يرضى الله عن الإمام فخر الملة والدين.
الكتاب متعة فكرية من حيث طريقته في الاستدلال على المسائل ثم ذِكر حجج الخصم ثم طريقته في الهدم. البعض يعيب على الرازي إطالته في الاستدلال لمذهب الخصم واختصاره في الرد، والحق أن رده المختصر قوي وهادم لما سُطر عن لسان الخصم في صفحات. نعم في بعض المسائل، تكون المسألة دقيقة، وقد يكون عليها سؤالات دقيقة، فينبه على أن السؤال هذا قوي، ولم يرتض له جوابا حتى الآن. وكل هذا من روح علم الكلام.
منهجه في هذا الكتاب: المبالغة في الاستدلال للخصم وإيراد حججه وتقرير أسئلته، وهذا مهم في مستوى الكتاب؛ لأنه ليس كتابا ابتدائيا، فحريّ به الإكثار من حجج الخصم وعرض الأقوى والأضعف، لأن الكلام علم حجاجي متفتح، ليس منغلق على نفسه، ليس
echo chamber.
هذا أمر يظهر أن الناس تغفل عنه. وبالتالي تقعد تتكلم: لماذا يطيل في حجج الخصم. طيب مهو علم حجاجي!
والردود قوية لمن يتأملها، إذ غالبا ما تبين أن الإشكال يعارض أصلا بدهيّا، وإيضاح الرازي لمعارضة الإشكال للأصل البدهي يكون جيدا. فأيش أقوى من بيان أصل ضروري يعارض الإشكال الوارد؟ ذلك لأن النظريات قائمة على الضروريات، وما يورده الخصم إن خالف أصلا ضروريا، فههنا طريقان:
1. التنبيه على الأصل الضروري الذي يعارض هذه الإشكالات، وهذا الرد حينها ضروري
2. البحث والتدقيق في أسباب الغلط في الإشكالات، وهذا الرد حينها نظري
أيهم أقوى؟ دفع النظري بنظري أم بضروري؟ لا شك أن الدفع بالضروري أقوى. فلا أدري كيف اعتبر البعض الرازي مقصرا في ذلك. هذا أمر، الأمر الثاني: محاولة الطالب إيجاد مثار الغلط في الشبهة أمر ممتع آخر في القراءة. هذا والمفترض أن يكون للطالب في هذا المستوى القدرة على ملاحظة مثار الغلط في بعض الشبهات لا محالة، بل لابد وأنه قد مر عليه عديد من هذه الإشكالات وعرف بعض المناقشات لها.
للقرافي كلام بديع في الإمام الرازي، أورده ههنا:
"سلمنا أن هذا الاختيار لا يجتمع مع ذلك، أيّ محذور فى هذا؟ وذلك أنّ العلوم ليست تقليدية، ولا يجمد فيها على حالةٍ واحدة طول عمره إلا جامدَ العقل، فاتر الذهن، قليل الفكرة، فاتر الفطنة. إلا في الأمور الجليلة جدا؛ فإنها لا تتغيرُ عند العقلاء، وليس هذا منها، بل هذا من محالّ النظر، وموارد التغيّر. فهذا الاختلاف مما يدل على وفور علم الإمام وجودة عقله ودينه.
أما عقله وعلمه، فإنّه دائمٌ أبدا فى النظر والنقل، طالبٌ للازدياد والتحصيل والوصول إلى غايةٍ بعد غاية، وكشفِ حقيقةٍ بعد حقيقة، فيظهر له دائما خلاف ما ظهر له أولا.
وأما وفور دينه، فلأنه إذا ظهر رجحان شيء، رجع إليه، ولا يخشى أن يقال: غلط أولا ثم رجع للحق، بل يقول الحق متى ما ظهر له، ولا يكترث بمن يعتب عليه للاختيار الأول. وهذا عائد الدين، وصلابة الهمة، فهذا بأن يشكر به الإمام أولى وأحرى، وأن يجعل من صفات كماله، لا من صفات نقصانه.
ولقد رأيت جماعة قصرت هممهم عن فهم كلام الإمام، والاشتغال بتحصيل معاني كتبه، فيعيبونه بهذا، وينفرون الناس، ويقولون: هو ينقض كلامه بعضه بعضا، فلا تشتغلوا به. وطول الزمان ينقلون عن الشافعى وغيره من السادة الكرام عدة أقوال فى المسألة الواحدة، ولا يعد ذلك أحد من معايبهم، بل من كمالهم. فلِم لا يفعلون ذلك ههنا؟ بل من جهل شيئا عاداه وعادى أهله، لا سيّما وفي هذه الاختلافات تنبيه الطالب على النظر، وتفنن من المدارك، ووجوه الترجيح، وقوة إيضاح الحق." من نفائس الأصول، ص 1952-1953 من الشاملة، مع بعض التعديلات.