عاش نيتشه حياةً حافلةً بالعطاء الفكري والتمرُّد الوجودي على قيم العصر بمختلف أنواعها. ويمكن أن يُستشف من كل صور حياته التي عاشها أنها رسمت لنا معالم محدَّدة لخطاب فيلسوف ألماني يمكِّننا من بناء دلالات محدَّدة لمفهوم الفيلسوف، إلاّ أن الفيلسوف نفسه توافر، في نصوصه، التي كتبها على هيئة شذرات مقطعيّة كثيرة فضلاً عن نصوص أخرى مطوَّلة، توافر على صياغة مفهوم للفيلسوف واضح المعالم من حيث وجوده وأدواره في راهن الحياة ومستقبلها، وخلصَ إلى قوله: إن الفيلسوف الحقيقي هو إنسان معني بخلق أهداف وقيم جديدة من أجل غد آخر. فكيف تمَّ له ذلك؟في شذراته التأمُّليّة، نأى نيتشه كثيراً عن النزعة الشموليّة في إدلاق خطابه الفلسفي، ليس هذا فحسب؛ بل وحارب كمقاتل جملة الأنظمة الفلسفية التي وصلت ذروتها في القرن التاسع عشر، ليس هذا فقط، بل بدا هذا الفيلسوف محتاطاً من صانعي هذه الأنظمة غير النزيهة، والذي قال في كتابه (أفول الأصنام): "أحتاطُ من كل صانعي الأنظمة وأتحاشاهم؛ إن روح النظام نقصٌ في النزاهة". تحليلات جادّة تستبطن عوالم الفيلسوف الذي لا يزال مثيراً للجدل في دوائر البحث والدراسات حول العالم نقدّمها للقارئ الحصيف تعميقاً متواصلاً لقيمة السؤال وبرهان الحقيقة.
كاتب وناقد وفيلسوف عراقي وأستاذ جامعي ، من مواليد الكوفة 1959م ، يحمل شهادة الدكتوراة من جامعة بغداد في العام 1997م متخصصاً في الفلسفة الألمانية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر
المؤلفات الفلسفية : الحضور والتمركز: قراءة في العقل الميتافيزيائي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2000.
لمعرفة النقدية: مدخل إلى نظرية المعرفة، دار الكندي، إربد ـ الأردن، 2001.
محنة الهوية: مسارات البناء وتحولات الرؤية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002.
العلامة.. الجسد.. الاختلاف؛ تأملات في فلسفة مارتن هيدغر ، مكتبة عدنان ، بغداد ، 2015
ما الفيلسوف؟ إنسان التنوير ومفكر صباح الغد , منشورات ضفاف ، بيروت ، 2016
"إذا أردتم بلوغ الذرى فتسلّقوها بأرجلكم، ولا تطلبوا أن تُحملوا إليها حملاً على ظهور الغير ورؤوسهم" نيتشه
للأسف العنوان خدّاع، إعتقد ان الكتاب سيكون صراع نيتشه والله أو مآخذ نيتشه عن الله ولكن الكتاب إذا اعتبرناه كتاب فهو مجرد مقالات من هنا وهناك ويعرج في فصل واحد على علاقة نيتشه بالله وحتى في هذا الفصل وهي سرديّات أفول المتعالي فهو مجرد تأريخ لمقولة موت الله عند نيتشه من الناحية التاريخية وعرض لشذرة نيتشه في كتابه العلم المرح وتحليل جوانب لها وليس التعمق فيها، كتاب تعيس من الناحية المعرفية، لا يستحق القراءة في مجمله، لكن المقالة الأولى التي تتحدث عن صورة الفيلسوف عند نيتشه تستحق التأمل.
يدور الكتاب حول سبعة مقالات، صورة الفيلسوف الحقيقي عند نيتشه وسرديّات أفول "المفارق" وحكاية كتاب وفيلسوف ملّ عصره وشوبنهاور مربياً، يرسل نيتشه للقراء صوراً عبقرية عن شوبنهاور ومناحي المركزيّات الفلسفية وكلمات نيتشه الأساسية في القراءة الهيدغرية، الكتاب هو تعريف بنيتشه وكتاباته وحتى التعريف له بشكل هزيل، في الفصل الأول يحدّثنا عن الفيلسوف الحق عند نيتشه فيلسوف الغد وبعد الغد، وفي الفصل الثاني أفول المفارق يقتفي الكاتب أثر موت الله عند نيتشه من كتاباته الأولى حتى كتاباته التالية مع تفكيك او تحليل لشخصية الأحمق او المجنون لشذرته التي زفّت خبر موت الله في كتابه العلم المرح، في الفصل الثالث والرابع يحدّثنا عن كتابات نيتشه في المرحلة الوسطى تأملات في غير أوانها وتلاقي ذات نيتشه بذات شوبنهاور ، والفصل الخامس مناحي المركزيّات الفلسفية لا تعليق، والفصل الأخير كلمات نيتشه الأساسية وهو كتاب لـ فوزية ضيف الله وفي هذا الفصل مجرد عرض لهذا الكتاب وأشبابه. في الحقيقة إذا اعتبرنا أن هذا كتاب فهو لا يستحق القراء.
