أحد الولاة كان يسير ومعه جوقة من المنافقين والمداحين في يوم قائظ، حين رأى ” الناس تنحدر في سيل إلى النهر فيشربون الماء، ولاحظ المشقة التي يعانونها من أجل أن يشربوا. فنظر إلى أحد وزرائه، وقال : أرى الناس يقاسون من العطش. ألم تفكر في شيء يخفف عنهم مشقة النزول إلى النهر من أجل شربة ماء؟ “. واقترح الوزير أن ينشؤوا صهريجا أو حوض ماء، فرأى الوالي بأن الناس ستموت عطشا قبل أن يتم البناء. طلب من صابر أحد حراسه أن يشتري زيرا، وأن يغسله ويعبئه بالماء النظيف باستمرار، وطلب من الوزير أن يشرف على شراء الزير ومستلزماته. وتمر الأيام ليسأل في يوم الوالي الوزير عن الزير، فأجاب الوزير : إنها فكرة عبقرية يا سيدنا، لقد طورناها وعدلناها، وحين سأل الوالي عن التطوير والفكرة هي فقط زير وغطاء وماء وكوز. أجاب الوزير : بعد مدة وجدنا الإقبال على الزير يزداد واستعذب الناس شرب الماء من الزير… فقررت تحويله إلى مرفق عام شعبي…
وهكذا، ومن أجل الزير، تم إنشاء إدارة، ” فالدولة لن تدع مالها وممتلكاتها سائبة، وما دام للدولة مبنى لا بد من موظفين وإدارة مالية “. وهكذا تم فتح اعتماد مالي لمأمورية الزير، ووضعت خزانة للنقود “أودعناها سلفة، لأن الزير قد ينكسر، والغطاء يتلف والكوز يضيع “.. ويكمل الوزير بأنهم أنشأوا أربع إدارات فرعية، إدارة للفخار، وإدارة للحديد، وإدارة للخشب وإدارة للصفيح.. وتساءل الوالي : والماء أليس له إدارة؟ ويستطرد الوزير بأنه أمر بإنشاء مبنى بكلفة مائة ألف دينار من أجل إدارة عموم الزير، لأن إدارة عموم الزير مرفق خدمات، الاعتبار الأول لما يؤديه للأمة من نفع. ويكمل بأن إدارة عموم الزير ” على اتصال مع مختلف دوائر الدولة، ومع وزارة الأشغال والخزانة والاقتصاد والخارجية والداخلية.. وكان الوالي يقاطعه بين الفينة والأخرى متسائلا عن الماء.. الماء. وحين استفسر عن دور وزارة الخارجية، أجاب الوزير : من أجل المشاركة في المؤتمرات، لأن إدارة عموم الزير أصبح لها شهرة عالمية، ومديرها يحضر مؤتمرات في باريس ولندن ونيويورك.. تساءل الوالي : وهل يوجد في الدول الأخرى إدارات لعموم الزير، أجاب الوزير : لا يا سيدنا، نحن نفتخر بتجربتنا الرائدة، وراح يشرح كيف سنخرج من عنق الزجاجة وننتقل إلى طابور الأمم التي تم نموها.
وقام الوالي بزيارة إدارة عموم الزير. وكانت المفاجأة الصادمة حين شاهد المبنى الفخم الشاهق كتب على مدخله ” إدارة عموم الزير “، أناس يدخلون ويخرجون، خلية نحل من الموظفين والسكرتيرات والفراشين ومدراء الخشب والحديد والفخار، وملفات وأوراق وصواني شاي وقهوة، وموظفين يقرؤون الجرائد ومجلات ملونة للسكرتيرات و… و… والمدير العام في بودابست يحضر مؤتمرا، وهو ابن شقيقة الوزير، وتم تعيينه لأنه الوحيد المتخصص في هذا المجال. وانتقل الوالي في كل الأقسام وطلب في النهاية أن يرى الزير، نزل إلى الطابق الأرضي المغبر، قالوا إن الزير تم نقله إلى الورشة الأميرية لإصلاحه. ووجد صابرا، وقد أصبح رجلا هزيلا مسكينا، مركونا في إحدى الزوايا. وحين شاهد الوالي قال : لقد كذبوا عليك يا سيدنا، الزير ليس هنا منذ سنتين… إنني لا أتقاضى مرتبا منذ سنتين ونصف يا سيدنا إنني أموت جوعا، وحين سأل الوالي وكيل الإدارة العامة عن السبب، قال إن له إشكالا إداريا ماليا فليس معه مؤهل علمي لذلك لا نستطيع إعطاءه راتبا… صدم الوالي وطلب من صابر أن يعود إلى القصر كما كان ويشتري زيرا ويضعه تحت ظل شجرة ليشرب الناس ” ثم أصدر الوالي حكمه على الوزير بأن يدفع رواتب الموظفين الذين عينهم من ماله الخاص، وإذا نفذ ماله فمن مال زوجته وأولاده وأقاربه الذين أكلوا المال العام سحتا في بطونهم “.
