لم تراودني يوماً فكرة تأليف كتاب أجمع فيه بعض الذكريات عن تجربتي الصحافية من تونس إلى لندن إلى الدوحة، ومن دراسة الإعلام في معهد الصحافة وعلوم الإخبار إلى الاشتغال بصحف تونسية وعربية مختلفة، إلى التسلل إلى عالم الإذاعة الممتع، ومنه إلى عالم التليفزيون المبهر.
بصراحة، لم أرَ نفسي يومًا في مكانة تسمح لي بأن أقدم على ذلك، كما أن دوامة العمل والسفر المتواصل منذ الالتحاق بعالم التليفزيون بعد خروجي من تونس عام 1995 لم تكن لتسمح حقيقة بترف الجلوس لكتابة أي شيء غير مقال أسبوعي في جريدة "القدس العربي" دأبت عليه منذ أكثر من عشرين عامًا.
ومع إلحاح عدد من الأصدقاء، استمرت مراوحة الكتابة لأكثر من خمس سنوات، إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان: فيروس يدعى "كورونا" يجتاح العالم ويبث فيه الهلع فيلزم الناس جميعًا بيوتهم ويوقف النبض العادي لسير العمل والحياة اليومية. ها هي أخيرًا المناسبة التي أسقطت مرة واحدة كل ما كنت أتحجج به من قبل.
لملمتُ كل ما كتبته متناثرًا عبر السنوات، وعدت أدقق في التاريخ وأشحذ الذاكرة لجمع أفكار وأحداث مبعثرة لأجلس أخيرًا لكتابة ما بين أيديكم حاليًا.
فمن "تونس ..فجر الصحافة وليل السياسة"، مررًا ب"العراق.. زيارات ومطبات"، و"فلسطين .. المهنة والوجع"، ثم عودة إلى "تونس و"الجزيرة""، فحديث عن خفايا برنامج "مع هيكل، وختامًا ب"دفتر المفارقات والطرائف" مع الرؤساء: علي عبدالله صالح والقذافي والحسن الثاني وأردوغان وبشار الأسد وولد عبدالعزيز، يروي لنا محمد كريشان كثيرًا من التاريخ والتجارب والمواقف والأزمات والحروب والخفايا والمفارقات و...إليكم التفاصيل.
محمد كريشان، صحفي تونسي ولد عام 1959 يعمل حالياً في قناة الجزيرة الفضائية. يقدم برامج أخبارية، ويحاور الشخصيات السياسية والفكرية.
نشأته ولد محمد كريشان، تونسي الجنسية، يوم 7 يناير 1959 في صفاقس. حصل محمد كريشان على بكالوريوس إعلام من جامعة تونس سنة 1981 فعمل كمتعاون مع وكالة رويترز. عاش طفولته وتعليمه الابتدائي في مدينة القصرين في الوسط الغربي المتاخم للحدود مع الجزائر. كان والده تاجراً هناك وقد عرف بنضاله السياسي ضد الاستعمار الفرنسي حيث تعرض للسجن، أما جده محمد الذي سمي باسمه فقد اعتقل لتخزينه السلاح للثوار الجزائريين ومات في سجنه بالجزائر.
هذه البيئة السياسية منذ الصغر جعلته مهتماً بأخبارها ومتابعاً للصحف والإذاعات التي كان والده مدمناً عليها. انتقلت العائلة إلى صفاقس حيث واصل تعليمه الثانوي وحصل على الثانوية العامة عام 1977 لينتقل إلى العاصمة تونس لدراسة الصحافة وعلوم الأخبار في الجامعة التونسية حيث تخرج ببكالوريوس إعلام عام 1981. وفي صفاقس عرف تجربة المسرح ونشط في الكشافة.
الخبرات عمل مراسل لعدة صحف عربية. كما عمل في تلك الفترة محرراً للشأن العربي في عدد من الصحف الأسبوعية التونسية من 1980 إلى 1995. شغل أيضاً مراسل إم بي سي للفترة بين 1991 - 1992. بعدها لإذاعتي مونت كارلو وهولندا العربية بين 1991 و1995 ثم مذيع أخبار في تلفزيون بي بي سي العربية بين 1995 و1996. التحق بقناة الجزيرة في 14 يوليو 1996 ليعمل مذيع أخبار ومقدم برامج حتى اليوم. عمله مع قناة الجزيرة يعمل مذيع أخبار ومقدم برامج. التحق بالقناة في 14/7/1996، من برامجه:
ما وراء الخبر. يقدم نشرات الأخبار. من أشهر برامجه حلقات مع الصحفي محمد حسنين هيكل. غزة تنتصر.