---
هنا مجرد إقتباسات من الكتاب وكلها من المقالة الأولى: من هو الفيلسوف الحقيقي؟
"إن الفيلسوف الحقيقي هو إنسان معني بخلق أهداف وقيم جديدة من أجل غد آخر" "أحتاط من كل صانعي الأنظمة وأتحاشاهم؛ إن روح النظام نقصٌ في النزاهة" نقده للفلاسفة المثاليين ومثاليتهم "لا يتمتّعون بالحس التاريخي؛ بل هم حاقدون على فكرة الصيرورة؛ خصوصا "عندما يعتقدون بأنهم يمجّدون قضية ما بتجريدها من تاريخها" "إن كل ما دبّره الفلاسفة منذ ألفيات، لم يكن سور موميات أفكار؛ لا شيء حقيقي خرج من بين أيديهم، وعندما يتدلّه هؤلاء السادة المولعون بالمفاهيم المجردة، فهم إنما يعرّضون كل شيء لخطر الموت" "لكي يعيش الإنسان وحيداً عليه أن يكون حيواناً او إلهاً، قال أرسطو: تبقى هناك حالة ثالثة، إذ عليه أن يكون الإثنين معاً.. فيلسوفاً" "الفيلسوف قد يتواجد هنا اوهناك، انه على قيد الحياة، يبدو منخرطاً في خضم حركتها اليومية، فهو يمشي بين الناس من دون أن يغويه سحر التجريد في لحظة تُفتنه معالمه الآسرة وسماواته المبهرة، إنه موجود في الحي...." "للرعاع نوعا من الفِرار؛ وسيلة وحيلة للتملّص بحنكة من اللُعبة الرديئة، لكن الفيلسوف الحق... ويحس بوزر وواجب أن يخوض في الحياة مئات التجاريب والتجارب، يخاطر بنفسه مندون انقطاع، ويلعب اللعبة الرديئة بإمتياز" الفيلسوف الحق... ومهمته في الوجود، والتي تتلخص في "خلق أهداف وقيم"، وهي مهمة لا تتوافر إلا للفيلسوف الحق صاحب الرغبة العارمة بالدخول إلى ممارسة اللعبة الرديئة في بعدها الفلسفي." عكس فيلسوف آخر لا يمثل الحقيقة؛ لا في وجوده ولا في خطابه، فيلسوف لا يريد أن يخوض غمار الدخول في لعبة الممارسة الرديئة. تحدث نيتشه عن ثلاث من النخب المعرفية التي تمارس سلطتها في العالم وهي: "العلماء" و"الفلاسفة" وما أسماهم بـ"شغيلة الفلسفة أو عمّال الفلسفة" الذين جعلهم خدّاماً لـ "الفيلسوف الحقيقي" وخص منهم كانط وهيجل، اللذين كانت لهما مهمة محددة، وهي "أن يثبتوا مجموعة ضخمة من التقييمات؛ أي الأطروحات والابتكارات القيمية السابقة التي أصبحت سائدة وتسمى، لمدة من الزمن، بالحقائق، وأن يزجّوها في صيغ؛ سواء في المجال المنطقي أم السياسي الأخلاقي أم الفني" "إن ما يجب أن يتمتّع به الفيلسوف الحقيقي هو جُملة من المهارات الخاصة له أو قل جُملة من "الشروط التمهيدية" كما يسميها نيتشه نفسه؛ ومنها أن يكون "نقدياً، وريبياً، ودوغمائياً، ومؤرخاً، وشاعراً، ومجمّعاً، ورحالة، وهاوي ألغاز، وأخلاقيا، وعرّافاً، وروحاً حراً؛ بل لعلّه يجب أن يكون كل شيء تقريباً، حتى يجتاز الفيلسوف محيط القيم والمشاعر القيمية الإنسانية، ويسعه النّظر، بعيون وضمائر شتى؛ من القمة إلى كل بُعد آخر، ومن القاع إلى كل قمة، ومن الركن إلى كل أفق" لكي يضع بصمته على حقيقة الذات والوجود معاً." "هذه الشروط والمهارات والإمكانات التي يجب أن يتمتّع بها الفيلسوف الحقيقي ستمكّنه من اجتيازه لمحيط القيم والمشاعر السائدة، والنّظر في كل الاتجاهات المتاحة أمامه، والتمكن من اكتساب القدرة على تحقيق مهمة تبدو لنيتشه أنها الأكبر والأوسع والأعمق في الحياة والوجود؛ فالفلاسفة الحقيقيون هم: "آمرون ومشرّعون، إنهم يقولون: هكذا يجب أن يكون، إنهم يعينون بدءاً وجهة الإنسان وغايته، ويتصرّفون، من أجل ذلك في العمل التمهيدي لكل شغيلة الفلاسفة، وكل قاهري الماضي، إنهم يمدّون يدهم الخلاّقة إلى المستقبل وكل ما هو، وما كان، يغدو لهم وسيلة وأداة ومِطرقة؛ إن عرفهم خلق، وخلقهم