ينكب عليها كغائبٍ قد عاد ، أو تائبٍ يرجو أن يُغفر ذنبه، يقبل رأسها ويحتضنها بقوة، وهى جالسة تمنعها قبلاته وأحضانه عن الكلام، حتى يستوى في مجلسه أمامها ؛ يعم الصمت أرجاء المكان، وكأنما محمود في حضرة ملكٍ معظم، أو أنه ينتظر لسماع الأحكام ! القاضي اليوم هو محاميه الذي يدافع عنه ؛ المجني عليه هو سنده وحضنه الدافي، كيف له أن يتحدث في حضرة أمه؟! كيف له أن يقدم الأعذار لعلها تقبل الاعتذار؟!
رغم العيشِ تحت سقفٍ واحد ألا إن اختلاف التعامل مع الأبناء في ظل وطأة العوز والفقر يولد لدى كلًا منهم الشعور بالأنا وحب الذات فيقع التعارض بين الاحتياجات والقيم والمصالح، وما إن يبدأ الصراع الداخلي حتي يتحول إلى صراع خارجي بين جميع الأطراف ، فالصدام الذي يحدث بين رغبات الفرد ومطالبة الغريزية.. بين بيئته التى ترعرع فيها وتعاليم المجتمع وقوانينه.. بين الخيال والواقع.. بين الحاجة والقدرة.. بين الحب والكراهية قد يشبه نار السعير لا يمكن الهروب منها ولا يستطيع حتى اخمادها لاسيما في ظل غياب الأب وقلة حيلته.. وأمٌ متخلية لا يشغل بالها إلا تقلبات الدهر وعقبات الحياة. أنا على حق وأنتَ مخطئ..!! سأتمرد عليك دائمًا.. أفعالك لا تروق ليِّ..!! أنا أو أنتَ.. حتى وإن كنا إخوةُ أشقاء.. ظُلمنا معًا.. وقتلنا الجوع والحرمان معًا ، ولكن أدركُ ما لا تُدركه.. أعى ما لا تعيه فما عليكَ إلا الاذعان ليِّ..!! فيا تُرَى هل غاب الانسجام والتوزان بين الإخوة فدار بينهم الصراع.. أم حافظوا على تماسك الأسرة فنشأت بينهم الأُلفة وكانوا يدًا واحدةً تتحدى كل الأخطار؟. أما يمكنهم الاعتصمام بحبل الله فلا يتفرقوا.. أم قتلتهم الضغائن فدخلوا من أبوابٍ متفرقة..؟!