ويستهل كنعان مكية كتابه "قوس النصر" متسائلًا: بعد كل ما حدث في العراق "الجديد"، منذ العام ٢٠٠٣ ما معني مواجهة نصب النصر اليوم؟ "مواجهة النصب" عملية استذكار تقابلها عملية نسيان، ولكن النسيان لا يحدث بتدمير رموز أنظمة الماضي، لأننا في اللحظة التي نختار كشعب أن يتحول هذا النصب إلي رمز لأستذكار قسوة النظام السابق، ينقلب معناه الأصل الذي أراده صدام حسين إلي عكسه تمامًا، لن يعود رمزًا يمجد الاستبداد، بل شاهد علي ذلك الاستبداد نفسه.
ويتابع "مكية" في مقدمته لكتاب "قوس النصر": قد يسقط نظام الحكم ليحل مكانه نظام حكم جديد، ولكن القبح والابتذال المقترن بالأول يتفاقم في الثاني، هذا هو الدرس الحقيقي لما شيد في ساحات النجف والكوفة وما يماثلها في سائر مدن العراق.
الثيمة التي يدور حولها واضحة من العنوان : قوس النصر. لكن خلال الحديث عنه وعن الفن وما حوله هناك ثراء ومتعة وسلاسة كبيرة بالمرور على النظريات الفنية والتقلبات التاريخية والمواقف وغيرها. شخصيا وسط هذه التنقلات شعرت بالضياع ببعض الاجزاء، كمن يلف ويدور ويطرح اسئلة فيجيب عنها احيانا ويتركها معلقة احيانا اخرى. ورغم ما ارى فيه من تحامل تجاه بعض الجهات وبعض المشاريع بشكل لا اتفق معه، تبقى قراءته مهمة وغنية وممتعة ايضا. لانها رحلة تاريخية، فنية، سياسية واخلاقية.
كتاب ممتع جدًا، بآراءه الذكية وأسلوبه الرشيق الساخر، كاسر الحاجز الأكاديمي، بيروح بينا كنعان مكية في زاوية جديدة لتناول شمولية البعث ونظام حكم صدام حسين. أنا ليه قررت أقرأ الكتاب بخلاف أني عمومًا قارئ شغوف وأزعم أني مطلع بشكل جيد على تاريخ العراق وسياساته، لكن فوق ذلك كله، لأنه الكتاب ده مهم جدًا في فهم الحالة المصرية حاليًا، بينما يُعيد السيسي تشكيل القاهرة من جديد، في نظام حكم أقل شمولية، ولكنه أكثر رداءة بمراحل تتجاوز أقبح ما كان يُمكن أن يتخيّله صدام حسين، فرغم كل شيء، الكتاب يفتح زوايا للنظر عن اهتمام صدام بإسناد الأمر إلى أهله، من فنانين ومعماريين حقيقيّن، وبالمناسبة هنا بيتناول كنعان مكية، ويمكن لأن أبوه كان واحد من هؤلاء، تحليل جيد جدًا لعلاقة الفنان السلطة الشمولية بكل هدوء وبعيدًا عن التشنجات السياسية. وبيفتح الكتاب النظر على حراك ثقافي فني كان في تلك المرحلة من حكم العراق وبرغم الحرب الطاحنة، كان هناك معارض ومسابقات للهندسة والفنون التشكيلية والمعمار ومجلات نقدية أدبية. كل ده في نظام البعث، كل ده في نظام البعث في سنوات الحرب، فأنا مش عارف لو كان كنعان مكية هيكتب كتاب عن السيسي والهيئة الهندسية للقوات المسلحة وإعادة تشكيل القاهرة، ممكن يكتب كتاب عامل إزاي صراحة :") لذلك أنا بشوف الكتاب ده، رغم المتعة اللي فيه لأنه كتاب فني بالأساس ويناقش نظرية فنية ولا يناقش تاريخ أو سياسة بالضرورة، إلا أنه أصبح مهم كمان للقارئ المصري، في محاولة سبر أغوار صلعة الجنرال وكيف يتخيّل أن ما يفعله في القاهرة جميل وخالد، ولماذا؟
ليس محض كتاب عن نصبٍ شهير في بغداد؛ إنّهُ تشريحٌ لشخصية القائد- الفنّان بشكلٍ خاص والشخصية العراقية بشكلٍ عام، من خلال التحوّلات السياسيّة وتأثيرها على الفن وتذوقه. ليس هذا الكتاب الأول لمكيّة، الذي يلّمح من خلاله إلى المسؤولية العراقية عمّا جرى؛ يتساءل عن مدى مسؤولية الطيّار العراقيّ وهو يقصف القرى الكرديّة في شماليّ العراق، والفنّان الذي يقبل بأن يكون أداةً طيّعة في مؤسسات السلطة. الرجل، لا يُريد أن يحمّل الجميع المسؤوليةَ فقط، وإنّما لإيجاد الجذور المتأصلة فينا والتي ترّسب منها صدّام حسين وكلّ العنف الذي قبله والذي بعده. يعتقد المؤلف إن رومانسية الفن العراقيّ ومحاولة إحياء التراث (على رأسها جواد سليم) فيه مهدّت لحزب البعث مشروعه ولو بحسن نيّة. أظنُّ تلك رسالة الكتاب، وإن تعمّق الكتاب بشرح رمزيات نصبٍ كثيرة ومخططات لمشاريع وعلاقة الفنّان والفن بالمجتمع مرورًا بمدارس واتجاهاتٍ كثيرة، وطبيعة المدينة حسب أفلاطون والنظم الديكتاتورية والسورياليين.
