الكتاب: وقائع أصدق من خارطة.
الكاتبة لما عبد الكريم.
دار عالم ديوان.
.......
كالعادة عند الإنتهاء من أي كتاب أعجبني أشعر بمسؤولية تجاه هذا الأمر. فكيف وإن كان الأمر أكبر من إعجاب؟
الكتاب هنا أحد الكتب القليلة جدًا التي كنت حريصا على جلبها من معرض الكتاب لهذا العام 2022. لم أتيت بهذا الكتاب؟
ذلك أمر تقرر منذ زمن. من سنوات وفي موقف عابر وكلمة عابرة ربما لايذكر صاحبها قولته.
منذ سنوات كنت قد اطلعت على مايقرأه الصديق المهاتما آدم وشدني مايقرأ وأسرني وسرني..! سألته مرارا: لم لا تكتب؟ لازلتُ أذكر قوله المغلف بالأدب والحب من صوته الرقيق: يا أستاذنا الله يعزك، دا أنا كل ما بقرأ لك ولا أقرأ للأستاذة لُما بحس إني بعيد أوي.
استحييت لهذا الثناء، ولأدب أحمد المفرط. لكن فضولا قادني للبحث عن الكاتبة. لأعرف أين مني مجلسي؟
وجدتُ كتابة بهية، وحرفا مما كنتُ ولازلتُ أريد كتابة مثله.
سامحه الله أحمد، أنزلني منزلًا ليس لي. لكن شكر الله صنيعه، فدلنا على الخير.
هل تذكر ذلك الموقف منذ سنوات يا أحمد؟
حينها أيضًا عرفت لأول مرة أن هذا الرسم (لما) ينطق بضم اللام، وليس بفتحها كما كنت أعتقد.
.. الوقائع.. الخارطة، صفارات الإنذار.. إنهم يألمون.. سنوات يقف فيها الفلسطيني وحده يدافع عن هذه الأمة وهذه الأرض، وكلما طال الزمان جادت فلسطين بالمزيد والمزيد من أبطال حكاياتنا.
أبطال لهم وقائع أصدق من أي خارطة ومن أي موقف ومن أي رسم!
في صغري -ولازلت- لا أعرف تمام كيف يمكنني أن أرسم خارطة لفلسطين. ولكن كلما ذكر اسمها توالت الأحداث والوقائع والأبطال. هذي إشارات الطريق وعلاماته. فأي إشارة أفضل من ذلك؟
وعندما نقول خارطة فلسطين فلا تعتقد رعاك الله أني أعني ضفة غربية وغزة! لا! بل كل فلسطين.
تأتي الوقائع في مقالات وشذرات عدة تحت أربعة أبواب.
"الأول الأول" هانحن بنو كنعان.. أي سياط نزلت علي؟ وأي مرارة شعرت بها؟ لعل ذلك لاستواء القضية بعد فترات خمول عن نصرتها ومتابعتها؟ ولعل ذلك لإعتياد الوجع. ما "انا أصلي واخد ع الوجع". بعد أول جلسة قراءة ناديتُ على ابنتي وأخبرتها عن فلسطين. يجب ان تظل القضية.
في الباب الثاني: أكتاف للبنادق والحبيبة. تقدم الكاتبة على ذكر وقائع عنها. تلقي الضوء على بعض مواقفها وأبطالها وأحلامها وتأملاتها.
في هذا الباب وجدتُ ألفة. كأنها حكايات رفيق درب ما. ألفة القصة، عن فلسطين، أو رجال فلسطين، أو في فلسطين.
أعجبتني مقالة رجل الأقصى. قرأتها ثلاث مرات متتالية. وفي هذا الباب أيضًا قالت الكاتبة بيتا من الشعر يصلح عنوانا لحياتي أو لمرحلة ما منها.
قالت:
أنا المسفوح في غده ويرقب نظم أيامه
تهادنه صروفُ الدهر فيكدر صفوَ أعوامه.
ثمة مقالة لا أذكر في أي باب، وأنا أقرأها تخيلتُ نفسي سائرا بالقدس مستحضرا ما أعرفه من مشاهد مصورة من هناك أو متخيلة من خلال ماسرت فيها بشوارع مصر القديمة.
الباب الثالث: يا ابن أمي، يا ابن أكثر من أب..