ولد حسين مؤنس في مدينة السويس، ونشأ في أسرة كريمة، وتعهده أبوه بالتربية والتعليم، فشب محبًا للعلم، مفطورًا على التفوق والصدارة، حتى إذا نال الشهادة الثانوية في التاسعة عشرة من عمره جذبته إليها كلية الآداب بمن كان فيها من أعلام النهضة الأدبية والفكرية، والتحق بقسم التاريخ، ولفت بجده ودأبه في البحث أساتذته، وتخرج سنة (1352هـ= 1934م) متفوقًا على أقرانه وزملائه، ولم يعين حسين مؤنس بعد تخرجه في الكلية؛ لأنها لم تكن قد أخذت بعد بنظام المعيدين، فعمل مترجمًا عن الفرنسية ببنك التسليف، واشترك في هذه الفترة مع جماعة من زملائه في تأليف لجنة أطلقوا عليها "لجنة الجامعيين لنشر العلم" وعزمت اللجنة على نشر بعض ذخائر الفكر الإنساني، فترجمت كتاب " تراث الإسلام" الذي وضعه مجموعة من المستشرقين، وكان نصيب حسين مؤنس ترجمة الفصل الخاص بإسبانيا والبرتغال، ونشر في هذه الفترة أول مؤلفاته التاريخية وهو كتاب "الشرق الإسلامي في العصر الحديث" عرض فيه لتاريخ العالم الإسلامي من القرن السابع عشر الميلادي إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، ثم حصل على درجة الماجستير برسالة عنوانها "فتح العرب للمغرب" سنة (1355هـ= 1937م).
عين حسين مؤنس بعد حصوله على الماجستير في الجامعة، ثم لم يلبث أن ابتعث إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، فالتحق بجامعة باريس، وحصل منها سنة (1356هـ= 1938م) على دبلوم دراسات العصور الوسطى، وفي السنة التالية، حصل على دبلوم في الدراسات التاريخية من مدرسة الدراسات العليا، ثم حيل بينه وبين إكمال دراسته نشوب الحرب العالمية الثانية، فغادر فرنسا إلى سويسرا، وأكمل دراسته في جامعة زيوريخ، ونجح في الحصول على درجة الدكتوراه في التاريخ سنة (1361هـ= 1943م) وعين مدرسًا بها في معهد الأبحاث الخارجية الذي كان يتبع الجامعة.
لما انتهت الحرب العالمية الثانية ووضعت أوزارها عاد إلى مصر سنة (1364هـ= 1945م) وعين مدرسًا بقسم التاريخ بكلية الآداب، وأخذ يرقى في وظائفه العلمية حتى عين أستاذًا للتاريخ الإسلامي في سنة (1373هـ= 1954م).
إلى جانب عمله بالجامعة انتدبته وزارة التربية والتعليم سنة (1374هـ= 1955م)؛ ليتولى إدارة الثقافة بها، وكانت إدارة كبيرة تتبعها إدارات مختلفة للنشر والترجمة والتعاون العربي، والعلاقات الثقافية الخارجية، فنهض بهذه الإدارة، وبث فيها حركة ونشاطًا، وشرع في إنشاء مشروع ثقافي، عرف بمشروع "الألف كتاب"، ليزود طلاب المعرفة بما ينفعهم ويجعلهم يواكبون الحضارة، وكانت الكتب التي تنشر بعضها مترجم عن لغات أجنبية، وبعضها الآخر مؤلف وتباع بأسعار زهيدة.
قصة رائعه و مؤلمه تجسد الفساد الادارى ف مثال بسيط ممثل فى مجرد زير ليشرب الناس فيتحول بفضل الوزير الفاسد الى اداره عموم الزير و مبنى ضخم وموظفين و سكيرتيرات و سعاه و كل المناصب من الاقارب و ذوى المصالح و فى النهايه لا يوجد زير ..
