تضمّ مجموعة الكتاب "الرّجل الذي وَجَدَ الحقيقة" نوفيلا تحمل العنوان، وهي رواية قصيرة عن رجلٍ عجوز أمضى جُلَّ شبابه في السجن جَرَّاء جريمة لَم يرتكبها، ويروي عن فلسفته تجربته في السجن، واعتماده على روتين الحياة اليومية فيه، والعزلة، ورؤية العالَم من خلال نافذة سجنه ذات القضبان الحديدية التي صاغ على أساسها صيغته الرياضيّة وفلسفته في الحياة.
تضمّ المجموعة عدَّة قصص قصيرة ذات طابع ديني أو تساؤلات لاهوتية يطرحها أندرييف بطريقته الروائية لعلّ أهمّها "أليعازر" الذي أعاده يسوع من الموت، ولكنّه عاد مع سرٍ غريب ومخيف جداً لا يقدر أي إنسان على استيعابه.
قصّة "في يوم الصّلب أو بن طوبيا" تروي قصّة رجل يهودي يعاني من ألم في الأسنان، وحادثة الصلب من وجهة نظره ومعاناته وصراعه مع الألم.
قصّة "الجدار" وهي قصة رمزية تتناىل موضوع العلاقات الإنسانية وإمكانياته، وعجز البشر عن بلوغ تلك الإمكانات.
وقصة قصيرة بعنوان "الأرض" حيث يهبط الرب بجلاله بعد أن يكون قد أرسل كل ملائكته إلى الأرض ليتفقّد أحوالها.
Leonid Nikolayevich Andreyev (Russian: Леонид Николаевич Андреев; 1871-1919) was a Russian playwright and short-story writer who led the Expressionist movement in the national literature. He was active between the revolution of 1905 and the Communist revolution which finally overthrew the Tsarist government. His first story published was About a Poor Student, a narrative based upon his own experiences. It was not, however, until Gorky discovered him by stories appearing in the Moscow Courier and elsewhere that Andreyevs literary career really began. His first collection of stories appeared in 1901, and sold a quarter-million copies in short time. He was hailed as a new star in Russia, where his name soon became a byword. He published his short story, In the Fog in 1902. Although he started out in the Russian vein he soon startled his readers by his eccentricities, which grew even faster than his fame. His two best known stories may be The Red Laugh (1904) and The Seven Who Were Hanged (1908). His dramas include the Symbolist plays The Life of Man (1906), Tsar Hunger (1907), Black Masks (1908), Anathema (1909) and He Who Gets Slapped (1915).
أكثر من رائع ❤️ الرجل الذي وجد الحقيقة، هو عنوان النوفيلا التي يعرضها الكتاب إلى جانب أربع قصص قصيرة أخرى وهي: أليعازر، بن طوبيا، الجدار والأرض. في كلٍّ منها يستعرض أندرييف المناجاة البشرية والألم والوحدة والحاجة والصّراع بين الإيمان والواقع وبين الكذب والحقيقة. والملفت في أغلب أقاصيص وروايات ليونيد هوه ال "تويست" الذي يجريه على الروايات التوراتية والإنجيلية. إنّه يحكي عن المسيح وعمّن مرّ عليهم بزاوية أخرى، بزاوية بشريٍة خالية من التأليه. وأجد أقرب هذه الحكايات _التي نقلها للعربية ابراهيم جركس بشكل رائع_ هي تلك التي تتناول أليعازر. أليعازر الذي أعاده المسيح من الموت، ومع ذلك عندما سأله أغسطس إن كان مسيحيّاً قال: لا. أليعازر الذي ربما ظلّ ميتاً حتى بعد أن أُعيد للحياة، والذي عرف