تشريع، وإرادتهم للحقيقة إرادة قدرة". فيلسوف المستقبل: " في خضم ذلك، يولي نيتشه اهتماما منقطع النظير بمفردة "المستقبل" في بناء رؤيته، وهذا بالفعل ما اشتغل عليه حتى إنه وصف الفيلسوف الحقيقي بأنه "إنسان للغد وبعد الغد" ما يعني أن الفيلسوف هو كائن الغد الذي يفكر في هذا القادم، بقدر ما يصنعه ويمد الأواصر معه، إلا أن الفلاسفة كمُنتجي للغد، لا يصنعوه هكذا؛ وعلى نحو آلي مُعقلن أو حسابي أو تعاطفي، إنما بإحساس مسؤول كونهم "عذاب ضمير عصرهم الخبيث"، لأن الفيلسوف "يضع نفسه في كل الأزمنة، على تناقض مع حاضره، فخصمه كان في كل مرة أنموذج حاضره"، أي جُملة الأفكار والخطابات الرئيسية التي تشغل عصره، خصوصا المُهيمنة منها على وجود الراهن برمته." "إن العثور على فيلسوف حقيقي لا يبدو بالأمر السهل والهين؛ إنها مهمة صعبة وقاسية تتطلب مزيد فضائل وسمات ومواهب وإمكانات، والأهم من ذلك، ... هو وجود إنسان له همّة الإرتقاء إلى العوالم العالية، وإنسان من هذا النوع ليس له حق في الفلسفة إلا بفضل أصله؛ الأسلاف والدم". "أجيالاً كثيرة يجب ان تمهّد لنشأة الفيلسوف، وكل فضيلة من فضائله يجب أن تُكتسب وتُرعى وتورّث وتُتمثل على حدة، إي الاستعداد لتحمّل المسؤوليات الكبيرة، وسمُّو النظرات المشرفة، والشعور بالانفصال عن الحشد وواجباته وفضائله، والدفاع الكريم عمّا يُشتم ويساء فهمه، واللذة في العدالة والتمرن عليها، وفن الأمر، ووسع الإرادة، والعين المتأنية التي نادراً ما تُبدي إعجاباً، ونادراً ما تنظر إلى أعلى، ونادراً ما تحب" "إنسان يعيش ويبصر ويسمع ويتوجس ويأمل ويتخيل باستمرار أموراً استثنائية أو رائعة أو خارقة؛ الفيلسوف هو من تصيه أفكاره الخاصة كما لو كانت آتية من الخارج، من أعلى وم أسفل، بوصفها نوعاً خاصاً به من الحوادث والصواعق؛ ومن قد يكون هو نفسه عاصفة تحبل ببروق جديدة؛ انسان منذر بالعاقبة، يصاحبه أبداً دوي ودمدمة وغور فاغر وأمور مرعبة، الفيلسوف كائن يفرّ من ذاته مراراً، ويفزع من نفسه مراراً، لكنه أشدُّ فضولاً من أن يمتنع عن العودة إلى ذاته، إلى رشده، المّرة تلو المرّة." "وصف نيتشه الفلسفة بأنها "إلهة سليمة الطوية عارية يخدمها الفيلسفوف متسماً بوفاء الرجال" أما الفيلسوف الحق أو الحقيقي أو حتى الفيلسوف التراجيدي، فهو، إنسان وجد من أجل المستقبل؛ بل وما بعد المستقبل، الفيلسوف صانع قيم الغد وما بعد الغد، يخرج من بين ركام الفضائل البالية والمعتادة ليخلق فضائل جديدة، وقيماً جديدة، ومعانٍ جديدة، وأفكاراً جديدة يخلق بها عصراً جديداً ينشده الإنسان الذي لا يملّ من الدخول في معترك اللعبة الفلسفية بوصفها لعبة رديئة، ذلك العصر الذي تتطلع إليه الإنسانية، العصر الذي يقوده الفيلسوف الحق بشجاعة إنسان مُعد لأن يكون خلاقاً." "الفلسفة الحقيقية هي ضد التعلم التاريخي المجرد، وضد لين القيادة السياسية لفلسفة الجامعات؛ وأن الفلسفة الحقيقية هي علم الحياة التي يجب أن توجد لدى الفيلسوف الحقيقي. وقال "إلى الفيلسوف الحقيقي تنتمي الحرية". ومصادقه هو ببساطة نيتشه، الفيلسوف الذي عاش فلسفته على نحو تراجيدي، رغم ما انتهى إليه من أمراض وآلام وأوجاع عارمة --- "إن الدولة أبداً مهتمة بالحقيقة ذاتها، لكن بالحقيقة النافعة لها فقط، أو بصورة أدق، إنها تهتم بكل شيء ينفعها" "إحتفاء نيتشه بمبدأ "إرادة القوة أو الإقتدار" الذي يعني "الانتصار على الذات والارتفاع والتسامي في الحياة وليس العالم الآخر! فهذه الإرادة هي من الأرض وإليها"