فيه تتكلم الكاتبة عن الكل في واحد. فكأنها تتحدث عن واحد. منطلقة من خلفية الجسد الواحد للمسلمين، فتتقدم وتذكر وتزيد وتكثف.
فكأن القضية وحداة، بل هي واحدة حقا وإن دار حدث ما هنا، أو كانت الواقعة هناك.
لعل لسوريا الذكر الأكبر بعد فلسطين لما حدث هناك.
أخوة المأساة واللجوء والخيمة!
في هذا الباب بعض مقالات كانت صعبة التخيل كما هي الأحداث التي فيها. فكيف عاش أهلها هذي الفظائع؟ مقالات مؤلمة، ولكن مهما بلغ ألمها فلن يصل لذرة مما بلغت آلام المحكي عنهم!
أذكر اني علقت على واحدة منها: كيف استطاعت أن تكتب هذه المقالة؟ هل تألمت بعدها وأصابتها كآبة أم ماذا؟
كيف طاوعها القلم؟ حتى أن هذه المقالات وتحديدا من اول الباب الثالث إلى نهاية مقالة: أنا مخيم اليرموك، مما يثير فضولي أن أعرف كيف تمت عملية كتابتها!!!
الباب الرابع والأخير.. جئت أعلن حضوري..
كأنها يوميات للحرب على غزة في 2014. لا أعرف هل الكاتبة من سكانها أم لا. وهل هذه اليوميات رأي عين أم حديث المهموم المتابع. بعضها يبدو وكأنه كان منشورا على بعض مواقع التواصل الإجتماعية، أو لعله أخذ شكلا وحسب في الكتاب يشبه الشكل الذي تكتب عليه المنشورات هنا، كسرعتها والوسم فيها، وقصرها.
بشكل عام
- كان أحمد كساب على حق حينما أثنى على الكاتبة.
- يثيريني كيفية اختيار عنوان لكتاب، وفقرة. ثمة عناوين كما نقول عنها: حكاية لوحدها!
- سعيد بأني وضعت صورة للكتاب وتعريف للطبعة بصفحة الكتاب على موقع goodreads
- لطبيعة عملي :D كنت دائما أقول: هذه المقالة ليست على نسق ماقبلها، كان الأفضل لها وضعهل بالباب رقم كذا. وهذه الفكرة كانت في مقالة سابقة، حبذا لو دمجتا في مقالة واحدة لتحصيل المعنى وتكثيفه.. إلخ هذه الملاحظات التي تبدو (إدارية) في النهاية. :)
- على جانبي الكتاب وفي ذيل مقالاته عديد ملاحظات متفاعلة مع الكتاب.
================
تتمة مراجعة وقائع أصدق من خارطة.
الأدب ابن المعاناة لاشك في ذلك. ولاشك أيضا أن الحرف الذي لايحرك داخلك أو القافية التي لاتحرك جيشا لافائدة من أيهما!
ابن المعاناة.
هنا بين طيات هذا الكتاب ماتولد من أكبر معاناة.. تحت القصف أعني!
في الصفحات التي كتبت أثناء الهجمات والمتلاحقة كنت أتخيل الحروف والكلمات المكتوبة تفر من تحت القذائف.. تسمع دوي القنابل وأزيز الطائرات فتتباعد الحروف في الأزقة والحارات ثم فجأة تتجمع لتكمل كلمة تلو أخرى ثم جملة فمقالة فوق أحد أسطح البيوت ثم ترتقي كنجمة.
لإعتبارات طبيعة عملي من ناحية، ومن تخيلي في موضع من يكتب من ناحية أخرى أجدني أميل إلى تخيل مابإمكاني فعله لو أني في الموضع ذاته؟
من هذا المنطلق مثلا وجدتني أفكر: ماعدد كلمات مقالة كانت تحت القصف في ليلة؟ كأول مقالة مثلا (فلسطين قضية الأمة).. سأفكر في مقارنة عدد كلماتها بعدد من قضوا في الهجمات آنذاك، وأهدي كل واحد منهم عدد مساوٍ من الكلمات أو الجمل، سأوزعها عليهم، أو كأن الكلمات هذه كانت عرائس الشمع فإذا مارحلت بعض الأجساد انتلقت أرواحهم لتكمل المسيرة في كلمات تظل ماشاء الله لها أن تبقى!
