كتب أوريجانوس الكثير وعلّم العديدين ، فما اكترث الرقباء اكتراثهم لما كتب في المبادئ ، ولم ينقبوا في سواه قدر ما نقبوا فيه ، فقد جاء كتابه في المبادئ أبحاثا جريئة ، وجرأة ندر مثيلها ، وتحليقا يبغى الذري ، ولم يرم من خلاله الى سوى الفصل في المسائل الشائكة التي كثر اللغط فيها في ايامه ، ولم يوارب ، فقد ابى إلا عن النظر في لب المعضلات ، وأنف إلا عن القول الجهور ، ومقصده التبسط الواضح في مسائل الشؤون العليا ، تحالف على عمله والإيمان ، ولم يعاد العقل ، ولم ينكر التقليد ، فعرض البشارة كما جاءت في النصوص ، وأجهد المتقولين أقوالا على فحواها ، فأجهز على مزاعمهم ، وتسلح بما تنامى اليه من إرث السابقين ، فاسعفه بجداله ، ولا غرو فقد وهبه الله من نعمه طاقات ، وزوده بحدة منطق كما لم يتزود سوى المحظيين عنده ، وأعانه على طموحه أمانة للإيمان وإخلاص وغيرة ، وفوق هذا كله مناخ الاسكندرية ، مدينة العلم والفقهاء حيث نشأ
ما من رجل أختلف التاريخ حوله ، وظل مدى قرون هدفاً لاعنف المجادلات والمشاحنات مثل هذا العملاق السكندري ابن مصر المولود سنة 185 م ، وجدت بعض التشابه بينه وبين بعض رجال الدين الاسلامي المجددين والمصلحين مثل الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن الكواكبي والشيخ علي عبد الرازق خاصة هذا الأخير في رؤيته ومراجعته لكثير من المسلمات والموروثات التي عاشها في بيئته الدينية ووجد عليها آباءه ، ولئن كان الشيخ علي عبد الرازق قد تناول موضوع الخلافة الاسلامية في كتابه " الاسلام واصول الحكم " وقال أن الخلافة لاسند لها في القرآن والسنة ، وأنها ليست ولم تكن حكما من أحكام الدين الإسلامي ، ولم يحدث اجماع علي خليفة في كل التاريخ الإسلامي ، واثار عليه جموع المسلمين خواص وعوام وعلماء ومفكرين وأزهريين فاتهموه بالكفر والزندقة والخروج من الملة ، الا ان أوريجانس لم يترك مسألة ولا أطروحة كبيرة أو صغيرة الا راجعها ومحصها وفندها وقال فيها برأيه بداية من السر الإلهي وبدءالخلق وحقيقة قصة آدم وحواء التي قال انها قصة رمزية بحتة ، حتى البعث الأخير وشمولية الخلاص لإبليس نفسه ، مرورا بالتفسير الرمزي للكتاب المقدس والاقانيم الثلاثة ، وأزلية الخليقة وطبيعتها ومصيرها ، وتساوي الأرواح المخلوقة منذ البدء ، وعدم قيامة الأجساد نفسها ، وأن الله قد خلق كل الأرواح أولًا ثم وضع كل روح في الجسد فترة الميلاد، لتُسْجَن في الجسد بسبب خطاياها في حياة سابقة ، في إطار تناسخ الأرواح وعودة التجسد كما صنفتها الكنيسة مع غيرها من المسائل والنقاط الشائكة التي عوقب بسببها وحكم عليه بالحرمان أكثر من مرة ومن أكثر من كنيسة ان لم يكن جميعها، ولو كان الشيخ علي عبد الرازق قد اتهم بالكفر والزندقة والإلحاد وهو الذي كان وزيرا للاوقاف وقاضيا شرعيا وجرت محاكمته أمام هيئة من كبار العلماء التي حكمت بإجماع 24 عالما بإخراجه من زمرة العلماء ، ومسح اسمه من سجلات الأزهر، وطرده من كل وظيفة ، وقطع راتبه من أي جهة، وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة عمومية دينية أو غير دينية ، الا ان أوريجانس والذي لُقِّب بـ" أدمانتيوس" أي "الرجل الفولاذي" لمثابرته وقوة حجته التي لا تُقاوَم ، والذي يُعد بحق أمير مُفسري الكتاب المقدس وفليسوف وعبقري المسيحية الأولى والمعلم البارع في الأمور اللاهوتية الذي يخوض ويجول في كُبرى المسائل دون أي تردد، والذي سبقت مآثره عصره ، بل أمتد أثره حتى ما بعد المجامع المسكونية الأولى ووصل إلى أن يكون مديرا لمدرسة الإسكندرية المسيحية وهو في سن