إنّ التجربة التاريخيّة الشيعيّة حُذِفت من الرواية اللبنانيّة الوطنيّة، وأقصى المؤرّخون المسيحيّون المعاصرون، المختصّون بكتابة عرض الأحداث وسيرة القديسين، الشيعة اللبنانيّين عن مكوّنات لبنان التاريخي. وأصبح النظام اللبناني الكلاسيكي المستقبلي، نتاج مخيّلة المنظّرين المسيحيين. فلم تكن الإمارة على القبائل الدرزية يومًا، المؤسّسة الوحيدة ولا الأكثر أهميّة وعراقة للحكم الذاتي في لبنان. كان الأمراء الشيعة في جبل لبنان، كما في البقاع وجبل عامل، إما حلفاء أقوياء أو منافسين للامتداد الإقليمي والنفوذ السياسي لأمراء الدروز في الشوف. منذ القرن السابع عشر، أوجد البطريرك الدويهي رواية واهية حول صورة الأمير الشوفي كحاكم حقيقي وفريد على لبنان. فكان أول من أطلق هذا الإفتراض، الذي تبنّته الكتب المدرسيّة الحديثة والأبحاث التاريخيّة الهادفة مرسّخة الفعاليّة التاريخيّة لهذا النظام، حيث هناك قائد في جبل الدروز على رأس السلطة، وحاكم على لبنان موحد سياسيًّا وإداريًّا، مهمّشة كل التيارات الأخرى زاعمة أنّها دولة لبنان الدرزيّة المارونيّة حاجبة تاريخ القسم الأكبر من لبنان الحالي في البقاع وجبل عامل وجبل لبنان، وأسقطته من التاريخ الوطني العام، ليُعمِّم تاريخ الشوف على كل لبنان. إنّ هذا البحث يحاول الخروج من هذا النفق المتوارث لإعادة الإعتبار إلى تاريخ سائر المكوّنات اللبنانيّة التاريخيّة التي شكّل الشيعة في العهد العثماني أكثرها عددًا وأوسعها إنتشارًا وأعرقها حكّامًا.