في الفصول المتفرقة لهذا الكتاب، يعرض مذيع الجزيرة الشهير محمد كريشان لمحات من حياته صحفياً ثم مذيعاً. بدأ الكتاب بالحديث عن عمله أثناء دراسته الجامعية كمتدرب في صحيفة الرأي التونسية المعارضة، وتحدث عن الكوكبة التي تعرف عليها من خلال هذه الجريدة، وذكر من بينهم الباجي قايد السبسي والمنصف المرزوقي، وكلا منهما تولى رئاسة تونس بعد الثورة، وذكر رأيه في كل منهما. تحدث أيضاً عن وضع الحريات في تونس في عهد بورقيبة، والذي كان يُعرض الجريدة للمصادرة وللتوقف لفترات، وعن اختبار الجريدة للشعارات التي رفعها بن علي في بداية حكمه، من خلال مقالٍ أدى إلى عدم السماح للعدد من النشر من الأساس، ثو توقف الجريدة من بعده. تحدث عن عدد من المهام الصحفية التي سافر فيها كمراسل عن الجريدة، فبدأ بالحديث عن زيارته لليبيا المصبوغة باللون الأخضر في كل شيء حتى أبواب البيوت والمتاجر، وشعارات القذافي والكتاب الأخضر التي تحيطك في كل مكان، وتجربة المؤتمرات الشعبية وتحكم الدولة في كل شيء حتى في التجارة. تكلم بعد ذلك عن نجم والشيخ إمام، وعن الخلاف بينهما وأسفه لذلك، ثم عن زيارته لمصر بعد اغتيال السادات ولقائه بنجم بعد الإفراج عنه وسؤاله عن أهم ما شاهده في السجن، ونقل نجم بالتفصيل لمشهد إعدام رفاق الإسلامبولي في قضية اغتيال السادات. ثم تكلم عن تغطيته للإنسحاب الإسرائيلي من سيناء في 25 أبريل 1982، وتغطيته للاحتفالات الرسمية والشعبية وفرحة عموم الناس، وحديثه مع بعض أهل سيناء من الكبار والأطفال، والطفل الذي أخبره أنه وُلد أثناء الإحتلال ولم يعرف أن اليهود قوة إحتلال إلا من والديه، لأن مناهج الدراسة كانت تخلو من هذا، وظن بعض الأطفال أن أحد المراسلين المغاربة يهودي لاحتكاكهم بجنود يهود من أصل مغربي، وأن هؤلاء الجنود كانوا الأعنف والأقسى في التعامل معهم. تحدث كذلك عن تدمير اليهود لما بنوه قبل أن يرحلوا، ورغبة المصريين في ألا يترك اليهود وراءهم أثراً تراه الأجيال اللاحقة، والرد العفوي للطفل السيناوي عندما سمع ضابطاً إسرائيلياً يذكر أنه كان يرغب أن يظل في سيناء عاماً إضافياً، فقال الطفل لرفيقه: قل له يروح عند أمه أحسن تحدث عن فترة عمله كمراسل لجريدة عكاظ السعودية، وعن مفارقة كون اهتمام الصحيفة الأول كان الحوار مع المسؤولين السعوديين الزائرين لتونس والذين تكررت زياراتهم خلال فترة نقل الجامعة العربية هناك أثناء مقاطعة مصر، على الرغم من سهولة مقابلة الصحيفة لنفس المسؤولين داخل السعودية، تحدث كذلك عن محاولاته للوصول لانفرادات صحفية من خلال عدة وسائل منها التواصل مع أعضاء وفود الدول الصغيرة على غرار جيبوتي وجزر القمر التي لم يكن يلاحقها الصحفيون لانشغالهم بمطاردة أعضاء وفود الدول الدول المركزية. تحدث عن المقابلة التي أجراها مع الدكتور محمد فاضل الجمالي، الذي كان