واجهتِ الدولةُ العثمانية- بدءًا من القرن السادس عشر- تحدياتٍ كبرى، في مقدمتها تحدّي النهضة والعلم الحديث. وهو التحدي الذي صار منذُ القرن التاسع عشر القضيةَ الأهمّ في العالم الإسلامي كله، ومن ثمّ أصبحت مسألة التحديثِ والوصول إلى فقه جديدٍ يتجاوب مع مستجدات العصر، هي الشاغلَ الأكبر لمفكري الدولة العثمانية وعلمائها ومثقفيها منذ ذلك التاريخ. ولنا أن نقول إنّ استجابة العثمانيّين للاستفادة من معطيات العلم الحديث كانت استجابةً انتقائية وحذرة- لكنها جادة- للنهوض بالدولة العثمانية، والمحافظة على تماسكها، على الرغم من التباين بين ثقافة النخبة وثقافة المجتمع . وقد تعددتِ الأفكار والرؤى في تقييم الدولة العثمانية وموقفها من الإصلاح والتحديث، وتبلورت في رؤيتين فيهما قدرٌ كبير من التباين، لم ينطلق أيّهما من معرفة حقيقية ودقيقة ببنية الدولة المتسقة مع زمانها؛ إنما كلاهما خضع لتفسيرات هي في جوهرها ردّ فعلٍ للواقع المعاصر بكلّ أزماته السياسية وتياراته الفكرية. إنّ الهدف من كتابنا هذا هو رسمُ صورةٍ ذات خطوط متوالية ومتكاملة للتطور السياسي والفكري للدولة العثمانية بدايةً من الإصلاح، ووصولًا إلى الحداثة.
يكتسب هذا الكتاب أهميته الشديدة من ناحيتين: الأولى: مؤلفة الكتاب أستاذتنا الدكتورة ماجدة مخلوف متخصصة في الدراسات العثمانية ومنشغلة بها منذ أكثر من 40 عامًا، فكان هذا الكتاب نتاج خبرة وبحث. الأخرى: رؤية المؤلفة النقدية الذي نلاحظها بشكل كبير في سرد المعلومات وانتقائها واعتمادها على مصادر أصلية وتقارير غير منشورة ومؤلفات معاصرة للأحداث. يتناول هذا الكتاب الماتع الذي يظهر من عنوانه "الدولة العثمانية من الإصلاح إلى الحداثة" جانبًا مهمًا من جوانب التاريخ العثماني الذي غفل عنه الكثير وهو الجانب الإصلاحي في الدولة فأغلب المؤلفات التي تحدثت عن التاريخ العثماني ركزت بشكل أساس عن التاريخ السياسي والوقائع التاريخية دون التطرق إلى بنية هذه الدولة ومؤسساتها ونظمها المختلفة والتغييرات التي طرأت عليها مع مرور الزمن، فيركز الكتاب على بداية الدولة العثمانية التي اتخذت من الشريعة الإسلامية أساسًا لحكمها وأفادت بشكل كبير من التشكيلات العباسية والمملوكية والسلجوقية في إدارتها ثم نتيجة قربها من الدولة البيزنطية تأثرت أيضًا من تشكيلاتها، وقد أجمع المؤرخون على أن القرن 16م هو أعظم فترات الدولة وفي الوقت نفسه بداية اضمحلالها، لكن قوة الدولة وسيطرتها في نواحي عدة لم يظهر في هذا القرن، لقوة السلاطين وقوة اقتصاد الدولة مما يأتيها من الخارج، لكن مع ضعف السلاطين بعد القانوني وانغماسهم في الترف والدعة كما بين ابن خلدون في مقدمته قد انعكس على تشكيلات الدولة وبدأت تبحث عن حلول للإصلاح. أول من تنبأ بالخلل في الدولة وحاجتها إلى الإصلاح هو الصدر الأعظم لطفي باشا صهر السلطان القانوني (ورفيقي لأربع سنوات في الماجستير) فكتب رسالته آصفنامه وركز فيها على أساسيات منصب الوزير ثم تحدث عن أهمية البحرية في الدولة العثمانية وأهمية ضبط الخزينة والموازنة بين الصادر