرأه كل من يتوق إلى لذة استثنائية، مغموسة بالدمع والقهر، وخبايا ماضٍ لعله فيما بعد يعود أخضر كسوريا.
قصة رائعة حكاية زيزفون الفتاة التي اخذتنا ل الى الماضي من خلال ما كتبته في الدفتر .. تذكر بعض العادادت السيئة والمعتقدات التي كان يتم استغلالها من قبل بعض الشيوخ .. عن مآسي البلاد .. بين الحاضر والماضي عن وجع هذه البلاد سرد جميل جداا قصة موجعة .. اتمنى لبلدي الشفاء القريب شكراا لكِ دكتورة سوسن بعض الاقتباسات.. • على الإنسان أن يرمي نفسه في الحياة لأنه بذلك ينشعل عن التفكير بنفسه التي كلما غاص في التفكير بها تعمق شهوره بالتعاسة.. •• عندما يغيب الإنسان مع نشوة الحب يتنحى العقل جانبا...بل ينام وتنام الذاكرة معه بكل حمولتها الشرسة
هذه الرواية مرآة تعكس حياة السوريين بكل تفاصيلها المؤلمة في العقد الاخير بلغت من الصدق الحد الذي يجعلني عاجزة عن تقييمها او النظر لها كعمل أدبي فهو هنا اقرب لفعل توثيق او تخليص للذاكرة والروح من عبء الذكريات
رواية عظيمة ساحرة كتبت تاريخ بلد من خلال شخصية زيزفون أجيال تائهة مهزومة ل ، المجتمع الذي صار يخاف الآخر ،الألم ،السلطه ،الخوف، الضياع، استغلال الدين ، انها ليست رواية انها حياتنا ك سوريين ، نعيش تحت ضغط الفقر والتجهيل والفقر والتنكيل والخوف ه
شعرت أن صدرى يضيق و ينقبض كلما تقدمت في الرواية ..قرأت روايات أصعب بكتير وكانوا أفضل بكل المقاييس..السرد كئيب جدا بالنسبة لي والأحداث بطيئة لم أنهيها ولن أعود إليها
حكاية سوريا في 60 عاما من وجهة نظر انثى من الطائفة العلوية. شدتني الرواية بعفويتها وبالبطلة ولكن كنت اتوقع نهاية اقوى عموما شكرا للمؤلفة سوسن على اشراكنا قصة سوريا بلسان أقليه قلما نسمع عنها