مندوب العراق في مؤتمر تأسيس الأمم المتحدة ومن وقع على ميثاقها نيابةً عن العراق، وكان رئيساً لوزراء العراق، وكان وزير خارجيتها حين حدث الانقلاب في عام 1958، وحُكم عليه بالإعدام، وتم تخفيف الحكم بعد وساطات من داج همرشولد وعبد الناصر وبابا الفاتيكان والملك محمد الخامس، وتحدث عن ذكرياته عن مؤتمر باندونج، وإصراره على طرح قضية فلسطين خلال جلسات المؤتمر. تحدث في فصول لاحقة عن تجربته في العمل الإذاعي، وبرنامجه الذي صار له شعبية وأجرى من خلاله حوارات مع عدد من الساسة والمثقفين، ثم ملابسات إيقاف البرنامج وتفسيره لذلك، ثم عمله كمراسل تليفزيوني لإم بي سي، ثم عمله مذيعاً في القناة العربية الجديدة التابعة لبي بي سي، وتوقف القناة تماماً بسبب غضب الممول السعودي من إذاعة إحدى التقارير عن السعودية، ثم انضمامه لفريق قناة الجزيرة الوليدة، الذي تشكل في الأساس من فريق بي بي سي. كان كريشان من أوائل العاملين بالمحطة الجديدة، تلك المحطة التي كانت – ولا زالت – ذات تأثير قوي وصوت مسموع، وعلى حد تعبير أحد المسؤولين الأمريكان الذي نقله في الكتاب: إن صدق القطريون فيما يقولون عن سياسة هذه القناة الجديدة، فنحن مقبلون على صداعٍ كبير! بالطبع فإن حديثه عن الجزيرة لا يخلو من تبجيل وانحياز، لكن لابد أن المتابع للقناة ولسياستها عبر السنين سيكون لديه تحفظاته، لأنه من الاستحالة أن تجد جهة موضوعية ومهنية 100%، لكن لا أحد يستطيع أن يُنكر دور الجزيرة في نقل المشهد بأعيننا – لا بأعين الغرب – سواء في أفغانستان، أو العراق، أو فلسطين، وقد دفعت الجزيرة ثمن هذا باستهداف عدد من مراسليها، فمنهم من قضى نحبه مثل طارق أيوب –رحمه الله – أثناء حرب العراق، ومنهم من نجا، مثل تيسير علوني. وقد تكلم كريشان عن معلوماتٍ قد ذاعت بأن بوش كان يريد قصف مقر الجزيرة الرئيسي وقصف مكاتبها! أفرد كريشان بعد ذلك فصلاً كاملاً عن العراق، تحدث فيه عن زياراته المختلفة لهذا البلد الشقيق العريق، من زيارته الأولى لبعثة للدراسة في بغداد نظراً لأن سياسة التعريب في تونس لم تكن قد اكتملت بعد لسطو تيار الفرانكفونية، وعودته بعد 10 أيام لتونس مرة أخرى ليدرس الصحافة، ثم تحدث في مواضيعٍ أخرى عن الزيارات المختلفة على هامش العمل الصحفي، سواء خلال سنوات الحصار، أو قبيل الاحتلال، ثم بعده، وعن حواره مع ناجي صبري ومحمد سعيد الصحاف، وعن ترفق طارق عزيز به وهو صحفي شاب، وعن الفترة التي قضاها مع رفاقه لإذاعة برنامج يومي من داخل العراق المحتل على مدار شهرين، والصعوبات التي كانوا يلاقونها للوصول للضيوف، وعن المآسي التي تعرض لها أبناء شعبنا في هذه الفترة التي ساد فيها القتل العشوائي والسرقة والنهب. انتقل بعد ذلك لفصلٍ عن فلسطين، بدأه بالحديث عن تعلقه بالقضية منذ صباه، ثم تحدث عن متابعته لوصول قيادة وقوات