مجموعة قصصية وابرزها ادارة عموم الزير وهى تتحدث عن الفساد الحكومى والبيروقراطية فى الدواوين الحكومية حيث يوجد اللاف الموظفين فى المصلحة الحكومية ممكن الاستغناء عنهم جميعا
١٢ قصة قصيرة في ٣٠٠ صفحة من الحجم المتوسط ، كان محتوى كتاب ( ادارة عموم الزير ) ، بلغة سهلة واضحة ، حملت رسائل تناوبت ما بين فضائل المعروف و عواقب أخلاقية ، و جدالات في الخاطر امتزجت بأحداث مهما طالت و كثرت تبقى صافية ولا يمكن الخلط في معانيها او في وضوح تسلسلها.
و اختلفت هذي القصص من كتابات مسرحية ، و نجوى نفس ، و مصارحة للقارئ ، و معظمها الغالب كان سرداً قصصياً استطعت من خلاله العيش في زمان و مكان الحكاية، حيث لم تتجاوز شخوصها تمثيل الهوية المصرية ، بصعيدها و حاضرتها ، مع تشديد الراوي على معضلات مصر الاجتماعية و المادية ، و الجرف الهاو الذي لم يتوقف عن الانحدار ، حتى تاريخه.
كان لقراءة هذه القصص منزل السرور في خاطري، إذ أني افتقدت في زحمة الروايات بالغة العمق و التعقيد بساطة سرد القصة، و هذه النشوة التي تعمل في الصدر عمل النسمة العليلة حين أصل في نهاية القصة إلى خاتمة تعيد الى النفس اللمسة الاخلاقية التي كنت اجدها في طفولتي بقراءة القصص، و التي بنيت عليها أسس شخصيتي و طريقة نظري إلى الحياة و من فيها.
و كما اختلفت صياغة القصص، اختلفت مشاعري في كل قصة، فمرة اكون جذلى بالعالم العجائبي الذي خرج إليه الزجَّاج من ظلمات البئر ليجد ما هو اشد منه ظلمه ، و مرة اشعر بالاشمئزاز من سي توفيق الأنيق و بنطاله المكويّ كحدّ السيف، و بين ذاك و ذاك ابكي و اضحك لغريب و عبدالكريم ، كلاً على علّته و خلاصه حكايته.
و ان كان هذا ليفضي بالنتيجة إلى شيء ، فهو إلى مبلغ ما اخذه الكتاب من قلبي و عقلي على حد سواء ، و رغم انني انجذبت بغريزة الجشع الى مقدمة كتاب أورهان باموق - و الذي انوي الكتابة عنه لاحقاً - الا انني اعود بحنين النشوة و متعة الصبا الى هذه المحافل القصيرة التي يغدقها علي الدكتور حسين مؤنس محمولة على أكفّ اعرق سلالة حية بجّلها التاريخ و إن نظر اليها الحاضر بعين العطف و الشفقة.
ما أخلص إليه هو انه كتاب ممتع، يمكنك حمله معك في طريقك مهما قصر، و ان كنت اكثر اعتدالاً مني في الانصراف الى ما يستهويه قلبك، فقصر هذه القصص يسهل عليك وضعها بين الحين و الآخر ، لتمضي ما تشاء من الوقت في قراءتها دون ان يشغلك تسلسل الحكاية، و دون ان تشعر مثلي بالخسارة لإنهاءها في نهار و نصف ليلة.
قال شوقي: والشِعرُ: إنجيلٌ، إذا استعملتَه في نَشْرِ مَكْرُمَةٍ، وسَتْرِ عَوارِ
والشرط البديهي بالتأكيد هو ألا يحس أحد بأنه أُستعمل لهذا الغرض!، وهذه المجموعة القصصية الفريدة أدهشتني كثيرًا جدًا جدًا، وكادت أن تنتصر عليَّ النزعة المسرحية وأقترب من الغلاف هامسًا: د. حسين مؤنس؟!، أهذا أنت!!
فلم أتوقّع هذا الجمال الفائق في كتاباته القصصية، فهو مؤرخ من الأساتذة الكبار، وكاتب إجتماعي ذو أسلوب ساحر ورشيق للغاية، وهنا في هذا الكتاب فيما يبدو إنه - كذلك - قاصّ من الطراز الأول
هي اثنتى عشرة قصة فاتنة، وراحة غامرة عند انتهاء الكتاب
في إطار قصة قصيرة بسيطة مكتوبة بسلاسة وبشكل ساخر، نجد تلخيص لأهم أسباب الفساد الإداري في أي منظومة. الهم اللي يضحك ويبكي. ذلك بالإضافة إلي قصص قصيرة أخرى رائعة. كتاب يستحق القراءة.