رواية لا سماء فوق المدينة أحدث إبداعات الكاتب الشاب ميسرة الهادي الحاصل على جائزة دبي الثقافية تُسلِّط الضوء على تراكُمات الحداثة وتأثيراتها على مدينة صغيرة على ضفاف النيل. فالراوي الذي لم يعُد يُلهمه شيءٌ سوى جمال السماء، يُهاجم القُبح الذي تغرق فيه المدينة، ويحاول لفتَ انتباه الناس لما تبقَّى من الجمال، لكنهم غارقون في سعيهم نحو مزيد من القبح والزيف. الرواية تدور في زمن موازٍ غير حقيقي مُتخيَّل أقرب إلى الديستوبيا لكنها ديستوبيا واقعية. كيف تؤثر الحداثة وتفشّي القبح المُصاحب لها على مدينة ريفية صغيرة لتوّها خرجت إلى العالم؟ --- وصلت لكوبري القطار وانثنيتُ ألهثُ، والعالمُ يدور أمام عيني. ثم بالكاد استعدتُ أنفاسي وركضتُ ثانيةً حتى وصلت لمدينتنا؛ للشارع المزدحم وأبواق السيارات اللعينة تصدح مُحتفلةً، والأنوار تملأ الأفق، الناس حولي مندفعة عائمة تلهث في مطاردتها لقطار لا يقف، شعرتُ أني أتداعى وأنا أطوف في وسط الشارع. أرفع رأسي ناحية السماء وبالكاد أرى النجوم من الأضواء فيسيل دمع ساخن من عينيّ ويعود إليّ التذوُّق فجأةً فأذوق ملحَ دموعي. أشدُّ الناس من أيديهم وأشير للسماء كي ينظروا، لكنهم يُزيحون يدي بقرف كأني متسوِّل أو مجنون، ويتجاوزونني مُسرعين غير مُبالين، كأن لا سماء فوق المدينة.
ميسرة الهادي مصري من مواليد المنصورة 1989 فازت روايته الأولى بالمركز الأول فرع الرواية في جائزة دبي الثقافية دورة 2013 وهو في الرابعة والعشرين فاز بعدة جوائز على المستوى المحلي: على مستوى الجامعة وجائزة ساقية الصاوي للقصة القصيرة دورة 2010 عن قصة دنيا رجال صدر له: 1. مجموعة "4" مجموعة قصصية مشتركة مع محمد جلال صدرت عن دار المصري 2011 2. مجموعة "أنا لست بكرا" صدرت المجموعة عن دار نشر المكتبة العصرية 2012 3. رواية "النحت في صخور الألماس" صدرت ككتاب مجلة دبي الثقافية عدد أغسطس 2015 4. رواية "مراثي الدُمى" صدرت عن دار الربيع العربي في يناير 2016
الفكرة العامة ليست سيئة والكاتب عنده لغة قوية لكن السرد نفسه فظ بطريقة لا تطاق. مثلا بين كل جملة واخرى شتيمة. وحتى ليست شتيمة حقيقية لكن كلمات سب عفى الزمن عليها. فيه حالة تشتت وتوهان فى السرد بحيث انه كل الاحداث والشخصيات داخل الرواية مبتورة بلسان الراوى البطل وبوجهة نظره فى الحياة والناس التى يحشرها فى كل ركن بشكل تقريرى بحت. الكاتب ربما عنده خلط بين الكتابة عن ديستوبيا المدينة وبين ان يخرج كل شخصيات الرواية بشكل لا تستطيع ان تتعاطف مع اى فرد فيهم ما يؤثر تماما على المتن النهائى للقصة. بعض الاحداث منفصلة تماما عن الواقع " شخصية سيليا " والاخوة الكبار دائمى الشجار والضرب بشكل كارتونى.. وبعض المعلومات مغلوطة مثلا ابنة الاسقف.. المعروف ان الاساقفة رهبان لا ابناء لهم. خيبت املى بصراحة ..
