يرصد الكتاب رصدا نوعيًّا الحركة النسوية التونسية في إطارها المحلي والإقليمي والدولي، متعرّضا لمختلف مجالات نشاطها. اشترك في هذا الرصد مجموعة من الباحثين-ات من خلال محاور رئيسية، تناولت أشكال النضال المتنوعة لدى عديد النسويات. وتابعوا نضالهن في مجالات عديدة ضمن الجمعيات وفي مجالات الاعلام والبحث وحتى نضالهن ضمن هياكل ومؤسسات الدولة. وقد اعتمدت البحوث مناهج مختلفة منها: الحوار والتحقيق واللقاء والدراسة، وشملتْ الاتصال بعديد الناشطات والمناضلات اللاتي مارسْن عملهنّ مساهمة في مقاومة آثار العولمة الاقتصادية على النساء عمومًا وفي تونس بالأساس. يكتسب هذا العمل قيمة علمية متميزة خاصة وهو يعتمد على تجارب ونضالات مجموعة هامة من الفاعلات المناضلات، ويصافح ما قدمنه نقدًا وتحليلاً وفهمًا تأويليًا جندريًا- نسويًا. كما يكتسب قيمة نضالية إذ هو حسب ما ورد في التقديم على لسان أصحاب المقالات "ينطلق من ذواتنا ومحيطنا وإرثنا... وربما يكون مقصد كل المقاصد من هذا العمل هو الإعداد لصنف من أصناف النقلة الايبستيمولوجية".
“في ثنايا النسويات” كتاب جماعي شبابي اشترك في تأليفه مجموعة من الباحثات والباحثين الشبان من تونس: حازم الشيخاوي، و سمر سحيق، و مريم أولاد شايب، و محمد فرحات بوغزالة.
هاته المرة استضفنا كل من حازم الشيخاوي (أستاذ فلسفة وباحث في الجندر) مريم أولاد الشايب (صحفية ، تعد الأن ماجيستر بحث في النوع الإجتماعي والثقافة والمجتمع ) ومحمد فرحات بوغزالة (دارس وباحث في النوع الإجتماعي والقانون العام) بمناسبة مناقشة مؤلفهم الجماعي في ثنايا النسويات. ملخص اللقاء. - حلمي الشيخاوي : قبل الدخول في مناقشة مواضيع الكتاب ، وفي علاقة بموجة الكوفيد المنتشرة ، التي باتت تتجاوزُ المعطى الصحي ، قرأت مؤخرا مقالا طريفا بعنوان " هل الكورونا فيروس نسوي؟" ماذا لو انسحب الكوفيد إلى دائرة الجندر أو النسوية ، ماذا يمكن أن نقول عنه ، هل خرب الجندر أم ساهم في تعميق أزمة العنف ؟ - حازم الشيخاوي : كان بودي أن اتفق مع عنوان صاحب المقال ، عندما قلت أن الفيروس كسر الجندر ، لكن دعني أعرف الجندر بكل بساطة: الأدوار الجندرية هي الأدوار التي تُمنح حسب الجنس البيولوجي ، أي إذا ما كنتَ رجلا عليك أن تفعل كذا وكذا وإذا كنتَ إمرأة عليك أن تفعلي كذا وكذا ... مؤخرا صدرت كراس قام بها منتدى الحقوق الإقتصادية والإجتماعية وكتبت أنا فيه مقالة عن العنف المسلط ضد النساء زمن الكورونا تثبت عكس ذلك ، ثم إن كل ّالأرقام والمؤشرات والشهادات والسرديات تقول إنّ الكوفيد عمق الأزمة ، وبان بالكاشف أن البنى الإجتماعية والبنى السياسية هي بنى تشتغل وفقا لرؤية ذكورية بحتة، سأعطيكم مؤشرات بسيطة ، نسبة العنف أثناء فترة الحجر تضاعفت خمس مرات ، أرقام الخطوط المجانية للتبليغ على العنف، هذه الأرقام الخاصة بوزارة المرأة والجمعيات الخاصة أصبحت مشغولة ولا يمكنك التحصل عليها، وهذا ما حدث في العالم كله تقريبا، الشيء الذي يجعلني أقول دائما أن الأبوية هي نظام كوني. لذلك أقول إنّ فيروس الكورونا