الحقيقة، الحقيقة التي كانت أصعب من أن ينطق بها، وعرفها من نظروا لعينيه، حقيقة الفناء. أمّا الجدار، فهي لا تخلو من أسلوب أندرييف الصّارخ الّرمزيات، فهذا الجدار مرّة هو الحياة ومرّة هو الموت وأُخرى هو الله الذي يتضرع له اليائسون، هذا الجدار يتلوّن معناه حسب عيني القارئ، وحسب السّجناء الذين يقتربون منه في كلّ مرّة. هو الحاجز الذي لا يتحد البشر لتدميره إلّا حين يجمعهم الألم، وما أن ينسوا هذا الألم ويستسلموا لليأس حتى يعودوا لأكل بعضهم. أما بن طوبيا، ذاك الذي آلمه ضرسه ليلة صلب المسيح، فنظر للعالم من خلال آلامه هو نفسه، وفقط حين زال الألم، نسي بن طوبيا أنّ المسيح قد صلب. وفي قصّة الأرض، يشاهد الرب بشره يعانون فيرسل ملائكته ليفهم سبب نواح الأرض، ولكنّه لن يفهم طالما أنّه هناك يجلس بعيداً عنهم، ينظر من أعلى عرشٍ إليهم فلا يفهمهم. وفي النهاية نوفيلا الرجل الذي وجد الحقيقة، ذاك الذي حكم عليه بالسّجن المؤبد ضريبة لجريمةٍ لم يرتكبها، فيحاول التأقلم مع سجنه عبر اعتناق آلامه والتصالح معها والتكيّف مع حالته الحالية، فتحوّل بين رفقائه وكلّ من عرفه إلى المخلص الذي يبث السلام والتوازن في الأرواح التي تملك شجاعة الاعتراف بخطاياها. كان مسيحاً، لكن من نوع آخر. من النّوع الذي لمس بقلبه أكاذيب البشر، ونفاقهم، وتمثيلياتهم، وعرف أنّ السّجن الحقيقي إنّما يكمن هناك، خارج القضبان، بين من قيّدتهم نشوة الفوضى.
حول نوفيلا “الرجل الذي وجد الحقيقة” للكاتب الروسي “ليونيد أندرييف”. كتبها: حسين قاطرجي.
كلّ من يعرفني عن قرب يعرف طبعي المتفائل وإيجابيّتي وإقبالي على الحياة، ولهذا السّبب كنتُ أتراجع في كلّ مرّة عن قراءة أدب “ليونيد أندرييف” لما سمعتُ كثيراً عن سوداويّته المفرطة ونظرته الكالحة للحياة، وأنا في غنى أصلاً عمّن يعكّر مزاجي الرائق. ثمّ قلتُ في نفسي أنّني صرت في عمرٍ يجعلني محصّناً من عدوى التشاؤم، فلِمَ لا أقرأ له وأحكم بنفسي على أدبه بعيداً عن تنظير القرّاء والنقاد؛ ففعلت.
☆ بدايةً؛ ولمن لايعرف “أندرييف” (1919-1871)، فإنّ هذا الرجل حاول الانتحار أربع مرّات، وسعى في مناكب التشاؤم سعياً جعله أيقونة العدميّة، ومعظم أعماله الأدبية ذات طابع ديني، يستلهم شخصيّاته من العهدين القديم والجديد؛ ويروي عنها قصصاً مغايرة تماماً لما روته الكتب عنها. وقد قرأتُ قصصه: أليعازر، في يوم الصّلب، الجدار، الأرض، وأكتفي بالحديث عن نوفيلا “الرجل الذي وجد الحقيقة”.
في هذه النوفيلا بدأ الكاتب يعطينا الكآبة بجرعاتٍ خفيفة غير قاتلة، نكزاتٍ بسيطة في خاصرة الأمل (ستتحوّل لاحقاً إلى طعنات)، واقعيّةٌ مُرّة عن رجلٍ عجوزٍ سُجن ظلماً لجريمةٍ لم يقترفها، وصار عليه أن يقضي مابقي من عمره في زنزانةٍ متهالكة ما فيها إلا كوّةٍ علوية هي السّرّة التي تربطه بالعالم الخارجي.
– يتوغّل الكاتب في سرد الروتين اليومي لهذا الرجل الذي يحوّله السجن حكيماً، ويصير له نظريّاتٍ حول الحياة ونهايتها (ولانهايتها)، وهي بالمجمل نظريةٌ مفادها أنّ الحياة مهزلةٌ كونية بائسة ومستمرّة، يختلط فيها العبث بالشقاء، وتُنصب فيها الفخاخ السّاذجة لقلوبنا الطيبة؛ ولهذا فهي لاتستحقّ أن تُعاش لأنّ كل مافيها إنّما هو استعدادٌ مبكّرٌ للدموع، والسّلامة في الهروب والتنصّل منها على وجه السّرعة!.
