نصحها الشيخُ _ والد إحدى صديقاتها _ أن تتوقف فوراً عن النظر إلى القمر، خاصة في أيام تمامه واكتماله، وألاَّ تخرج في الليالي القمراء إلاَّ وقت الضرورة.. نصيحة فلسفية قوية، فقد بالغت حوراء كثيراً في تأملاتها، وكان الشيخُ نبيهاً إذ فهم أن تخيلات حوراء إنما جاءت من تأملاتها، وليس يسبح بالفكر ويثير الخيالات كالقمرٍ والنظرِ إليه.
وحسناً فعلت حوراء أنها لم تمتثل لهذه النصيحة، فتأملاتها هذه أخذتنا بعيداً جدًّا، سافرنا معها عبر الزمن إلى الماضي والمستقبل.
قالت لها جدتها يوماً: «يا ابنتي، لا تجعلي الحكاية تموت في فمك، فقد خُلقت الحكايات لتُروى»، لكن حوراء تؤمن أن بعض الحكايات تستحق أن تُروى، وبعضها تستحق أن تموت، فروت لنا حكايات وحكايات، بدأتها بأصوات طلقات المدافع، وأنهتها بأصوات طلقات المدافع أيضاً.
روت لنا عن حرب الجبل الأخضر، عن النخلة والأرجوحة، عن سفر جدها إلى البحرين وكيف عاد وهو يرطن باللهجة البحرينية، روت لنا عن حوراء؛ اسمها الذي كانت تنطقه حولاء، وعن حوراء؛ الجبل الشامخ الواقع شرق نزوى، كما روت لنا عن الفلج الذي لا يُعرف له مبدأ ولا منتهى، وكيف أنهم رموا في مجراه طفلاً، فلحقته أمه، ولم يعد أيُّهما، وأيضاً عن نزوى وقلعتها الشهيرة، وعن المساجد.
روت عن بيتهم الشامخ، عن عائلتها؛ أخيها وحديثهما عن المستقبل وكيف ستتغير الدنيا مع تطور التقنية العلمية، جدتِها المُعمَّرة ِالتي تجاوزت المئة من عمرها، ثم عن جدها، وأمها، وأبيها، ولم تنسَ أن تحكي عن خالها الميت الذي يُرى بين الحين والحين هنا وهناك، وهو ما أظنه يُسمى بـ(المغايب) في ثقافتهم.
هي رواية الحكايات، ورواية السفر عبر الزمن، والسفر هنا كما أفهمه إسقاطٌ للتوغل في قصص التاريخ.
الكتاب رائع جدًّا، على أنَّ الكاتبة تستطرد كثيرًا في الوصف، وتتداخل المواضيع في كلامها كثيراً، ورغم أن هذا النصَّ رواية فعلاً، لكن الأسلوب يليق بالسِّير الذاتية أكثر، وأنا أتصور لو أن الكاتبة فكَّرت مستقبلاً أن تسافر عبر الزمن في تاريخ حياتها الشخصية وتكتب سيرتها الذاتية، سيكون كتابُها بهذا الأسلوب الرائع قمةً في الإتقان.
لا يخفى على القارئ أن الكاتبة متمكنة، وتمتلك مقدرة فذة ومَلَكَة قوية في السرد، ثم إنك تخرج من كتبها _ هذا الكتاب وغيره _ بأفكارٍ جديدة ومعلومات ثقافية ثرية، فهي تكتب بضميرِ الذي يريد أن يُحكم عمله بحيث يخرج متكاملاً من كل النواحي، ودقيقاً علميًّا كذلك.. لكنها _ برأيي _ تبالغ في سردها، كما تبالغ في طرحها للأفكار، فالكاتب ليس مطالباً أن يكتب كل ما يجول في فكره.. هذا الاستعراض الفكري اللغوي حتماً مرهق للكاتبة التي بلا شك بذلت مجهوداً كبيراً في روايتها، وبالمقابل مرهقٌ أيضاً للقارئ الذي يقرأ كل هذا، ثم إنه لا يجد الحكايةَ.
نعم، القارئ لا يجد الحكاية، حكايةَ الرواية أعني.. فأسلوب الكاتبة الروائي لا يعتمد على روايةٍ واحدةٍ ذاتِ خطٍّّ زمنيٍّّ تسير عليه، إنما تكتب حكايات متفرقة هنا وهناك بقَالَبٍ روائي واحد، بمعنى أنها تبني أساساً واحداً، ثم تُنشئ فوقه عدة غُرف، وتتحدث في كل فصلٍ عن غرفةٍ من هذه الغرف، حتى إذا ما أنهت حديثها خرجت من الرواية بسلاسةِ مشهدٍ ختامي.. هذا ما انتبهتُ إليه في قلم الفهدية هنا، وما لاحظته في روايتها الأولى (الجانب الآخر من الحكاية)، وموجودٌ كذلك في قصتها (إنسالة) إلى حدٍّّ ما.
أمتع الفصول هو الفصل الرابع، فصلٌ تأخر كثيراً لكنه ممتع، إذ هنا فقط تعرَّفنا على بطلة الرواية؛ حوراء وعائلتها.. تحدث الفصل عن جبل الحوراء نفسه، وعن الفلج الذي لا مبدأ له ولا منتهى.. ثم انتقل الكتاب في حديثه إلى نزوى، وحكى عن قلعتها الشهيرة.. تمنيتُ أن تبدأ الكاتبة روايتها بهذا الفصل، حتى نتعرف على المحيط العائلي لبطلة الرواية قبل أن نخوض حكاياتها وسفراتها الزمنية.
اقتباس: «أنا أتصدق بقصصي ومعاناتي وحزني، ليعلم الناسُ أنهم ليسوا وحدهم من يعانون».