هو فيروس بطرياركيّ وليس نسويّا. - مريم أولاد الشايب ؛ إذا كنت سأضيف شيئا على كلام حازم ، أود أن أذكركم بأمر قد تداول على الأسماع أول ظهور فيروس الكورونا ، كان هناك حديث حول كيفية نطق الكورونا في صيغة المذكر le-corona أو في صيغة المؤنث la corona ، فتم الإجماع في النهاية على أنها في صيغة التأنيث، لقد إنتقل العنف المسلط على النساء إلى الفضاء الخاص ، منذ أن تغير نظام حياتنا ، فبعد أن كان الرجال يقضّون وقتهم في المقاهي والشارع ، الأمر الذي يحدّ من الإحتكاك بينهم وبين النساء ، صاروا محاصرين في منازلهم مما جعل الإزمة تطفو على السّطح، الشيء الذي جعل العديد من الجمعيات النسوية تطلق حملة بعنوان " العنف على النساء يقتل مثل الوباء " فمنظمة الصحة العالمية عرفت العنف على النساء حالةً وبائية ومشكلة صحة عمومية. أعطاكم حازم منذ قليل رقما ، وهو تضاعف العنف خمس مرات في بداية الكوفيد ، لكن هناك رقم آخر محين ، وهو تضاعف العنف سبع مرات الآن ، وهي إحصائيات مصدرها الرقم الأخضر لوزارة المرأة ، وما خفي كان أعظم. دون الحديث عن العنف الرقمي وما جاوره ... - حلمي الشيخاوي : ألا يمكن الحديث علن النصف الممتلئ من الكأس؟ - محمد فرحات بوغزالة ؛ هو النصف الممتلئ، ليس ممتلئا كثيرا، ولكن فعلا الكوفيد جعلنا ندرك أكثر مشكلة العنف المسلط على النساء والفئات الهشة، وفضح أشكاله ، ثم إنّ الحجر كشف عن كون النساء يعشن في نوع من الحجر الرمزي طوال حياتهن من خلال حبسهن في المنزل. إذن فالكورونا ساعدتنا على التقدم في البحث والدراسة ، والوباء الحقيقي هو العنف ، لأن فيروس الكوفيد سيأتي ذاك اليوم الذي يندثر فيه. - حلمي الشيخاوي - سأعود إلى الكتاب الأن تقرون في مقدمة الكتاب أن هذا المنجز الكتابي نوعي ، نظرا لكونكم تتعاملون مع مادة غير تقليدية ومخالفة للمعايير الكلاسيكية المهيمنة على المعرفة ، هل يمكن إعتبار أن هذا الكتاب ينطوي ضمن المعنى الدولوزي للكتابة ، بما هي إبداع ، أنماطا جديدة من التفكير، فيكون ملائما ومنصتا لما يجري في العالم؟ كيف أتت الفكرة وكيف وقع إنجازها؟ - حازم الشيخاوي : هو نوعي في إطار النقلة الابستمولوجية ، لأن العلم سابقا بارديغم كامل ، إذ كان علما نوعا ما قائما على معرفة الحقيقة والحقائق واكتشافها ، لكن الذي حدث فيما بعد في الفلسفة المابعد بعد حداثية، هو تكسير ذلك الإطار ، وأصبح العقل العلمي بصفة عامة قائما على التأويل والتفسير . وأبعد من هذا ، لم نعد نستطيع دراسة مسألة ما بشكل فردي ، لذلك لم يعد هناك أيضا نجوم في عالم المعرفة ، لأن كلّ ما هو قائم الآن ، هو قائم على مجموعات بحثية ، فالمعرفة هي معرفة تبنى وتتقاطع فيما بينها ، وهذا ما يقوم عليه الجندر في الحقيقة ، لأن الجندر يخترق جميع المجلات. هذا من جهة ، المسألة الأخرى التي أعتبرها نوعية ، هو إنتقالنا من المادة الذي/تي قام/ت بها صديقنا/تنا سيف الثايري الذي أخذ الكاميرا الخاصة به وذهب ليجري حوارات مع نسويات ، وهذا ليس بالسهل ، فأن تحاور مايا الكسوري ويسرى فراوس وخوخة ماكوير ودرة محفوظ وتسألهم ما هي النسوية بالنسبة إليهن ، أمر ليس بالسهل أو البسيط ، لأن كل واحدة فيهن لديها نسوية ومنطلق إيديولوجيّ وإجتماعيّ وسياسيّ خاص بها ، فكان من الطريف جدا أن نأخذ تلك الحوارات ونبحث عن نقاط الإلتقاء ونقاط الخصومة الفكرية حول المفاهيم والتجارب ، إذن من هنا تأتي طرافة كتاب في ثنايا النسويات. أما المسألة الأخيرة التي أريد أن اختم بها حتى لا احتكر الكلمة ، فهي ذاتية الكاتب أو الكاتبة ، فعندما تنطلق إلى الكتابة أنت لا تنطلق من فراغ ، بل تنطلق من معيشك ،من تجربتك ... ومن خلال ذلك تتم المعالجة. وهو ما يقودنا إلى معركة أخرى أكبر ، هل أن الجندر علم أو لا ، وهو السؤال الكبير الأن. فهل إنّنا نقوم بعملية ثأر للنساء المهمشات عبر التاريخ أم لدينا قراءة علمية؟ أما عن كيف أتت الفكرة وكيف تم انجازها ، فالشرارة الأولى كانت في إطار مناسبة وفي إطار حديث عابر وأنا جالس مع سيف في المقهى ، قلت له إن حواراته كانت جيدة وأعجبتني ، فلم لا نشتغل حول كراس تدور في إطار تلك الحوارات، فالفكرة في البداية كانت إنجاز كراس ، ثم بدأ المشروع يتشكل في ذهني تدريجيا ، حول المواضيع التي سنعالج من خلالها الحوارات ، النسوية والإعلام ، النسوية والتاريخ ، تبدلات النسوية وعلاقة النسوية بالدولة ... فاتصلتُ حينها بأصدقائي وصديقاتي وأعلمتهم بالفكرة ، ثم التقينا وبدأنا في العمل ، وهنا أريد أن اشكر صديقتي العزيزة ريم عيسى التي بذلت جهد كبير جدا في تنسيق وإخراج الكتاب وأشكرُ مؤسسة روزا أيضا على الدعم المعنوي والمادي. - حلمي الشيخاوي : سألتُ حازم كيف أتت الفكرة ، لكن سأسأل مريم ومحمد حول مدى تقبّلتم لفكرة ؟ - محمد فرحات بوغزالة: أنا إلى الآن أذكر اليوم الذي إتصل فيه حازم بي ، وأخبرني بالفكرة ، وافقت دون تردّد ، ثم أتذكر لما اجتمعنا لأول مرة إفتراضيا ، ولم أكن أفهم ما يحدث وما أنا بصدد خوضه ، خفت في البداية ، لأنني لم أفكر أن بدايتي في المشاريع البحثية والتأليفية ستكون بهذه السرعة وبهذه المفاجأة. - مريم أولاد الشايب : أنا أعمل بفكرة البناء والتّراكم ، لذلك أول ما طُرحت علي الفكرة ، قلت سأشارك ، لأن هذا الميدان الذي أحبه ، ثم بدأت أفكر ، ما هي القيمة التي يمكن أن أضفيها في إطار مشروع الكتاب وكيف أكتبُ بمنهجية أكاديمية، ونحن نعرف أن الكتابة الأكاديمية التي تختلف عن الكتابة الصحفية ، وكيف أحاول أن أكون موضوعية بدون أن أبدي انطباعات أو آراء أو أحاسيس مفرطة في الذاتية. ربما هذه هي الصعوبات القليلة التي وجدتها ، ولكن ما هو جميل في هذا العمل ، هو الطريقة التي اشتغلنا بها والطاقة الجميلة التي بثّت فينا جميعا، إضافة إلى عامل آخر ساعدنا في الكتابة، هو أن نكتب بكامل حريتنا. - حازم الشيخاوي ( يأخذ الكلمة ) بخلاف أن المعرفة هو مجال مهمّش في بلادنا ، فإن الشاب الباحث هو موصوم سلفا لدى الجامعات الكبيرة ، فكلما حاولنا أن نكتب ، قيل لنا من أنتم كي تكتبوا ، وهذه هي المسألة المهمة في هذا الكتاب ، ومن أهداف الكتاب الضّمنية ، كيف يُقدم الباحث الشاب على الكتابة التأليفية