لقد كان أبو العلاء شاعرًا بكل ما في الكلمة من معنى، وأديبًا بكل ما تتضمنه كلمة أديب من معانٍ، وفنانًا لغويًّا بارعًا، أخضع كتابته لأصول فن الكتابة، ولعب باللغة متنها وأساليبها لعب الصبية بالأكر، ولكن شاعريته مع هذا قد جنحت إلى الفلسفة، فصورت لنا الحياة أكمل تصوير فلسفي، وفسرتها لنا أعمق تفسير مبني على تفكير وتدبر. ومال أدبه إلى المجتمع الذي يحيط به، فأبان معايبه أتم إبانة، ووصفه أبدع وصف، ولم ينسَ شخصيته ولا نفسه التي بين جنبيه، بل إنه أرسل عليهما أشعة من ثاقب فكره، وألقى عليهما ضوءًا من نظمه ونثره فتركهما ظاهرتين بارزتين للعيان، لا تخفى منهما خافية، تتحدث إحداهما عن الأخرى، فيراهما من كان على بصره غشاوة، ويسمع حديثهما من كان في أذنيه وقر.
بحث جيد يسلط الضوء على كثير من أفكار أبي العلاء، وفي ظني تنقصه بعض المراجع المهمة، فبعض الأمور المذكورة على سبيل المثال عن الدير الذي أخذ منه في صباه، نفاها العلامة المحقق محمود شاكر في كتابه أباطيل وأسمار، بالدليل المقنع والرجوع إلى أولى المراجع التي عرفت لأبي العلاء، والتوصل إلى هذه الفكرة كيف شاعت؟
الحياة في عصر المعرّي ساهمت في تكوينه الذي نعرف فهو لم يكن بالفطرة بهذه الصورة،" كتاب فلسفة أبو العلاء المعرّي مستقاة من شعره"،كتاب عظيم ورائع ومبحث دقيق يحتاجه الإنسان ليعرف من هذا الرجل العظيم الغريب المتقلّب الحائر، تجد له في كل باب فلسفة غريبة ولكنّه لا يبوح بها جهارًا بل يواري عنها.