– في مفاجأةٍ غير متوقّعة سيُخرج الكاتب بطل روايته من السّجن، ويحوّله إلى رجلٍ غنيٍّ ميسور، هنا سيظن القارئ أنّها بهجة الحياة التي لابدّ أن تنتصر، ولكنّ، مهلاً، “فأندرييف” خبير الكوارث، والماهر في سلخ السعادة من الحياة يتربّص بقارئه بفكرةٍ لايتوقعها:
– لقد اعتاد بطل الرواية على روتين السّجن، ولمس في حياته الجديدة الباذخة تفاهةً واستيحاشاً، فأختار لنفسه غرفةً صغيرةً في قصره المنيف وجعل لها كوّةً علويّةً ذات قضبان، وجعل من خادمه حارساً لسجنه، وهكذا أكمل حياته بعد أن خلع عنها رداء البهاء والوفرة، وأنقذ نفسه من براثن الأمل!!.
– قرأتُ غير دراسةً عن أدب “أندرييف”، وبعد قراءتي جُلّ أعماله أجدني متّفقاً مع بعض مع ذهب إليه النقّاد بأنّ “أندرييف” يقترب من أن يكون “ديستوفيسكي” العصر، لولا أن عاجله الموت وهو في أوج عطائه.
☆ فحوى القول: لايحتاج الكاتب تزكيتي، ولا إشادة النقاد، أدبه يتكلّم عنه بوضوح، ولكنني، بصفتي قارئ، أستمتع بقراءة أدبٍ مُغايرٍ تماماً، هذا الرّجل ينفح سمّ اليأس والقنوط في الأرواح زُمراً زُمراً، ويقول للقرّاء بأنّ الحياة شيءٌ سيّء، وإنّ الأسوأ لم يأتِ بعد؛ ولكنّه في طريقه إليكم حتماً!.
● الرّجل الذي وجد الحقيقة. ● ليونيد أندرييف. ● ترجمة: إبراهيم قيس جركس. ● الدّار الليبراليّة، برلين. ● الطبعة الأولى، 2022
يا أصدقائي في عالم الكتب ، ويا رفقاء الرحلة بين السطور ، إن كنتم تطلبون قصصًا تُلامس الأعماق وتوقظ الأسئلة الثقيلة ، فاقرؤوا هذه القصص ، وحين تبلغون نهاية أي قصة ، أطبقوا الكتاب قليلًا ، واتركوا للصمت أن يتكلم ، وتأملوا ما قرأتم ، وحاولوا تفكيك كل تفصيلة فيها ، عندها ستدركون أنها ليست حكاياتٍ للمتعة العابرة ، بل نصوص فلسفية عميقة ، كُتبت بألم ، وتُقرأ بخوف. * هل يستطيع الإنسان أن يواصل الحياة إذا انكشفت له الحقيقة كاملة ؟ ماذا يحدث له حين يصبح شاهدًا على فراغ المعنى ؟ أيهما أقسى : أن يُعاقَب بالمعرفة أم يُنقَذ بالجهل ؟ وماذا لو كان حاضرًا بجسده ، غائبًا بأخلاقه ؟ هل نحن نبحث عن الحقيقة حقًا ، أم نبحث فقط عمّا يُطمئن قلقنا ؟ * أندرييف كاتب عبقري ، لكن عبقريته ليست تلك التي تُدهشك فحسب ، بل التي تُربكك وتضعك وجهًا لوجه أمام ذاتك ، في موضع الاتهام ، يرى ما نفضّل تجاهله ، وينقب في أعماقك ، ثم يتركك وحيدًا مع ما اكتشفته عن نفسك. وللأسف، ظل هذا الكاتب مظلومًا ، ولم ينل مكانته التي يستحقها بيننا نحن القرّاء العرب. * وأخيرًا امتنانٌ صادق من القلب للمترجم إبراهيم قيس جركس على هذه الترجمة البديعة ، وأتمنى بأن نقرأ له مزيدًا من ترجمات أعمال أندرييف الأخرى ، أو أعمال أولئك الأدباء الروس الذين لم يبلغهم الضوء بعد ، ولم تُنقَل أعمالهم إلى لغتنا حتى الآن.