لم تكن قرائتي لتاج السر بمحض الصُدفة .. بل أصدقاء الكُتب الجميلون هم من دلوني عليه , و أنا سعيد جداً إنني وصلتُ إليه مبكراً مع زحمة الروائيين و الروايات المبعثرة على رفوف مكتباتنا المحلية بدون ترتيب مسبق . تبدأ الرواية بوقوع ذلك المُغنيّ المغمور المعروف بإسم " ذهب " النازح من حياة الريف إلى العاصمة على خشبة المسرح إثر وجعٍ ما ألم به .. و إنتقاله لذاك المشفى الذي يلتقي فيه بشخصية تدعى " أكوي شاويش " فيطلب منهُ الغناء له .. فيغني لهُ أغنية كتابها بنفسه عن فتاة فتن بها أهل الريف لجمالها , فيفتن أكوي بصوته .. ثم تنتقل عدوى تلك الفتنة لبقية الأناس و المرضى العابرين بذلك المشفى , حتى يمضي الوقت فيعرفه أكوي بشاعر غنائي معروف بلقب " دودة القز " فيفتح لهُ باب الطرب و السلطنة الذي يدخل منهُ إلى عالم الأغنية و العزف الطويل على وتر الحنجرة .
تتطور مسيرة " ذهب " الفنية مع مرور الوقت .. حتى تصيبهُ تلك العظمه التي تصيب كل فنان يعزو صوته أماكن الحياة كافة . ثم من خلال جولاته الغنائية العديدة يلتقي بـ " حياة الحسن " التي يحبها و يسعى من خلال ألف حيلة ليتزوج منها حتى تقع في شباك حيلته و تقبل به زوجاً . و لكن خلال درب النجاح تصادف " ذهب " مراحل مؤذية نفسياً أو جسمانياً تكون الأولى حينما يتلقى خبر وفاة عرابه في الفن و الكلمه الحُلوة : " دودة القز " .. و من ثم يبتلى بفشل كلويّ يدفعهُ لمطارحة الفراش و جلسات غسيل الكلى المتواصلة , فتسعى الدولة كلها لتنظيم حملة مجنونة الإمكانات للبحث عن متبرع يتبرع لهُ بكلية بديلة .. فتكون هذة الحملة الباب الذي يدخل من خلاله " زيتون " الرجل البدوّي القادم من أقاصي الريف لحياته المثالية و المتحضرة فيعبثُ بها على هواه و يحيلها إلى خراب .
الرواية سهلة و بسيطة الفكرة , لكن لغة تاج السر أكبر مساحة في تعميق المعنى و طريقة تركيبة .. شهية و سلسة و مهظومة بإتقان , ما إستخلصتهُ من الرواية هو الحالة التي إنتقل فيها الفن من فن كلاسيكي راقي إلى فن شعبي يقترب إلى لغة الشارع أكثر من لغة التفرد على العزف على بيانو الكلاسيكية , كما هو حال الجمهور كذلك . ايضاً الإنقلاب الكبير الذي يحصل للفنان بعدما يخطفه العمر و المرض فيخلق ذلك الشرخ الكبير بينه و بين الجمهور .. حتى يصير مكانه في ذاكرة النسيان . أكثر ما جذبنيّ في الرواية أن فكرتها جديدة عليّ و غير تقليدية .