ويخوض في غمارها ، ثم هناك شيء أخر مهم جدا ، وهو أنه من حقك باحثا شابّا أن تخطأ، فعلى عكس السائد ، يعتبر الخطأ من المسائل المهمة جدا ، باشلار يقول أنه لو لم يكن هناك الخطأ لما كان هناك الاستمرار والنقاش والجدال والتقدم. أنا أرجو أن ما ذُكر يكون قد تحقّق، وأنّ الكتاب بإمكانه أن يدخل في علاقة ديالكتيكيّة مع جمهوره، وخاصة فئة الشباب والشابات ، لأن عند الحديث عن النسوية ، نعتقد دائما أننا نتحدث عن فئة عمرية كبيرة ناضلت من أجل مجلة الأحوال الشخصية إلخ إلخ ، لكن في اعتقادي أن القضايا أعمق بكثير من كل هذا ، نحن أردنا أن نتحدث عن النسوية في علاقتها بالكولونياليّة ، بالنيوبيراليّة ، بالإقتصاد ، بالجامعة في حد ذاتها ، فالجامعة التونسية هي جامعة ذكورية ، فباستثناء دراسة الجندر ، لا تجد مثلا دراسة تاريخ النساء ، فالجامعة غير قادرة على الخوض في مثل هذه المسائل الحساسة. - حلمي الشيخاوي : يبدو أن فكرة مشروع الكتاب يمكن اختزالها في استحالة أن نستسيغ نسوية النسويات بدون التطرق لحوامل صاحبتها وأصحابها ، سأضع سؤالي في إطار مصطلح ذوتنة النسوية كما دعت إلى ذلك خوخة ماكويير ، حيث ينطلق إتجاه كتابكم من موقف يجعل المعرفة المنتجة مشبعة بمواضيع المعرفة - الناس ، أكثر من العارفين - الباحثين ، إذ تجري ازاحة مركز السلطة من الباحث إلى المبحوث ، وينطوي ذلك على إعادة الإعتبار للذات ولمحويرتها في إنشاء المعرفة ، السؤال هنا ، كيف ننجح في هذا بدون أن نقع في الثنائية المضادة الأخرى والتي يكون الكتاب فيها يحتوي على الكثير من العارف والقليل من موضوع المعرفة؟ - علي الفاهم ؛ لدي إضافة بسيطة على سؤال حلمي ، ألا تعتقدون أن الكاتب عليه أن يكون بالضرورة منحازا ! لذلك ربما كان الكتاب يحتوي عن الكثير من العارف والقليل من موضوع المعرفة. - حازم الشيخاوي : لقد صارت نقلة نوعية في العلوم الإجتماعية ، ألا وهي النقلة اللسانية، ميشال فوكو فتح بابا كبيرا عندما شرع في كتابة تاريخ الجنسانية وتاريخ الجنون إلخ ، ألا وهو باب مسألة الفرد والفردانية ، هذا الفرد الغائب في تاريخ المجتمعات الشمولية والمهيمنة، وهذا ما نعيشه اليوم في تونس ، كأن يقول لك أحد ما إنّ المجتمع التونسي هو مجتمع مسلم بدون الأخذ بعين الإعتبار الخصوصيات والفروقات العديدة ، وتعمقت أكثر مسألةُ الفردانية في ميدان السوسيولوجيا مع مدرسة شيكاغو ، التي كانت تسعى إلى تأسيس ما يسمى " بالسردية " فأصبحنا عندئذ نتحدث عن ملفوظ الفرد وكلام الفرد ومعيش الفرد ، الذي بإمكانه أن يكون منطلقا للمعرفة ومهادا للتّحليل والنقاش والدراسات ، آخر ما أنهي به فكرة نيتشة ، الذي عندما أعلن عن موت الانسان الميتافيزيقي ، أراد أن يمنح حياة للفرد بالمعنى السوسيولوجيّ للكلمة ، لذلك إنطلقنا نحن من حياة وسرديات الأفراد لبناء المعرفة ، وهذا شكل من أشكال النضال والمعرفة اليوم حسب تقديري. - مريم أولاد الشايب: سأضيف نقطة صغيرة جدا ، أعتقد أن منهجية تحليل الخطاب ، لبناء التأويلات والتفسيرات هي التي جعلتك تشعر بهذا الإنطباع ربما. - هيلان