ما بين سامر بطل الرواية المغترب في وطنه، وشخصيات هذا الوطن الذي لم يعد كذلك، نرى آلاف التفاصيل وعشرات الشخصيات المختلفة التي تتفق جميعها في شئ واحد...نحن في عصر قمئ ملئ بأولاد ال...... في البداية لم استسغ اسلوب سرد الرواية المتصل بلا أي فواصل والمختلف عن طرق السرد التقليدية، لكن مع مرور الصفحات اعتدته واحببته وصار مفهومًا بالنسبة لي سبب ظهوره هكذا....تداعي الأفكار كان هو الأنسب لوصف العالم الداخلي والخارجي لشخصيات الرواية، والانسب كذلك لإخراج طاقات الغضب المكبوتة بداخل شخصية الراوي... المكان هنا بطل أساسي، يظهر واضحًا في أوصاف الشخصيات له، ويظهر كذلك في أفعالهم وصفاتهم، إذ امتزج الجميع فلم يعد واضحًا سوى القُبح ولا شئ سواه... عودة قوية لميسره الهادي بعد غياب سنوات، وفي انتظار لبقية الثلاثية كما أشار سابقًا في لقاء له...
فكرة جميلة و لكن 'الإخراج' لم يعجبني. لغة عنيفة على الرغم من جمالية بعض المواضع. شخوص لا تبعث على التعاطف. القضية المحورية قوية و لكن لم تمسني على إيماني بها.
"أصابني الحلم مرة بكتابة كتاب يُعرف الناس الحقيقي من الزائف لكني نأيت بنفسي عن هذا الشرك، فكيف أعرف أن ما أكتبه حقيقي أم مصطنع؟"
يصحبنا بطل الرواية في جولة تمتاز بالغضب والصخب وربما العنف تجاه كل ما هو مزيف، يبدأ مع زيف المدينة، وظواهرها، أثار التكنولوجيا وعصر السرعة الذي نعيش فيه. مرورًا بالزيف الخاص بأسرته، ثم ينتقل بخفة وبشكل ساخر لزيفه هو الشخصي. يحاول تغيير هذا الزيف، يشد أيدى الناس حتى ينظروا للسماء، كأن رؤية السماء لدى بطلنا، محاولة منه ليتلامس مع المطلق، مع الحقيقة والجمال، وسط حدود المدينة الضيقة والقاصرة. حين يجد الناس لا تبالي، وتسخر من رغبته يذهب في مهمة غريبة من نوعها ويقطع التيار الكهربائي عن مدينته، لربما يتأملوا قليلاً ويقدروا الطبيعة وجمالها الأبدي الذي لا ينتهي! يتساءل، لم لا نستطع تأمل السماء، لم نعتاد الجمال، حد أنه يختلط علينا الزيف بالحقيقة، وما الحدود التي تمكننا من معرفة الفرق بينهم؟! نجد الزيف متمثلاً في رموز وأشخاص عدة، بداية من أخوه الذي يستخدم مذكرات دراسته في تعاطي الحشيش، الجسم المفتول بالعضلات ظاهريًا، سرعة الحصول على المعلومات في مقابل فوضى المعلومات وكثرتها، سهولة الشهرة وظاهرة الانفلونسرز، ثم ينتقل لزيف المفاهيم، زيف المسارات التي لم نخترها بالأساس، وربما ندافع عنها ظنًا منا بأنها إختيارنا الخاص، وزيف الحب بالتحديد، يتساءل هل نحن حين نحب، نحب الشخص لذاته أم نمارس كتالوج الحب وتوقعاتنا عليه؟! نجده يختبر دائمًا الشعور بالخواء والبحث عن شيء ما مجهول، حد أنه يحاول أن يجد ذاته بين ما يعكسه عليه والده، ووالدته من صفات ورغبات وأحلام، ومسارات معينة. رمزية القيء في بداية الرواية ونهايتها مدهشة، كأنه أراد تقيأ هذا العالم، بزيفه، وأضواءه الصاخبة، وألوان نفاقه وادعاءاته التي لا تنتهي، واللغة الصاخبة الحادة، ربما كانت الأنسب لتعبر عن غضب البطل تجاه ما يوجد حوله من زيف، وربما كان هناك إحتمالات وطرق عدة لألمس الغضب لديه بشكل غير مباشر.
نبكي، يزداد بكاؤنا فلا نعرف أنبكي قتلانا أم نبكي المدينة أم نبكي من ألم الحريق المستعر في وجوهنا أم نبكي ذلك الألم الذي يصاحب معرفه الحقيقة: كوننا محابيس في أقفاص، كوننا اجسادًا قاصرة لا تستطيع الطيران وإن طارت فالصيادون متسترون وسط فروع الأشجار"