منظمة التحريرإلى تونس بعد الخروج من بيروت عام 1982، وعلى المؤتمر المنعقد في الجزائر بحضور قيادات فتح وجموع من المثقفين والصحفيين والفنانين العرب ومنهم عدد من مصر وذكر منهم الفنانة الشقراء الجميلة التي تجاذب معها الحديث أحد الصحفيين التونسيين طوال طريق العودة في الطائرة، ليفاجأ في نهاية الحديث أنها نادية لطفي . تحدث أيضاً عن قصف العدو لمقر منظمة التحرير في تونس في عام 1985، ثم تحدث عن عرفات ولقاءاته المختلفة معه، وعن سفره معه ضمن مجموعة كبيرة من المراسلين الصحفيين لحضور مراسم التوقيع على اتفاقية أوسلو في البيت الأبيض، وعن تفاؤل عرفات وقد صار له موطيء قدم في وطنه، لكن الواقع كان غير ذلك، وعن نصيحة هيكل لعرفات ألا يلقي كل البيض في سلة أوسلو، وعن كيسنجر الذي رآه كريشان يتمشى وحيداً ذلك اليوم وعلى وجهه ابتسامة عريضة! تحدث كثيراً عن عرفات، وعن قادة آخرين من فتح، وعن الفرق بين عرفات ومحمود عباس، وعن جورج حبش، وعن البروفيسور إبراهيم أبو اللغد رفيق إدوارد سعيد، وعن الجاسوس الذي كان يعمل في مكتب محمود عباس قبل أوسلو وكان يطلب الكثير من الصور الشخصية لطالبي أي معاملة رسمية، ثم يبرر هذا مازحاً: صورة للمعاملة وصورة للملف وصورة للموساد! قبل أن يتبين أن المزحة حقيقية! وتحدث عن زياراته المتكررة لفلسطين المحتلة، وعن التأشيرة الإسرائيلية، واللقاء التليفزيوني مع باراك، واللقاء الذي لم يتم مع شارون، وعن اليهود من ذوي الأصل العربي الذين التقاهم وأعرب الكثير منهم عن تشوقهم لزيارة بلدانهم الأصلية، وعن القدس، وعن الحوار الذي تم بينه وبين ضابط الأمن الإسرائيلي. خصص فصلاً بعد ذلك للحديث عن بلده تونس، وعن علاقة النظام المتوترة مع الجزيرة والتي وصلت لدرجة سحب السفير التونسي من الدوحة!، ثم الحديث عن الثورة التونسية. بعد ذلك خصص فصلاً كاملاً للحديث عن حواراته مع هيكل والتي امتدت على مدار عدة سنوات، التقاه فيها سواء في مكتبه في وسط القاهرة، أو عزبته في برقاش، أو خارج مصر، وتحدث كثيراً عن إعجابه بالرجل، وعن الاحترام والتقدير المتبادل بينهما، مع الخلاف في الرأي الذي كان واضحاً في الموقف من تطورات الربيع العربي عموماً، وتطورات الثورة المصرية خصوصاً. وعرض مقتطفات من حواراته معه، وآرائه في الربيع العربي، والإخوان، والوضع في سوريا، والعلاقة مع عبد الناصر والسادات، وعن القذافي. أنهى الكتاب بفصل خفيف ضمنه عدد من المواقف التي جمعته بعدد من المشاهير ومنهم علي عبد الله صالح وبشار الأسد وأردوغان وعبد الله جُل وأحمد زكي يماني والحسن الثاني وراشد النعيمي. وهنا انتهت هذه المذكرات اللطيفة الخفيفة، التي أثق أن لصاحبها من المواقف التي مرت به خلال رحلته العملية - وبالأخص مع الجزيرة – ما يصلح لمضاعفة حجم هذا الكتاب، وهو في المجمل كتابٌ لطيف يستحق القراءة.
