(جوّاب)، كما جاء في المعجم هو إسم وصيغة مبالغة من جاب، من عادته جوب البلاد والتنقل من بلد إلى آخر. جوّاب آفاق، اي كثير التنقل والتجوال. بطل روايتنا علي، الفتى الجوّاب الذي يتنقل في سفر لا كباقي الاسفار بحثاً عن جواب سؤال لطالما أرّقه، بل أرّق الإنسان منذ فجر التاريخ.. العدالة ؟
في رحلة " علي " الجوَّاب الذي يجوب البلاد وكتاب نهج البلاغة بحوزته للبحث عن العدالة يرافقه " أبو يوسف " في رحلاتٍ عبر أزمنة وحضارات مختلفة ليدله على إجابة سؤاله حتى يلتقي بالمثال الأعظم عن العدالة والذي جسدها خير تجسيد (الإمام علي عليه السلام)، ويفاجأ بعدم اتباع الناس لهذا الرجل العظيم، ويتركنا بطل قصتنا وحدنا نجوب الأمصار ونتبع أثر الوثيقة التي كتبها الأمير، لكن أين اختفت هذه الوثيقة التي كتبها لمالك الأشتر؟ الوثيقة التي تحوي في طياتها مبادئ الإدارة والسياسة والحكم؟ الوثيقة التي تحكي أسس العدالة والعدل.
الكتاب جداً رائع وقد فاجأني، بدءاً بالغلاف الفكرة والقصة والترابط والتسلسل، الرواية ينقصها رصانة الأسلوب وغزارة اللغة حتى تتواءم مع بلاغة خطب الأمير التي اقتبسها الكاتب في أغلب صفحات روايته، كونها التجربة الأولى للكاتب فهي جيدة ونتمنى له المزيد من التألق
رواية "جَوّاب" تأليف: أحمد خليل لاري الطبعة الأولى: 2022م دار تترى للنشر والتوزيع (القاهرة – مدينة نصر) عدد الصفحات: 215 تحكي رواية "جَوّاب" للكاتب الكويتي الأخ أحمد خليل لاري قصّة "علي" الذي يسافر عبر أزمان وأماكن مختلفة في رحلة بحثٍ مضنية عن العدالة، متقمّصا شخصيات "آريا" و"إيليا" و"إلكيسوس" و"وزيد"، ويصحبه في تجواله عبر الأزمان الحاج أبو يوسف الذي يتقمّص هو الآخر شخصيات: "نمرو" و "شموئيل" و "لياندروس"، ويصحبهما في هذه بعض فصول الرواية أيضا وليد – وهو شابٌ من فئة عديمي الجنسية أو البدون، عصفت بها الحياة كثيرا وكَوَته بنيرانها. يبدأ التعارف بين "أبي يوسف" و"علي" على متن رحلة متجهة من الكويت إلى العراق في شهر صفر من عام 1441 ه حيث يفاجئه أبويوسف بقراءة خاطرته القلبيّة، ويوجهه إلى مفتاح أجوبتها في كتاب نهج البلاغة – وهو كتابٌ يتضمّن خطب أمير المؤمنين (ع) وكلماته وحكمه. وفي محطاته الزمنية المختلفة، يلتقي علي بشخصيات مختلفة تحاول أن تقدم أجوبةً لتساؤلاته إما من خلال سياق الأحداث التي يتقمصها علي وأبويوسف كما في رحلته الرِقيّة الى مملكة بابل بقيادة حمورابي، أو عبر حوارات مباشرة مع شخصيات في تلك الأزمان كلقاءه مثلاً مع الفيلسوف الإيراني الشيخ محمد رضا حكيمي – مؤلف موسوعة الحياة، أو عبر تأملاتٍ في نصوص كتاب "نهج البلاغة" - السِفرُ الذي يشكّل وقود تأملاته. ويَلحظ "عليٌّ" في تجواله الزماني الثغرات التي شابت منظرّي العدالة في تلك الأزمان، إلى أن ساقتهُ الخطى إلى زمن حكومة الإمام علي عليه السلام، حيث يرأى العدالة متجسدة فيهِ لفظاً ومعنى. وتختمُ الرواية باستدراك – بدا لي أقوى في سبكه وتشويقه من متن الرواية الأصلي – يحكي رحلة مخطوطة العهد الذي خطّه أمير المؤمنين (ع) لمالك الأشتر رحمه الله من حدود مصر – حيث اسشتهد مالك الأشتر - إلى قصر الخضراء في الشام، ومن ثمّ إلى العراق في عهد الدولة العباسية ولاحقا إلى خراسان في زمن الإمام الرضا (ع)، ومجددا إلى العراق في زمن التتار حيث يكاد أن يكون مع الكتب التي غرقت في دجلة لولا أن استنقذه الحاج بكاش ولي الذي يأخذه إلى الأناضول، ولاحقا تهديه الدولة العثمانية للشاه عباس الصفوي كعربون صلح بين الدولتين، ويتحوّل العهد لاحقا إلى هدية من الشاه حسين الصفوي إلى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، وتنتهي رحلة مخطوطة العهد في أحضان الأمريكي توماس جيفرسون، متجها بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
افتقاد الناس للعدل يجعلهم عطاشى للبحث عن المأوى الآمن العادل وسط فوضى الظلم و عدم المساواة كما فعل وليد في هذه الرواية.. كُتبت بلغة تلامس حاجة الانسان ليتفكر و يبحث عن أُسس العدل في هذا الزمان و أين من الممكن أن يتم البحث عنها.
"فإنهم صنفان إما أخٌ لك في الدين وإما نظيرٌ لك في الخلق" وبدأ يخاطب نفسه قائلًا: " هذا ما أطمح إليه!! أن يكون الناس كلهم متساوين تحت عين الله !يوماً ما سأحقق هذه الأمنية. سأخلد الى الراحة الآن واترك بقية الترجمة لحين وصولنا الى الوطن "
تقع الرواية في قسمين:
الجزء الاول هو رحلة عبر الزمن لشاب يجوب في رحلته عدة أزمنة و حضارات مختلفة باحثاً عن العدل، حتى يلتقي بالمثال الأعظم للعدالة وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صاحب كتاب نهج البلاغة الذي لم يفارق هذا الشاب " الجوّاب"
وتنتهي هذه الرحلة في ٢١ رمضان ٤٠ هـ في مسجد الكوفة
الجزء الثاني هو رحلة لمخطوطة تبحث عمن يأخذ بها . خطها أمير المؤمنين سلام الله عليه لمالك الاشتر عندما ولاه الحكم في مصر، تحوي بين طياتها أسس العدالة ودستور الامور العبادية والقضائية.
وينتهي الجزء الثاني في حقيبة على سطح سفينة تجوب عباب البحر تضم وثيقة أمير البلاغة وأهم دستور للعدالة وهي تسمع أنين العبيد في الجزء الأسفل من السفينة
"صوت حزين ينخر في جدار السفينة شاهداً على ظلم الإنسان "
فكرة الرواية جميلة جدا وتصميم الغلاف جدا رائع وهو ما دفع بي الفضول لقراءة الرواية.