والوارد، ويمكن القول أن رسائل الإصلاح في القرن 16 و 17م كانت ذات وجهة إسلامية بحتة تتمثل في: طاعة السلطان، إصلاح التعليم، العودة إلى النظام القديم وهو نظام عصر القانوني وما قبله، منع الرشوة، تنظيم الجيش ونظام الأراضي، الخ. كان علماء القرن 16 و 17 م متأثرين بشكل كبير بابن خلدون والماوردي وابن تيمية في الفكر الإصلاحي فكانت مؤلفاتهم تنصب في هذا الجانب ولم تخرج عنه، لكن مع مرور الوقت وترجمة كتب الفلاسفة والاهتمام بالكتب العقلية بدأ يظهر فكر جديد خارج الفكر الديني نتيجة الانكشافات الأوربية والتطورات التي ظهرت، إلى جانب رغبة السلاطين أنفسهم في إصلاح الدولة وتحديثها، لمواجهة التفوق الأوربي خاصة في الجانب العسكري، فبدأت في القرن 18م تظهر أفكار فلسفية تحث على ضرورة الاطلاع على أفكار الدول الأخرى والاستفادة منها -بعد أن كانوا ينظروا إليها على أنها دول أقل من الدولة العثمانية-، فظهرت المطبعة في الدولة وتُرجمت الكتب إلى التركية، وأُرسل السفراء إلى الدول الأوربية ونقلوا -في رسائل كتبوها- الفكر الغربي إلى الدولة فانتشر في المجتمع العثماني وتأثر به الجميع، ثم افتُتحت مدارس على الطراز الغربي وحدث تطوير في المناهج الدراسية ودخلت الفرنسية بجانب التركية والعربية ومن هنا تغير الفكر نفسه لدى المثقفين فعندما كانوا يتحدثوا في القرن 16م و17م عن إصلاح ذو مرجعية إسلامية بدأوا في القرن 18 و19م يتحدثوا عن إصلاح تحت تأثير الدول الغربية وظهرت مصطلحات جديدة مثل: المشروطية، الوطن، المدنية والتمدن، المواطنة، الحرية، الدستور، الدفاع عن الوطن (في البداية كان الجهاد والغزو في سبيل الدين)، ويمكن القول أن هذا التأثير جاء من داخل الدولة نفسها فالطلاب المبتعثين إلى أوربا حملوا معهم الفكر الأوربي ونشروه داخل الدولة، وتبني بعض السلاطين الفكر الغربي كان له دور أساس فبعد أن كان هدفه إصلاح عسكري في المقام الأول انتشر ليشمل التعليم والمجتمع والقانون والحريات الخ. ومما يدل على حدوث تغير ولو بسيط في الفكر العثماني آنذاك: كان قديما يهدي السلطان إلى القادة الذين أظهروا شجاعة في الحرب سيف أو فرو سمور أو مبلغ من المال، في فترة التنظيمات ومع الغزو الفكري في الدولة والسير نحو التمدن أصبحت الهدايا هي: ميدالية من فضة أو ذهب أو وسام يعلق على الصدر، وكان إعلان التنظيمات الخيرية 1839 خطوة جادة في طريق تحديث الدولة وليس بداية التحديث ثم بعدها انحرفت الدولة عن وجهتها التي نشأت عليها، حتى مفكري القرن 18 و 19 اختلفوا في رؤيتهم للإصلاح عن مفكري القرن 16 و 17 وهذا من تأثير التعليم الحديث والبعثات الأوربية، مع العلم أن التعليم الديني الذي كان يخضع لسلطة العلماء كان مازال موجودًا بعد التنظيمات. وأخيرًا: كان الكتاب رحلة جميلة مع الدولة العثمانية منذ نشأتها حتى نهايتها والحديث عن جانب آخر غير التاريخ السياسي وإن كان فيه الكثير من الوقائع التاريخية، وأسلوب الكتاب جميل جدًا وسرد ممتع، ورؤية نقدية عالية، حفظ الله أستاذتنا الغالية ونفعنا بعلمها. د. محمد عبد العاطي محمد