ما زال مشهد بكاءه على الهواء وهو يعلن سقوط العاصمة العراقية بغداد على يد جحافل الغزاة الأمريكان من أكثر الذكريات العالقة والمؤلمة في نفسي حتى اللحظة، فحينما نتحدث عن مذيع مؤسس لقناة أشغلت ولا زالت تشغل العالم بتغطياتها و طرحها فلا بد من ذكر محمد كريشان والذي وثق في كتابه (محمد كريشان يروي... و إليكم التفاصيل) أحداثاً مهمة لصحفي إلتقى حكاماً و مسؤولين و عاصر مواقف و أحداثاً هزت المنطقة العربية و العالم أجمع، ولا استطيع القول أن هذا الكتاب هو سيرة ذاتية او شهادة تاريخية ولكن استطيع القول انه الاثنين معاً، فمحمد كريشان في كتابه هذا كأنه أراد توثيق أحداث تاريخية من كواليس الحدث نفسه، برؤيته الخاصة بعيداً عن موقعه كمذيع معروف في قناة لها ما لها وعليها ما عليها، فقدم كريشان خلاصة تجربته في الصحافة و التلفزيون بداية من تونس إلى محطة البي بي سي العربية في لندن وصولاً إلى النقطة الأهم في حياته المهنية الا وهي قناة الجزيرة في قطر، وهي القناة التي شئنا ام أبينا من غيرت المشهد الاعلامي العربي بوجه عام و أسست ما استطيع القول عنه ثورة إعلامية عربية مناهضة للإعلام العربي الرسمي المتحجر على مدى سنوات طويلة، حيث يقول كريشان عن تجربة الجزيرة و بداياتها (لم يكن هناك سوى وعد واحد: سنكون قناة مهنية وحرة!! هكذا تحدث مسؤولو «الجزيرة» الأوائل مع كل من التقوا بهم في لندن لتوظيفهم من صحفيي الـ «بي بي سي". من جلس منا مع هؤلاء قبل إغلاق هذا التلفزيون لم يجد في هذا الوعد ما يكفي حقاً لخوض غمار تجربة جديدة غير محددة المعالم، أما من جلس معهم بعد ذلك، أي بعد نيسان/ أبريل ١٩٩٦ فبدت خياراته أضيق، لكن الكل تقريباً أجمع على نقطة واحدة ليس لدينا ما نخسره، فبدلاً من بطالة في لندن أو العودة أدراجنا كل إلى وطنه فلنذهب إلى الدوحة ونر، فإما أن نجد ��ي التجربة الجديدة ما يغري فعلاً، وإما فالوداع، لن يكلفنا ذلك شيئاً، دعنا نعتبرها رحلة سياحية إلى قطر لكن ما حدث أن الرحلة استمرت لسنوات طويلة، ما الداعي لتصديق القطريين في وعدهم. همهم معظمنا، فالقطريون ، وإن سجلت لهم في السابق تجارب صحافية مميزة كمجلة «الدوحة الثقافية الشهرية التي استقطبت في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته أسماء أدبية عربية لامعة، إلا أنه لم يعرف عنهم للحقيقة شغل خاص بالاستبسال في الذود عن الحريات الصحافية في البلاد العربية، لا قديماً ولا حديثاً، كما أنه لم يصدر من القيادة السياسية الشابة التي وصلت الحكم في حزيران/ يونيو ١٩٩٥ ما يفيد، وقتها على الأقل، بأنها مقرة العزم على ضرورة إنهاء ما يعانيه المواطن في البلاد العربية من إعلام رسمي ركيك يقوم على الدعاية والتعتيم وعشق «القائد الملهم، كان الشعور السائد بين الفريق الذي وصل إلى الدوحة أننا نلتقي من جديد، بعد إجازة إجبارية، حتى نواصل نفس العمل الذي شرعنا فيه في بريطانيا ذات يوم من أيام شهر حزيران/ يونيو ١٩٩٤، قدم بعضنا مباشرة من لندن وبعضنا الآخر من بلده التي عاد إليها لأشهر قليلة، فصلت بين العمل في صقيع بريطانيا القاسي والاستعداد لتجربة جديدة في حر، سمعنا عنه الكثير لكن ما تخيلناه بهذه الشدة، كانت تسليتنا الوحيدة في غرفة الأخبار غير المكتملة قضاء معظم الوقت في تبادل الرأي عما يمكن أن يكون عليه شكل هذه المحطة الجديدة، أول محطة إخبارية في البلاد العربية، القادمون من الـ ابي بي سي» من الفنيين والمحررين والمذيعين ملأهم الزهو، كل على طريقته ، فبات حديثهم لا يخرج عن روعة تجربتهم في لندن وضرورة نقلها إلى الدوحة، أما البقية ، وهم القادمون من تلفزيونات عربية مختلفة، فلم يجدوا ما