الثامنة عشرة ، حتى قال عنه القديس جريجوريوس العجائبي " لقد جذبنا بأعماله التي فعلها أكثر من تعاليمه التي علمنا إياها " ، هذا ... فلم تكن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وكل المتفقين معها في العقيدة هي فقط التي حرمت أوريجانس بسبب بِدَعُه كما وصفوها ، ولكن أيضا مجمع القسطنطينية الثالث الذي يتبع الكاثوليك والروم الأرثوذكس والكنائس الأرثوذكسية اليونانية البيزنطية والمجمع المسكوني الخامس ومجمع القسطنطينية الثاني والكنائس الآرثوذكسية البيزنطية وكل تعاليمه في مجمعيها الخامس والسادس ، كذلك تم حرم أوريجانس بواسطة البابا ديمتريوس الكرام، البطريرك الثاني عشر، في أوائل القرن الثالث وتأكد حرمه أيضا في عهد البابا ثاؤفيلس البابا الثالث والعشرين، في اواخر القرن الرابع وتحمس لذلك قديسون كثيرون في القرنين الرابع والخامس كانوا من اتباعه والمؤيدين له من قبل ، لكن هناك حدث جلل في حياة أوريجانس جرى بيده هو ، فبالرغم من أنه اهتم بالتفسير الرمزي للكتاب المقدس، إلا أنه نفَّذ نصًّا منه بصورة حرفية، وهو إخصاء نفسه عملا بنص انجيل متى (19: 12) " لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم. ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات.من استطاع أن يقبل فليقبل" وأوريجانس لم يكن شخصًا ساذجًا لا يَعْرِف الفرق بين الحرف والروح في آيات الكتاب. وقد حاول البعض الدفاع عنه بأن الكنيسة قبلت مثلًا القديس سمعان الخراز الذي نفَّذ -خطأ- آية بصورة حرفية كذلك، وقام بِقَلْع عينه (متى 18: 9؛ مرقس 9: 47) وان اعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك.خير لك ان تدخل الحياة اعور من ان تلقى في جهنم النار ولك عينان ، ولكنهم قالوا ان هناك اختلاف كبير بين القصتين، فأوريجانس عالِم كبير، بل ومعلم رفيع المستوى، كان جُلَّ اهتمامه هو التفسير الرمزي للكتاب المقدس، فكيف يقع في خطأ كبير كهذا؟! أما سمعان الخراز فهو شخص بسيط وليس مُعَلِّمًا في الكنيسة، وكان يعمل مجرد أجير عند رجل دبَّاغ، وربما كذلك كان شخصًا غير متعلمًا (أُميًّا)، ففعل ما فعل ببساطة قلب وعفوية.. أما أوريجانس فما عذره وهو يعلم ان هذا يمنع عنه الرتب الكهنوتية ، لكنهم لا يعلمون انه قد عرف عنه أنه كان راغبا عن الرتب الكهنوتية كأغلب اتقياء العصور الأولى. موته أثار الأمبراطور دقيوس الاضطهاد ضد المسيحيين فألقوا القبض على أوريجانس وعذبوه تعذيبا شديداً فوضعوا طوق حديدى في يده وربطت قدماه في المقطرة، وضربوه وأحتمل الألام في شجاعة منقطعة النظير ثم أطلق سراحه بعد ذلك ، وفي عام 254 م مات بعد فترة قصيرة متأثراً بآلامه وجراحاته وكان قد بلغ من العمر 69 م وقد أرسل له البابا ديونسيوس البطريرك الـ 14 رسالة عن الاستشهاد يشجعه فيها على أحتمال المشقات وأظهر تعاطفه معه لم يتردد ولم يساوم أوريجانس على مبادئه التي عاش من أجلها وتحمل كل صنوف الاذى والإهانة والتجريح دون ان يفكر في الخنوع والرجوع وكيف يخضع ويتراجع وهو الذي عندما القي القبض على أبيه " ليونيدس" في زمن الاضطهاد المسيحي ووضع في السجن أراد أن يلحق به فمنعته أمه وأخت ملابسه وذكرته بواجبه تجاه أخوته الستة ورعايتهم ، فأرسل إلى أبيه يحثه على الاستشهاد ، قائلا له : " أحذر أن تغير قلبك بسببنا " والجانب الغنوصي او العرفاني يظهر بوضوح في تفسيرات أوريجانس للكتاب المقدس وللتعاليم والمفاهيم المسيحية لدرجة تشبه الى حد ما ما اورده الحسين بن منصور "الحلاج" في كتابه ( الطواسين ) بل ربما كان كتاب الطواسين ترجمة لمبادئ اوريجانس