الماجري : تكتب حازم في الصفحة 36 " أن ما بين النسوية والكويرية فرق شاسع " فيما يرى المفكر التونسي فتحي المسكيني أن أبحاثنا الراهنة بالعربية لم تتمكن من تأصيل الجندر في ثقافتنا ، أي لم تقطع تلك المسافة المشكلة والمركّبة من «الجنس الآخر» (سيمون دي بوفوار) إلى « حل أو تخريب الجندر » (جوديت بتلر) ، وهي مشكلة فلسفية حسب قوله يبدو أنّها لم تبدأ بعد. فالمطالبة الحقوقية بالمساواة تضعنا على حافة الجندر ، دون أن تقحمنا في فعاليته ، لأن الجندر ليس مشكلًا حقوقيًّا إلّا عرضًا، بل هو مشكل هوويّ ، أريد أن اسألك هل توافقون ما ذهب إليه المسكيني ، في أنّ أبحاثنا لم تتمكن من تأصيل الجندر في ثقافتنا بعد؟ ولماذا حسب رأيكم ؟ هل المسألة متعلقة بإشكالية فلسفية حقا أم أنها مسألة لها علاقة باللغة والتبعية اللسانية في المعجم العربي التي خلق فجوة في تطوّر المعارف الجندريّة في منطقتنا العربيّة. - حازم الشيخاوي : مع احترامي للفيلسوف فتحي المسكيني ، لكن كيف ترجم لفظ " المثلية " في مقدمة كتاب بتلر ، لقد ترجمها " بالشذوذية" ، وهذا اللفظ هو غريب عن الدراسات الجندرية ، وهي تمثل نوعا من الوصم الإجتماعي للمثليّ الجنسي... دعني هنا أحيي مجهودات خوخة ماكويير التي حاولت إنشاء قاموس خاص بالمصطلحات، بالإضافة إلى مجهودات موقع ويكي الجندر ... - حبيبة علية ( تأخذ الكلمة ) هناك أيضا مؤسسة روزا فرع لبنان ، التي عملت بالشراكة مع مجموعة من الباحثين والباحثات على إنشاء قاموس جندري ، لأن لغتنا العربية للأسف تخوننا في بعض الأحيان ، أمام تقدم العلوم والمفاهيم والمصطلحات الجديدة. إضافة إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية وهي أن نخبنا تستهلك الكثير من المعرفة التي تنتج في الأوسط الفرنكوفونية ، وتغيب الديناميكيّة الكبيرة الحاصلة في الفضاء الأنغلكسكسوني. - مريم أولاد الشايب : تحدثتم عن الكثير من الأشياء التي كنت أود الحديث عنها. من بينها مشكلة الترجمة ، فنحن -دارسي الجندر-أغلب المراجع التي نعتمدها مكتوبة باللغة الانجليزية، فثقافتنا إلى الآن بعيدة عن الثقافة الأنقلوسكسونيّة ، وذلك لإعتبارات عديدة منها إرث المستعمر والثقافة الفرنكوفونية التي رُسّخت من عقود طويلة محاولين الدفاع عنها حدّ الآن. وهذه معركة ثقافية أخرى لا تعنينا الآن. من جهة ثانية لو فرضنا أن اللغة العربية هي لغة ثورية وليس لها مشكل مع الترجمة والتبيئة المحلية وتراعي مقاربة النوع الإجتماعي ، سننتقل حينها إلى إشكاليّة أخرى وهي مسألة إستعمال هذه اللغة ، وهذا ما سيقودنا إلى مستويات أخرى من التوترات الحاصلة في علاقة باللغة. - هيلان الماجري : تشيد الذات حسب بتلر بشكل أساسي في اللغة ومن خلالها ، وهذا ما أشرتم له في الكتاب ، في الصفحة 36 تحديدا " تشكل الذوات عبر ومن خلال الخطاب ، فالفرد كائن خطابي ، وفاعليته تستمد من الكلام أو التلفظ أو الدال " وهو ما تشير إليه خوخه ماكويير " اللغة هي أم الأدوات الملموسة والمسلطة مباشرة ".سؤالي هنا، كيف نتعامل مع اللّغة التي تُكرّس الهيمنة والتبعيّة؟ كيف نفكّر في اللّغة نظاما رمزيّا سلطويّا؟ كيف نُمارس اللّغة؟ اللغة أم الخطاب، ما الفرق بينهما؟ - مريم أولاد الشايب : أنا تحدثت عن الفرق بين اللغة والكلام. كلنا يمكن أن يكون لنا نفس اللغة، ولكن لن يكون لنا نفس الكلام، لن يكون الإستعمال اللغوي الخاص بي مشابها للإستعمال اللغوي لأي فرد أخر ، أنا أستعمل على سبيل المثال " الشذوذية " وحازم يستعمل " المثلية " ، هذا قد يعطينا نفس المعنى لكن هذه الكلمات المختلفة تعطينا تأويلا آخر. في الأخير كل واحد منا يوظف اللغة بطريقة معينة. أما في علاقة بالجزء الأول من سؤالك، ثمّة مبحثآهر هو "speech act" أو الفعل الكلامي.. يعني إنّ الكلام ليس مجرد كلام بل يحدث تأثيرا على من يسمع أو يرى. - حلمي الشيخاوي : كيف نستعمل كلامنا ونفلت في نفس الوقت من ذكورية الكلام؟ - مريم أولاد الشايب : هو اشتغال على الذات في المقام الأول ، أنا أذكر على سبيل المثال ، ريم بالرجب في حوارها تقول 'عبد.. عبد..عبد' ثم تستدرك وتعتذر " سامحوني نقولو شخص مش عبد " أنا أعرّف نفسي على أنني نسوية ، وأعتبرها مسؤولية كبيرة وليس لي حق الخطأ في اعتماد مصطلحات ك"عبد" لذلك أنا أعتبر نفسي في مسار النسوية الى أن أصبح بالخط العريض نسوية. الاجابة هنا تتمحور اذا حول الاشتغال الذاتي والتجرد من الموروث الثقافي رغم أنه ليس بالأمر الهين ، فنحن متشبّعات به وحملناه منذ أن كنا في بطون أمهاتنا. - حلمي الشيخاوي: هناك من يعتبرها معركة هامشية ( معركتنا مع اللغة ) ، هناك من يعتبرها معركة إخلاقوية ، إذ نحمّل اللغة مما لا طاقة لها به ، أريد أن اسأل هل هي الواجهة الاولى للصراع او المعركة التي يجب ان يخوضها هذا الكائن الخطابي مثلما سميناه ، هل هي معركة أخلاقوية؟ - محمد فرحات بوغزالة : اللغة دائما ما تفضحنا ، لذلك يجب أن نشتغل عليها ، ثم أنني لا أراها أ معركة هامشية أو معركة من درجة أولى ، إنما كل شيء يسير بالتوازي من أجل هدم بناء كامل شيدته الثقافة الذكورية . - حازم الشيخاوي : اللغة أداة قمع. ولا يمكن أن نصفها بأكثر من ذلك. من التي يمارس الممارسات الأخلاقوية؟ اللغة. من التي تعكس البناء الاجتماعي؟ اللغة. حتى لغة الدولة الرسمية هي لغة تقمع وتستثني الافراد . وأستحضر هنا الدراسة التي اشتغلنا عليها حول الكتب المدرسية ، وأخذت أنا قسم كتب مادة التربية المدينة. وأكتشفت أن هناك حصرا لا ينتهي للفظ الطفل ، حينها تساءلت ، أين هي الطفلة من كل هذا ؟ اللغة إذن هي لغة تنتصر للذكورية ، حتى إن من قواعد اللغة العربية ، في حال كان الحديث عن جمع من النساء ومعهن طفل رضيع من جنس "المذكر" فإن مخاطبتهن تكون بصيغة جمع المذكر أي التنقل من "هن" الى "هم" رغم أن هذا الرضيع لا يمثل إنسانا راشدا حتى تستطيع تصنيفه. أكرر اللغة ليست محايدة هي تمارس القمع. أعطيكم مثالا أخيرا من المسائل التي اشتغلت عليها ، وهو إستعمال وصم " كريوكة " من أين أتى ؟ لقد أتى نسبة الى الراقصة المصرية تحية كاريوكا، فإذا أردت أن تحط من قيمة ذكر/فحل تقول له "يا كاريوكا"، هناك أيضا أمثلة أخرى على غرار " اضرب القطوسة تتربى العروسة" أو "كلمة الصباح كلمة العشية ترجع المسلمة يهودية " في إشارة إلى أن فعل الثرثرة والتخصص في "التقلقيل" هي صفات النساء . وهكذا إذن تكرس الأدوار الجندرية أو السوسيو- جندرية موجهة ومقسمة إيانا منذ الطفولة. ومن يقول إن مسألة جندرة اللغة هي ترف فكري /نضالي أقول له تلك هي الثورة الحقيقية والفعلية. وليذهب للإطلاع على دراسات جوديث بتلار في اللغة والذات الأدائية. أستحضر مرة أخرى المقال الذي كتبته عن فضاء 'الحجام/الحلاق' لأنه يعتبر من أكثر الفضاءات التي تكرس الهيمنة اللغوية من خلال اللغة والرؤيا القضبية. وبالتالي علينا محاربتها مثلما نحارب النيوليبرالية وغيرها ... - حلمي الشيخاوي : سأعيد سؤالك مريم الذي طرحتيه في الكتاب ، هل مازلت وسائل الإعلام " المهيمنة " بالفعل مهيمنة ؟ خاصة ونحن إزاء ميديا جديدة تبدو عصية على الجندرة كما تذهب في ذلك مباحث التغيّر”الاجتماعي-الثقافي” في عصر الوسائط الرقمية التي بشرت بنهاية الأقطاب الكلاسيكية المسيطرة ونهاية عصر الزعماتية ونهاية معيارية المعرفة لصالح معيار التقنية الرقمية، وانتقلنا من مفهوم الجمهور ونظريات التلقي إلى براديغم المشاركة والفاعلين وهو ما سيقودنا رأسا إلى سوسيولوجيا الإستخدام ، لماذا لم يتحول بحثك رأسا إلى سيف الثايري على سبيل المثال؟ - مريم أولاد الشايب : في الجزء الأول من السؤال ، لا لم تعد مهمينة ، لماذا؟ لأنه سياقنا التكنولوجي والاجتماعي والتاريخي غير واستبدل أشكال الحضور ، فأنتهى ما تسمى بهيمنة الإعلام التقليدي ، بفضل دمقرطة الانترنات . وبتنا نعيش هيمنة أخرى في الفضاء الرقمي ، توجه الرأي العام رغم أن هناك انتقادات حول مصطلح "الرإي العام" إذ لا يوجد رأي عام بل آراء ، تؤثر في الفرد بشكل مباشر عن طريق نماذج الاتصال الأحادي/التفاعلي. أما في المستوى الثاني من السؤال، فلم يكن المجال يسمح بذلك، لأن زاوية العمل المشترك كانت موجهة ، لكن لو يفتح المجال ثانية ، ربما تكون ملاحظتك تكملة لزاوية أخرى من العمل. - هيلان الماجري : تقول في مقالك إنك ستحاول رسم المحطات الكبرى لسيرورة التنظيم النسوي في تونس ومختلف الأحداث والمنعرجات التي ساهمت في نحت ملامحه الأساسية، هل يمكن إعتبار مساهمتك مندرجة ، في إطار ما سماه بول ريكور باستدعاء «حق الذاكرة» آلية من اليات مقاومة الذاكرة المحرفة أو الممنوعة. وفي مستوى آخر. هل يمكن تصنيف مقالتك على أنها عملية توثيق وتأريخ وهل هناك فرق بين فعل التاريخ والتوثيق؟ - حلمي الشيخاوي : أريد أن أضيف أمرا في علاقة بالنسوية، تعودنا استحضار النساء في علاقة بالتاريخ التحرري الوطني ولا نستحضر النساء في ذواتهن. هل هذا المقال محاولة للابتعاد عن التوظيف الايديولوجيّ لمواضيع النساء من أجل منحهن استقلاليتهن؟. - محمد فرحات بوغزالة : في المقال حاولت التعرض لمحطات أنا رأيتها وبشكل شخصي مهمة وبارزة ، لأني لا أستطيع الوقوف والتعمق في كل المحطات. أخذت منها نماذج مرتبطة بالهيكل البحثي والعملي لسيف الثايري مع المؤرخة صوفي بسيس.