يفخرون به، لذا قنع معظمهم بمتابعة حديث الأوائل بغثه وسمينه، حقيقته ومبالغاته، غير ان ما جمع الفريقين هو محاولاتهما المضنية قراءة النوايا القطرية في إطلاق مشروع إخباري، يفترض مبدئياً، إذا ما صدقت هذه النوايا ، أنه لن يجلب على الأرجح سوى المتاعب، هنا أتذكر ما قاله لي باتريك نيكولاس تيروس سفير الولايات المتحدة في قطر من عام ١٩٩٥ إلى عام ۱۹۹۸، كنا نتمشي في حديقة الجزيرة بعد انتهاء أحد برامجي عام ٢٠١٨، وكان ضيفاً فيه، فقد استحضر مبتسماً، بعد عشرين عاماً من ترك منصبه في الدوحة، أنه مع انطلاق المحطة بعث وقتها برسالة إلى واشنطن يقول فيها بأنه إن صدق القطريون في ما يعلنونه بخصوص هذه القناة الجديدة فإننا مقبلون على صداع كبيرا !) خصص محمد كريشان في كتابه جانباً لا بأس به للحديث عن محمد حسنين هيكل ذلك الصحفي الذي كان مقرباً من جمال عبد الناصر، و أسهب كريشان عن هيكل و كواليس الحوارات التي قام بتسجيلها معه لبرنامج (مع هيكل) لتشخيص المنطقة العربية والاوضاع العالمية من منظور محمد حسنين هيكل، حيث لم يخفي كريشان إعجابه الشديد بمحمد حسنين هيكل هذا الرجل الذي اختلف الكثيرين حول اطروحاته وتحليلاته بوصفه معاصراً لأحداث عربية و عالمية مفصلية في الشرق الأوسط خاصة، اما حينما نصل مع كريشان وهو يروي لنا تفاصيل العمل الصحفي وتغطيات الحروب كحرب العراق مثالاً، نعي أن الموت هو الصديق المقرب الذي ينام و يصحو مع الصحفي في تغطيته لمناطق النزاعات الكبرى والحروب المدمرة والتي يعيش الصحفي بين ضحاياها من الابرياء وهو ينقل الوجه البشع للبشرية، هل الكتاب مثري؟ نعم هو مثري بالمعلومات عن الصحافة والحريات الصحفية والاعلامية بشكل عام، والعديد من المواقف في حياة محمد كريشان حيث أن كل موقف يأخذنا إلى تفاصيل وحكايات مهمة في حياة الصحفي، وكذلك الصعوبات التي تواجه كل صحفي يبحث عن هامش للحرية في بلدان يسبح إعلامها الرسمي بحمد الحاكم المفدى المغوار، ومهما اتفقنا او اختلفنا مع ما ورد بهذا الكتاب من آراء، سيظل ما قصه محمد كريشان لنا من أحداث ومواقف تاريخية، شهادة لرجل عجنته سنوات طويلة في المجال الإعلامي بحلوها و مُرها خيرها و شرها..
■ وإليكم التفاصيل هو مذكرات شخصية لصحافي الجزيرة محمد كريشان كتبها بطريقة منظمة وجيدة وبلغة سلسة وسهلة جدا علي هيئة مقالات قصيرة استعرض فيها ذكرياته منذ أن كان طالبا بالجامعة ثم تخرجه والتحاقه بالعمل الصحفي تونس ثم انتقاله لبريطانيا للعمل في البي بي سي وصولا لكونه واحد من الفريق المؤسس لشبكة الجزيرة في قطر
■ حكاياته الأولي أو ذكرياته في بدايات حياته هي الأجمل علي الاطلاق ، سفره كطالب بعثة ثم تخرجه وانتقاله بين جرائد تونس وعمله بالاذاعة ثم سفره لمصر ومقابلته مع أحمد فؤاد نجم الذي حكي شهادته علي اللحظات الأخيرة لإعدام قتلة السادات ، ثم تغطيته للانسحاب الاسرائيلي من سيناء ورفع العلم المصري ، وذكريات تغطية حرب العراق وتأسيس الجزيرة بعد اغلاق البي بي سي العربية التي كانت في الأساس بتمويل خليجي أغلقها الكفيل السعودي بسبب انزعاجه من تغطيه موضوع داخلي عندهم
■ الكتاب في مجمله جيد للغاية وحكاياته عن عمل الصحافيين قديما وحديثا ربما لن تجد كثيرين يحكونها بهذه الطريقة وهي شهادة مهمة للتاريخ بعد أن تطورت مهنة الصحافة كثيرا ، وصارت إلي ما صارت إليه هذه الأيام في بلادنا من حيث كونها مجرد نشرات إخبارية يوزعها جهاز السامسونج الموجود في يد الرقيب الأمني وإلا فالحجب والمنع والقاء القبض علي الصحافيين هو البديل ، وهي حكايات متعددة أثمنها علي الاطلاق حكاياته عن تغطية حرب العراق التي أراها الأهم في الكتاب كله.