بدا لي الكتاب كأنه مقال فني تخصصي طويل اكثر من ماهو كتاب مفهوم لدى عامة الناس من غير المتخصصين في الفن يطرح فيه كنعان مكية عدة افكار ومقارنات مبنية حول رمزية قوس النصر المقام في ساحة الاحتفالات في بغداد وما يراه فيه من تكريس لمبدأ الفن الشمولي وثقافة الموت المنبعثة من هذا النصب بجميع تفصيلاته بدأً بفكرة السيوف مروراً بيدي الرئيس "الفنان" المكبرة 40 مرة بكل تفصيلتها من اوردة وندب وحتى منابت الشعر وانتهاءاً بالخوذ الايرانية المتناثرة عموماً الكتاب اتعبني كثيرا بالبحث عن الاسماء الواردة فيه لفنانين واساليب ومعلومات فنية اخرى ليس لدي اطلاع قديم بها وربما ليس لدي فضول للاطلاع عليها حتى اضافة لبعض التحامل السياسي نوعا ما المُسقط على الاعمال الفنية والمعمارية التي شُيدت في العراق
١٠ ايام مع كتاب كنعان مكيه حول احد النُصب المشهورة في بغداد التي تم بناءها في زمن الطاغية ، كنعان لا يتكلم عن النصب وفقط ، بل يتحدث عن طبيعة النُصب في العراق ويتكلم كيف تم الابتذال في النُصب بعد سقوط الملكية حتى وصلت الكارثة.. نصب كما قال عنه كنعان " اقل ما يُقال فيه ابتذال " كيف لنصبٍ تم بناءه بخصوص الحرب العراقية الايرانيه ان يكون ابتذال ؟ لكن النصب ابتدأ العمل فيه في نهاية ١٩٨٥ حينما كان العراق يُهزم مره تلو الاخرى من الايرانيين يجاوب كنعان بطريقة جميلة جداً مع الدلائل في قُبح هذا النصب الذي يتوسط العاصمة
" كانت دولة صدام تقوم في أقل تقدير، على قوانين وموظفين ذوي خبرة في تصميم المدن، بشكل مهني وغير عشوائي. انطلق القبح حينذاك من رأس الدولة بالتأكيد، ولكنه كان قبحاً منظماً له مفرداته ولغته الخاصة به، الأمر الذي سميته «الفن الشمولي» في مقدمة هذا الكتاب؛ لغة لا تجمع بين أكوام القمامة والأعمال الفنية، في غياب تام للمعايير المدنية والعقلانية في إدارة فضاءات المدن. إننا نجد القبح اليوم في كل شارع وساحة ومدينة في العراق، وهو قبح لا ينبع من الحكومة المركزية الغائبة عموماً، إنها ظاهرة تسربت بالفعل من الرأس إلى المرؤوس، منذ العام ٢٠٠٣."
يناقش مكية في كتابه (قوس النصر) مسألة مهمة، وهي الوجه الأخلاقي والإنساني للنصب، لعدة إعتبارات، منها، أنه سيشكل جزء من هندسة وواقع المدينة، أي أنه سيكون بحكم الملكية العامة، فما هي المسؤولة الأخلاقية وهل هي فردية ام جماعية والكثير من الاسئلة الي يجيب كنعان مكية عن بعضها ويترك البعض.