" الخير ينحرف عن الطريق ما إن يتحول إلى طريقة, الخير خير مابقي بكرا طليقا يسرح في البرية على هواه, فإن مسته يد بني آدم وتبنته طريقةً انقلب. كالماء والهواء. إذا حبست الماء ركد وإذا سجنت الهواء فسد. "
هل أسميها متاهة-تحفة, رحلةٌ روحيةٌ, ملحمةٌ روائيةٌ ساحرةٌ.. لا أجد تعبيراً مناسباً يصف روعة الرائعة الأدبية المجوس للمبدع الليبي العالمي ابراهيم الكوني, منقذ العالم الروحي للصحراء, الذي يُنطق الجبال.. حباتَ الرمل.. لهيبَ الشمس.. وجنونَ الرياح.. في فضاءٍ ملحميٍ زاخرٍ بالأساطير والثراث الثقافي الرمزي..
لنتوقف قليلا عند الغلاف, تحديدا العنوان الذي يشير إلى المجوسية, تلك الديانة الوتنية الثنوية والتي ينسبها البعض إلى الزرادشتية.. لكن مهلا لا تتسرع في إرجاع الكتاب إلى مكانه على الرف.. تحل بالصبر – ستحتاجه –.. يوضح لك الكوني : " إذا عرف الوباء طريقه إلى النفوس, فتهيأ للدخول إلى معبد المجوس ".. والآن فلنفتح الكتاب..
أمامنا متاهةٌ روائيةٌ.. تعددت فيها الشخصيات, الحكايات, الأساطير والرموز.. فتعددت معها الدروس والحكم, في صورة روحية للصحراء بشتى عناصرها.. عبرالمتاهة يستعين الكاتب بالاسترجاع الزمني كبطل رئيسي في أسلوب السرد, فحاول الحفاظ على تركيزك تفاديا للتيه.. أو بالأحرى تفاديا لقصر النفس حتى لا ترجع الخطى للوراء فتغلق الكتاب.. لكن عبقرية الكوني السردية وروعة أسلوبه ستحثك على المواصلة..
تركيبة سردية معقدة ومتداخلة, تمازجت فيها الأحداث والحكايات.. بحثُ أهل الصحراء المستمر عن "واو" أو الفردوس المفقود وشوقهم إليها.. تلك الجنة التي طُرد منها جدهم الأكبر "مندام" بعد أن تطاول وذاق اللقمة المحرمة... ليضع لثامه على فمه ويتيه في الصحراء رفقة المرأة التي تدثرت.. الدراويش والحكماء استعانو بصفاء القلب وبصيرة العقل,فأيقنوا أن واوهم عندهم.. في صدورهم, و الباقي رأوها في ذلك المسحوق الملعون التبر, ذهبُ الجن.. رأوها في الثروة, في الجاه.. في المرأة.. دون أن ينتبهوا أن في نهاية الحكاية.. كفن. تعددت الرؤى, الأمكنة و طرق البحث, وبين هؤلاء وهؤلاء يبرز المجوسي الحقيقي.. " المجوسي هو من باع الله مقابل المال واستبدله في قلبه بحب الذهب " ..
زعيمٌ كان قدره حكم قبيلةٍ استلمه باكرا, أمسك العصا من الوسط وأصر عليها محتكما إلى " آنهي " كتاب الصحراء الضائع.. درويشٌ طيب القلب, طاهر الروح انحدر من سلالة الذئاب, ودانٌ إنسيٌ حقق أمنية زوجةٍ, ليهجر السهل ويتطاول على الجبل الذي أبرم عقدا مع الجن.. فارسٌ نبيلٌ دمره العشق وقدس "الوعاء".. وآخرٌ ملعونٌ بالعطش وسط رمال الصحراء.. سلطانٌ هرب من مدينة الذهب, ليقيم واوا في صحراء آزجر ويرنو إلى المعدن الذي يهابه أهل القبيلة.. أميرةٌ أرادت امتلاك قلوب الرجال, فخسرت الرهان.. نذيرٌ آثر العمى على رؤية الظلم, وقاضٍ سعى للإنتقام خلف حجة تطبيق العدالة, عرافٌ أصابته سهام العشق, إمامٌ, عرافةٌ أعماهم حب الذهب, وتاجرٌ تمرد على نواميس الصحراء.. لكلٍ لعنته.. لكلٍ حكايته.. لكلٍ أسطورة ترويها له الصحراء.. في عالم الكوني الطوارقيِ المميز..
كيف يوفق المرء في وصف متاهةٍ.. متاهةٌ تمنيت لو لم أخرج منها.. في كل ركن منها رحلة روحية تطوف بك حول معاني الأشياء.. في فضاءٍ خلابٍ اسمه الصحراء..
أقتبس نصيحة من إحدى القراء : " إن لم تقرؤوها بأرواحكم.. دعوها " .. فدَع عنك عالماً مادياً, وافتح باب عالَمِ الكوني.. بابٌ نُقش عليه : " ضيع نفسك.. تجدها " .. فمرحباً