أصبحت فترة الحكم البورقيبي في تونس (1955 ـ 1987) جزءا من الماضي. إلا أن هذا الماضي لم يدرس دراسة تاريخية شاملة تعرف وتجمع وتفيد وتتجاوز الشهادات والمذكرات والمواقف السياسية الحزبية. لقد آن الأوان ليقتحم المؤرخون هذا الماضي القريب كما بدأ نظراؤهم في العالم المتقدّم يفعلون مع تاريخهم القريب والراهن منذ ثمانينات القرن العشرين. وتمثل دراسة الهادي التيمومي : تونس (1956 ـ 1987) في هذا المجال أول دراسة شاملة لتونس البورقيبية، إذ لم تقتصر على دراسة الجانب السياسيّ وإنما تجاوزته إلى الجانبين الاقتصادي والثقافي. وإن دار محمد علي للنشر لسعيدة بإخراج هذا العمل إلى مؤمنة مع المؤرخ الفرنسي الكبير فرنان بروديل أن علم التاريخ هو: "... العنصر الذي بدونه لا يمكن لأي وعي وطني أن يتشكّل، والوعي الوطني هو العنصر الذي بدونه لا يمكن لأي ثقافة طريفة أو أية حضارة حقيقيّة أن تتشكل.." برودال "في نحو الحضارات"
يهتمّ الكتاب بالعقود الثلاثة الّتي تلت استقلال البلاد التونسية، فيحقبها إلى أربع متّفق عليها تقريبا، حقبة التأسيس من 56 إلى الجلاء في 63، وحقبة التعاضد حتى نهاية الستينات وحقبة الانفتاح الذهبية خلال السبعينات، وحقبة الأزمات خلال الثمانينات حتى 87. ولقد حاول الدكتور الهادي التيمومي في دراسته لقطعة قريبة من التاريخ المعاصر، أن ينفصل عنها قدر الإمكان وأن يوليها قدر ما استطاع من الموضوعية. والحقيقة أن الدراسة حقا تتميّز بمعاملة الزمن البورڤيبيّ كتاريخ قديم، أو كصورة توثيقيّةٍ للأجيال القادمة بعد مئات السنين. فلا يكتفي بجرد الأحداث السياسية الكبرى، وتطورات مسيرة الحكم البورڤيبيّ وصراعاته، حتى إنه أفرد للصراع البورڤيبيِّ اليوسفيِّ مساحةً عابرةً، بل اهتمّ كثيرا بمظاهر الحياة في البلاد، والظواهر التي ميزت كل فترة، خصوصا على المستوى الاجتماعيّ والثقافيّ. يفترض أن يستحسن هذا التوجه، ولكنه والحق يقال لا يبدو معتمدا على الأرقام والإحصاء وتجرّد التحليل العلميّ بقدر اعتماده على التجربة الشخصية، وعلى تطويع الأمثلة والحجج للقناعات الشخصية. في نهاية الكتاب، يمكن أن نستشف شذراتٍ من كتابه الشهير لماذا أصبح التونسيون تونسيين، فأطلق ذات السمات على تونسيّي الثمانينات. أعتقد أنه مقطع زائد عن اللزوم.
باختصار، يمكن أن يكون الكتاب مفيدا لمن لا يعرف تونس، أو للأجيال التي جاءت بعد الحقبة البورڤيبية بكثير.
يحاول الكاتب تجاوز التوثيق السياسويّ للحقبة البورقيبية، ويدرس بصفة موازية، مختلف جوانب الحياة التونسية آنذاك. ولقد ذهب إلى محاولة دراسة شخصية التونسيّ، وتطوّرها خلال هذه الحقبة، وهي دراسة طريفة، وربما أتفق مع أغلب ما ورد فيها، لكنّها عكس بقية عناصر الكتاب، تفتقر إلى المستندات والحجج المادية، وتبدو في غالبها نتاج الملاحظة الشخصية. فهل تفتقر المكتبات الجامعية التونسية من الدراسات الاجتماعية اللازمة لتقديم هذه الحجج والمستندات؟ إن هذا الكتاب يمثل تلخيصا لا بأس به للحقبة البورقيبية، حاول الكاتب من خلاله أن يلم بمختلف جوانبها، لكنّ ذلك منعه من التعمق في التفاصيل وتحليلها رغم أهميتها أحيانا. فبدا لي أنه فسر الانتقال بين زمن أحمد بن صالح، وزمن الهادي نويرة بشيء من العجلة، وبدا لي أنه لم يول علاقة تونس بليبيا ما تستحق من الاهتمام، وكذلك علاقتها بالجزائر، وعموما فهذه العناصر يفترض أن تدرج لها فصول مستقلة ولكنّ الكتاب له سياسة مختلفة أقل تعقيدا.