بداية الكتاب بمقالة "على وقع قصف متتال" في العام 2017، ونهايته بقصف متتال أيضا بباب الحرب على غزة في العام 2014.
وهكذا تظل القضية واحدة والكلمات تمتد لسنوات، ولافرق بين زمن وغيره طالما ظلت المأساة والقضية والخيمة، وظل القصف. لا أعلم هل بداية الكتاب بتاريخ أحدث أمر مقصود لدلالة محددة أم لا. ففي العادة يتم السرد من الأقدم فالأحدث. لكن يعجبني أن يبدأ الكتاب بمعاناة وينتهي بنصر، وإن كان النصر بمعايير الوقت جاء أقدم، فألا يمكننا القول مثلا بأن النصر جاء أولا؟!
أمر آخر شغلني بينما أقرأ، خاصة حينما تتعرض الكاتبة لحديث أصدقاء آخرين عن القضية، أو عن تعرضها هي لقضايا أخرى لا أقول منفصلة عنها فالمأساة واحدة والهموم واحدة، لكنها تدور في أرض أخرى على الأقل. المهم ما تساءلت عنه هو كيف يمكن الإندماج بين صاحب الهم، والمتعاطف مع غيره، والمستمع لمن يتعاطف معه في آن واحد؟ هنا ثلاث شخوص مختلفة في شخص واحد، وهنا خطر لي أن هذا الكتاب كان يحتمل طريقة أخرى للعرض والتصنيف. ولعل هذه الفكرة مفتاح تصنيف كتاب لاحق.
ثمة نقطة أخرى أردت أن أقف عليها، وهي الصوت الذي يتحدث.. ما حقيقته؟ أعني أصوت قوي أم ضعيف؟ حالم أم يائس؟ معتز بنفسه أم طالب عون؟ محرض ومقاوم أم مستسلم؟ لم احترت هكذا، لأني سمعت كل هذه الأصوات. وقلت أخيرا لاضير في سماع كل هذه الأصوات دفعة واحدة. لكني وللحق أقول أني لا أطيق القول أو حتى التخيل بأنه ثمة صوت قادم من فلسطين وفيه ذرة من أي صفة دنيا.
من هنا يمكنني أن أتحدث عن النقطة الأخرى.. الحرف الذي يحرك داخلي، والقافية التي تحرك جيشا.
فإنك لم تذق..
خدعوك فقالوا..
مثالية جوفاء..
أخوة اللجوء والخيمة..
في حواصل طير..
جادك الغيث..
أنا مخيم اليرموك..
ما وجدت هنا إشارة أفضل للمعنى الذي أقصد من عناوين بعض المقالات، وما سبق بعض العناوين التي أتذكرها. وأود أن أبدي إعجابي مرة أخرى لفكرة العناوين، لأني واحد ممن يعانون في كيفية اختيار مناسب. أظن هذا وحده فن من فنون الكتابة.
ملاحظات:
1- أعجنبي التعرض في الباب الثالث عن أخوة غير عربية، وذكر القوقاز بالذات، لأني احب هذه البلاد، وكانت سبب حبي الكبير للذئاب لما قرأت عن الشيشان منذ زمن، وكان ذلك سببا عند الكاتبة أيضا. وكذلك كان الاقتباس قبل المقالة من كتاب بلدي لرسول حمزاتوف، ويعلم المقربون كم أحب الكتاب. وكتبت تحت اسمه عبارة (منور ياعم رسول) :D. وثمة اسم لكاتب آخر سأبحث عنه: أبو ذر عيدروف.
2- شكر آخر لأحمد كساب، والغائب أحمد شاكر. تعلمتُ منهما كيف أقرأ، ولولا استحضارهما واستحضار طريقتهما في القراءة لكان المرور على الكتاب كأي مرور على كلمات: فلسطين عربية التي كتبت على جدراننا في البلاد العربية منذ سنوات انتفاضة الأقصى، بعد أن اعتدنا على وجودها لفترات طويلة.
خاتمة (من الكتاب): وبوّس ترابه.
أوصت ابنها قبل أن يغادر إلى عمليته خلف خطوط العدو:
بوِّس لي تراب البلاد يمَّا.
عاد مستشهدا، معبقة ثيابه بطيبِ البلاد.
الثلاثاء 15 مارس 2022
12 شعبان 1443