"كنا خمسة أشخاص بل أكثر يلمنا مكان تجمعنا أصوات مجتزأة من لغات، صيني، إسباني، إيطالية، عدة يابانيين وأنا. بدا ساحراً أن نتشارك العشاء إنكليزية مكسرة الأطراف قطعة موسيقى كلاسيكية، اتفقنا على حبّها، كان شيئاً ساحراً، أن نوفق في تبادل أسرار صغيرة ابتسامات قهقهات، وإن اختلفت أسبابها. ساحراً كان مجرد تلفظاً بأسماء بعضنا. وإلى أن انبرى أحدهم بسؤال في تلك الحرب الدائرة على أرض إسرائيل هل أنتم السوريون تقفون في صف اليهود أم في صف العرب؟، الصياد: جورج العجوز تصيدها على طريقته... عمدا يخربون مسيرة السلام في الشرق الأوسط، صدّام؟ يضربونه بيد ويصافحونه بالأخرى، جورج العجوز استحضر فيض تعاطفه أخرج بمهارة حادٍ أحرفه الهيروغليفية، قدّم فنجان القهوة بيد ومدّ إلى شعرها الأسود الأخرى".
هذا الديوان هو لؤلؤة أخرى تضاف إلى عقد شاعرة قدمت من الظلّ، واعدة بالكثير من أقمار الحبر وهدايا الكلمات التي تحمل أحرفها البساطة والعمق، ولطافة الخطوط، "ندى منزلجي" شاعرة عاديات" لا تحظ أسرارها بماء ذهب، ولا تطرز وسادتها بخيطان حرير، من تراب عادي وعناصر فقيرة ومواد مهملة في زاوية المشغل، تصوغ أسئلتها وتخرج ظافرة بأكثر من وعد.
"حوادثُ السير في عروقي كثيرةٌ كُلّي يرِتطمُ بكلّي".
تأتي قصائد "منزلجي" من داخل حدود نفسها وحدود البيت الذي تعيش داخل أسواره، فتحكي في خواطرها عن كونها "حبيسة بيجامتها"، وعن الأطباق التي تطهوها على نار هادئة، وعن الأعين التي تتربص لها، وعن الأحبة الغائبين في غياهب القدر، وعن قدر الذي يغلي بما في داخله على النار، وعن وجبة العشاء، وعن التغيرات التي طرأت على وجودها، وعن الحنين الذي لا يفارقنا، وعن الوحدة التي تسكننا، وعن النهايات المؤجلة، وعن مداهمات المسرة التي تأتي من غير موعد مسبق، وعن الأوجاع التي تعتلج في النفس، وعن المدن الضائعة في تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وعن أشياء أخرى كثيرة ومتفرقة.
لغة "منزلجي" ناعمة ولذيذة، لكن يعيب نصوصها الرمزية التي تطفو على السطح مما يجعل الوصول الى المعنى المستتر خلف كل تلك الرمزية أمراً شاقاً، الشيء الذي أفقدني متعة التقلب في نصوصها، والعبور من خلال صفحات هذة النصوص حتى نهايتها، كانت قراءة لا بأس بها على كل حال.