■ أما ما أظنه يؤخذ عليه فهو رأيه في حل الدولتين ، يقول الرجل في حواره مع أحدهم داخل الكيان أثناء عمله في الداخل لديهم أنه لا يري حل للقضية إلا دولة ديمقراطية علمانية علي كامل المساحة التاريخية للأرض تضم المسلمين والنصاري واليهود لا قيمة فيها إلا للمواطنة والقانون ، كريشان يغطي حرب الطوفان منذ بدايتها بنافذة يومية وأظنه رأي الصلوات التوراتية قبل دخول رفح ورأي خرائط من النيل للفرات علي أكتاف الجنود المقاتلين ، ياسيدي هذه حرب دينية وعقائدية بالمقام الأول وموهوم من يظن أنها ستحل بأفكار اليساريين والليبراليين البالية كما حلت أي قضية أخري.
■ ثم طبعا هناك ماهو معروف ومتوقع منذ البداية وهو تبجيله وأستذته المبالغ فيها لهيكل صانع شهرته ، والراجل كان وغد حقيقي ولا يعني كونه أحد كهنة الصنعة الكبار في بلاد العرب أن يجعلك ذلك تتجاوز عما فعله أو عما وصل إليه يوما بعلاقاته مع عبدالناصر لدرجة انه ذكر أنهم كانوا يرسلون إليه نسخة من تقارير المخابرات الخاصة بمراقبة الناس ، لم يكن بالبرنامج مساحة مفتوحة لمناقشة هيكل في أفكاره ولكن كان بالكتاب كل المساحات الممكنة للنقد والمراجعة والتعليق ، بجانب الحكي وذكريات تسجيل البرنامج بين القاهرة ولندن وبرقاش
■ نعم أنا واحد ممن صنفهم كريشان بأنهم كارهي هيكل ولاعنيه ومنكري أهمية ما يقول ، ولا أري سوي أن الرجل هدم ما بقي من تاريخه بالكامل بانحيازه للانقلاب العسكري مرة أخري قرب نهاية حياته وهو ممن رأوا ما كان منهم منذ الخمسينات ، وان كانت كراهيتنا ليه في وقوفه في صف الديكتاتورية العسكرية قديما لاتجعلنا ننكر انه كان محقا فيما قاله لقيادات الإخوان بأن الغرب لن يسمح بأي نظام حكم يكون نواة لدولة اسلامية يوما ما ، قالها هيكل وهو يتحدث عرضا عن كل الشمال الافريقي المواجه لأوروبا وأغفل أن يتحدث عن دولة الكيان
■ بالنهاية هو كتاب مذكرات جيد وممتع للغاية حكي الرجل فيه من التفاصيل ما يصعب حصرها في مراجعة واحدة وبشكل سلس للغاية وبطريقة مشوقة ، حتي تلك التفاصيل المتعلقة بتأسيس الجزيرة ربما كانت مكررة نوعا ما ولكنها كانت صادقة من وجهة نظره ، اختلف معه كما تشاء ولكنه كان صادقا للغاية في كل ما رواه ، حكي الرجل عن ظروف تأسيس القناة وما فعله آل ثاني دون مداهنة لهم لتكون ذراعهم وأحد مصادر قوتهم ، ولكنه مازال يعمل هناك فلم يتعرض لسياستهم من قريب أو من بعيد ولم يذكر القاعدة الأمريكية الأكبر في بلاد العرب والتي انطلقت منها الطائرات لاحتلال العراق والتي تقع علي مسافة ليست بالبعيدة من مقر القناة التي كان يغطي منها لحظات سقوط بغداد
■ والكتاب رغم حجمه الكبير مسل للغاية ومما ينصح به لهواة كتب السير الذاتية الخفيفة التي لا تحتاج لسابق معرفة بكثير من التفاصيل التاريخية التي يتحدث عنها راوي الأحداث ، أتمني ان يلحقه يوما ما بجزء ثان.
استمتعت بقراءة 400 صفحة من مذكرات محمد كريشان ولو كان الكتاب ضعف هذا الحجم لقرأته بنفس السرور. أثبت محمد كريشان انه كاتب متمكن كما هو مذيع أخبار متمكن.
فقط تمنيت لو أنه ذكر رأيه في تغير اتجاه قناة الجزيرة وتحولها لقناة شبه دينية، لكنه ذكر خلافاً عاماً بينه وبين المدير العام وضاح خنفر دون ذكر أي تفاصيل.